حاجات الانسان لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل ان حاجات الانسان ورغباته الروحية والنفسية أعمق بكثير واشد تأثيرا من سطحية المادية التي سرعان ما تزول الرغبة اليها وتضمحل مع مرور الزمن او انتهاء السبب الدافع اليها، لذا يطمح الانسان الى تعزيز خزينه الروحي والنفسي عبر البحث عن طاقات المعرفة والعمل والعطاء والأخلاق والتسامح والعفو والتعاون وغيرها من أفعال الخير والمعروف التي تنمي الروح وتعزز الطاقات الإيجابية في النفس البشرية التواقة الى هكذا روح وسط الكم الهائل من السلبية المحيطة بنا كأفراد ومجتمعات.

ولعل خير من يعطي الفرصة للروح قبل الجسد في تعزيز قدراتها وممارسة دورها الذي فطرت عليها في سبيل الرقي والمعراج نحو الكمال هو شهر رمضان الذي منحه الله (عز وجل) للإنسان كفرصة لإعادة تقييم الذات وانطلاقة جديدة نحو الامام.

وهو امر ضروري يحتاجه كل فرد منا لإعادة برمجة علاقته مع خالقه، ومع نفسه، ومع الاخرين، ويرى موطئ قدمه ومدى تقدمه او تراجعه واي السبل التي سيختارها في المستقبل ليكمل مسيرة حياته، ويشير الى هذا المضمون المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بقوله: "والانسان بحاجة في كل عام إلى وقفة مع نفسه ومع الحياة، لأن غبار الحياة قد يتراكم على قلبه فيجرده عن رؤية الحقيقة وتحول بينه وبين طريق التقدم، فلابد من غربلة تمهد الطريق إلى الدخول في شهر رمضان، لابد من نقض لما علق بالإنسان من غبار الجهل واليأس والتخلف، والأخذ بشآبيب الأمل والتقدم للمضي في طريق راسخ نحو تجديد الحياة الفردية ليكون هذا التجديد هو السبيل لتقدم حياة الجماعة نحو الامام".

ان الفوز الأكبر في شهر رمضان هو "اصلاح النفس والغير وتطوير الحياة إلى الأفضل، وهما عجلتان لا يمكن السير في عباب الحياة المتلاطمة الا بهما"، لان شهر رمضان يعتبر "فرصة للتدريب على الاخلاق الحميدة ونبذ الرذائل، والمراد بالأخلاق أعم من الاخلاق الواجبة كالصدق والامانة والوفاء بالعهد وما أشبه ذلك، أو الاخلاق المستحبة كإطعام المساكين والسلام على الناس والبشر في وجوههم"، وبهذا يكون الانسان شعلة تنير الدرب ليس لنفسه فقط بل للأخرين ايضاً وهو امر في قمة الإيجابية والعطاء عندما تكون قادراً على مساعدة الاخرين في تعزيز طاقاتهم الروحية بعد ان اصابهم الإحباط والتراجع والخمول والسلبية بفعل عوامل داخلية وخارجية اثرت كثيراً على حياتهم وحولتهم الى أشياء ساكنة لا حركة فيها ولا نشاط.

يقول الامام الشيرازي: "في شهر رمضان تترجم الأفكار إلى وقائع، وتتحول الحروف إلى حركة والكلمة إلى حياة، يتحول الإنسان إلى أمة كإبراهيم (عليه السلام) حيث كان أمة قانتاً لله، يكون أُمة بتقدمه في هذا الشهر، فهو يعبد الله ما يعادل عبادة سنة، وهو في المجتمع ليس فرداً، بل أفراداً متعاونين متآخين، وهو في الكون بذرة تبعث الحياة في كل ركن من أركان الدنيا، فشهر رمضان شهر الحركة والبركة"، لان "كل جسم ساكن إذا مسه نسيم هذا الشهر يأخذ بالحركة، فالكثير يخرجون للتبليغ في هذا الشهر المبارك، والكثير يشتغلون في الليل والنهار، وإذا ما حاولنا ان نحصي انتاج بعض الأفراد لوجدنا إنهم ينتجون ما يعادل الإنتاج في عام كامل".

ان "شهر رمضان بلسم يبعث الارتياح والطمأنينة إلى النفوس المعذبة والقلوب المنكسرة والأجساد المنهكة، انه ضماد لجراحات القلب والجسد، يخفف عنها عناء الحياة ومشاق العمل والكد، في لياليه المقمرة بالآمال وبأيامه الزاخرة بالعلاقات والزيارات وبالمحبة المتبادلة"، وهذه النظرة حقيقية لمن حاول ان يغير واقعه السلبي الى واقع جديد قائم على الإيجابية وبناء الروح وتكاملها وتعزيزها بالفضائل والأخلاق الحسنة، وازاحة ما ران على القلب من السلبية وفقدان الامل وغبار الذنوب والمعصية وغيرها من الأمور التي يمكن ان تحول الانسان الى شيء لا روح فيه ولا حياة ولا امل.

لذلك فان شهر رمضان وما يعطيه للإنسان من فرصة عظيمة للتكامل والقدرة على إعادة ترميم النفس واحياء الروح لا يمكن الاستغناء عنها او تجاهلها، بل ينبغي السعي بكل القدرات العقلية والبدنية للاستفادة القصوى منها، "فعلى الإنسان المسلم ان يكمل نفسه كما أراده الله سبحانه وان لا يبقي على نفس أية نقيصة من عبادة أو دين أو معاملة، فالجنة للمؤمنين الذين اقترن ايمانهم بالعمل الصالح وبالإخلاص ولم يتركوا واجباً ولم يصروا على ارتكاب المعاصي".

وحتى يمكن للإنسان الوصول الى التكامل في الروح والأخلاق وصفاء السريرة عليه ان يتخلص من ادران الصفات الذميمة والأخلاق السيئة كخطوة نحو الإصلاح الحقيقي للنفس، وفي هذا الشهر الفضيل هناك فرصة حقيقة، قد لا تتوفر في غيرها من الشهور، لمن يسعى الى التخلص من العادات والصفات والأخلاق التي تعرقل مسيرة الوصول الى الكمال والرقي الأخلاقي، ويطرح الامام محمد الشيرازي نقاط أربعة في الاسلوب الأمثل للتخلص من الصفات الذميمة والاخلاق السيئة وكما يلي:

1 ـ التذكر الدائم بنتائج الاخلاق الحميدة في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يكون صاحب الاخلاق انساناً محترماً ناجحاً في المجتمع، محبوباً لدى الناس، وفي الآخرة يكون مصيره الجنة حيث الخلود والراحة الأبدية، اما صاحب الاخلاق السيئة فيكون على العكس ينفر منه الناس ويبتعدون عنه، ويفشل في كل خطوة يخطوها داخل المجتمع، وفي الآخرة يكون مصيره نار جهنم حيث العذاب الأبدي.

2 ـ مطالعة قصص ذوي الاخلاق الحميدة الذين نجحوا في الحياة بسبب اخلاقهم، ومطالعة من هم على العكس ممن أخفقوا في حياتهم بسبب أخلاقهم السيئة.

3 ـ الايحاء الدائم بانه يريد ان يكون انساناً خلوقاً وانه يريد نبذ الاخلاق السيئة. فللإيحاء دور كبير في ربط الإنسان المسلم بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة.

4 ـ معايشة ذوي الاخلاق الحميدة وعدم التقرّب من ذوي الاخلاق السيئة.

والخلاصة ان الانسان في حياته الدنيا مخير في تحديد وجهته التي سيمضي عليها، وهو يعلم ان لكل طريق نهاية وعواقب قد تصل به الى الطريق المنشود او الى الضياع والزوال، وعلى هذا الأساس يمكن ان يرهن الانسان مستقبله بين أحد الطريقين، اما ان يمضي نحو بناء الروح والسعي نحو تكاملها الأخلاقي والمعرفي او تركها تحت رحمة الملذات المادية والصفات والأخلاق والعادات السيئة، وحتى يتحقق أحد الامرين فان شهر رمضان الكريم هو الفيصل في تحديد وجهة الانسان في اختيار الطريق الذي سيسلكه وكيف سيسلكه وما هي نتائج هذا الاختيار.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق