السلم المجتمعي، أو السلم الأهلي، الهدف منه أن تعيش المجتمعات ذات التنوّع العرقي والديني والاثني بسلام مع بعضها، وأن لا تحول الاختلافات الفكرية والثقافية والعقائدية دون عيشهم بسلام، فقد عانت مجتمعات كثيرة من اختلال ركائز السلم الأهلي، ولعل السبب الرئيس في تأجيج الاختلاف، وتحويله إلى خلاف يكمن في حالتين أو طبيعتين تهيمنان على المجتمع، وهما التطرّف والتخلّف.

مفهوم السلم الأهلي يعني الثبات الدائم للسلام، ورفض كل إشكال الاقتتال والاحتراب بين المكونات، أو مجرد الدعوة إليه أو التحريض عليه، أو تبريره، أو نشر مقالات وخطابات وندوات ثقافية أو إعلامية، تؤكد على أن التصادم حتميًا بسبب قوة العقيدة الدينية أو الحزبية، وتحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى إيديولوجية الاختلاف والتنظير لها ونشرها، وإعادة إنتاج لحرب أهلية، والتشكيك في جوهر البناء الدستوري ومواثيقه وحظوظ نجاحه في الإدارة الديمقراطية للتنوع، والإفادة من التجارب الناجحة في هذا المضمار، من أجل توفير فرص حقيقية لبناء مجتمع متماسك رغم تنوعه.

شهر رمضان الكريم فرصة كبيرة لترسيخ السلم المجتمعي، فأجواء السلام تسود الجميع في هذا الشهر، والعقول والقلوب تكون أكثر اتزانا، وتنطفئ الروابط الخلافية بين الناس، ويصبح الميول إلى السلام والتعاون، سمة إنسانية تطبع تفكير وسلوك مكونات المجتمع المتنوعة، لهذا فالسلم الأهلي دائما يعمل على منع الحرب الأهلية في المجتمع، ويخفف من سطوة الخلافات، ويطورها كي تكون حالات اختلاف يمكن أن لا تكون سببا لقهر الآخر، أو قمعه، أو إجباره على تغيير ما يؤمن به.

كيف نوظف وسائل العولمة لصالحنا؟

هناك من يرى أن وسائل العولمة يمكن أن تكون سببا في تأجيج الخلافات المجتمعية، وضعضعة النسيج المتماسك للمجتمعات التي يسودها التنوّع، لكن ظاهرة العنف ليست ظاهرة حديثة وليدة العولمة، وإنما يعود تاريخها إلى المجتمع الإنساني الأول، كما يشير إلى ذلك متخصصون بدراسة المجتمعات، كما أننا يمكن أن نوظّف وسائل العولمة لنشر عوامل مساعدة للسلم المجتمعي، كما يؤكد علماء أفاضل على أهمية نشر وترويج الفوائد الكثيرة الذي يعكسها شهر رمضان والصيام.

كما تؤكد المنظمات الحقوقية الدولية المستقلة، على أهمية انتهاز فرصة شهر رمضان، لكبح التوترات بمختلف أنواعها وأسبابها، تعضيدا لركائز السلم المجتمعي، وتخفيف ظاهرة التطرف وتذويب مسببات العنف بين مكونات المجتمع المتنوع، فهذه الظاهرة الخطيرة تتنافى والفطرة السليمة وطبيعة التكوين البشري، كما تتنافى وروح التعاليم الإلهية والشرائع السماوية، ومواثيق حقوق الإنسان، باعتبارها مجتمعة تؤكد بوضوح على أن الأصل في الحياة وفي معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان، هو مبدأ السلم والعفو والتسامح، أما القسوة والعنف فهو الاستثناء، وهو الأسلوب الذي لا يلجأ إليه إلا العاجزون عن توصيل آرائهم وأفكارهم، بالوسائل الطبيعية السلمية، وهذا يدفع بنا أكثر لجعل شهر رمضان مناسبة للسلام والتآخي، ونبذ التوتر والتطرف واحتواء الخلافات بمختلف أشكالها أو مصادرها.

كما أننا في العراق، باعتبارنا مجتمعا يتميز بالتنوّع بمخلف أصنافه، لذا يجب أن نستثمر شهر رمضان، وما تسوده من أجواء جانحة للسلام والهدوء والطمأنينة، كي يكون التنوع مصدر ألفة وتقارب فيما بيننا وليس العكس، وينبغي تعزيز ثقافة السلم الأهلي الاجتماعي داخل مكونات المجتمع العراقي، والعمل المشترك على ترسيخ مفاهيم سليمة، تعزز لغة الحوار بين الشباب، وتعزز دورهم في نشر مفاهيم حرية الرأي والفكر والمعتقد للآخر بعيدا عن أساليب العنف والتوتر، ولابد من التركيز -خصوصا في هذا الشهر الكريم- على ثقافة التسامح بين المكونات المختلفة عرقيا أو دينيا أو ثقافياً، حتى يعيش الجميع في إطار التعاون والاحترام.

مبادرات لتعزيز السلم

ولابد أن يكون هناك دور واضح وكبير لوسائل الإعلام، في تعزيز السلم المجتمعي، وتستثمر الفرص الذهبية التي يتيحها شهر رمضان الكريم لتوفير هذا الهدف الذي يساعد على الاستقرار ومن ثم التفرّغ لمدخلات ومخرجات التطور ومواكبة التسارع العالمي نحو قمم التقدم، فتعزيز الدور الإعلامي والحث على المشاركة في صناعة القرار، من خلال البرامج والحملات الإعلامية الهادفة، أمر بالغ الأهمية، كما لابد من التركيز على وقف الحملات والبرامج التي يمكن أن تزيد من حالة العنف والاقتتال، ولعل هذا الشهر الكريم فرصة مناسبة بل ذهبية لتحقيق هذا الهدف بالغ الأهمية.

ففي هذا الشهر المبارك يمكن للمعنيين (رسميون ومدنيون)، أن يبادروا بخطوات فعالة، تعزز السلم المجتمعي، وتفتح الآفاق أمام أفراد المجتمع واسعة أمام صناعة فرص فعلية للتعايش، وتعزيز أواصر السلم والتقارب والتكافل والتعاون، حتى يمكن المبادرة بخطوات مفيدة ومساعِدة منها:

- تنظيم حملات توعية منتظمة، تركّز على حرية الفكر وطرح الرأي حتى لو كان مختلفا عن رأيك.

- الإفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، لتهذيب أساليب التحاور.

- التركيز على تعميق وتجميل وتطوير أساليب الطرح الفكري أو الديني أو العقائدي.

- استثمار وسائل الإعلام والتواصل المختلفة لنشر ثقافة تحاور مهذبة ترتكز على حرية الطرح.

- توظيف الأجواء الرمضانية لإقامة ندوات حوارية بين المختلفين، ترعاها مؤسسات رصينة، تجمع بين المتناقضين فكريا أو دينيا أو عقائديا، وتقلص فجوات الصراع مع بقاء الكل على فكره ودينه وعقيدته.

- تنمية الشعور بالآخر، وبث روح التكافل والتعاون بين الجميع.

- أن لا ننسى جميعا بأن شهر الصيام، فيما لو تمت الاستفادة منه بشكل صحيح، يمكن أن يزرع قواعد رصينة تحفظ السلم المجتمعي طوال شهور السنة التي تعقب شهر الله، وصولا إليه مرة أخرى.

فيما تقدَّم أعلاه، تظهر الحاجة للسلم المجتمعي أمرا لا مفرّ منه، فهو السبيل للتعايش، وهو الطريق لصناعة مجتمع، تختلف فيه الأفكار والأديان والعقائد، لكنها لا تتخالف، ولا تساعد على التطرف، ولا تنتج العنف، وسيبقى شهر رمضان الذي يتجدد سنويا، يغدق علينا بخيراته وبالفرص التي تجعل العراقيين والمجتمعات الأخرى، في حال أفضل إذا ما تمّ التعامل مع هذا الشهر، كأنه فرصة للاحترام المتبادَل وليس للاحتراب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1