لمن يسمع مفردة الصبر في هذه الأيام المباركة، تقفز في ذهنه ساعات الإمساك المتعبة، وما تخلفه من بعض حالات الجوع والعطش، مصحوبة بحالات من النحول والإرهاق، لاسيما لدى ارتفاع درجات الحرارة، وانعدام وسائل التبريد في بعض الاماكن، ثم تنقضي فترة الصبر مع لحظات أذان المغرب، حيث يجلس الجميع حول مائدة الإفطار وبدأوا بتناول ما لذّ وطاب من الاطعمة والأشربة، ويتبادل الصائمون التهاني والدعاء بتقبل صيام هذا اليوم.

واذا وضعنا الصبر في ثنايا حياة كل واحد منّا سنجد إن حدوده تتسع لتشمل طريقة التعامل وطريقة التفكير، ثم نعد شهر رمضان بمنزلة الدورة التأهيلية لما بعد هذا الشهر الفضيل، بأن يكون التأنّي والتفكّر سابقاً دائماً على الاحكام والمواقف إزاء كل شيء، لاسيما وأن الصبر على أنواع؛ منها: الصبر على البلاء، والصبر على المعصية، والصبر على الأذى، وكل واحدة من هذه الانواع لها ميدانها الخاص في الحياة.

عندما يدعو الصبر صاحبه لأن يضغط على نفسه ويكبح جماح ردود الفعل إزاء المثيرات من الامور، فان البعض ربما تحدثه نفسه بأنه يندفع نحو الاستسلام أمام الضغوطات والاستفزازات من هذا او ذاك، بيد ان هذا الصبر اذا أخرجناه من الدوافع النفسية، وعوامل العجز لدى البعض من الرد، و وصلناه بالقدرة اللامتناهية التي تفوق قدرة الانسان على ما يرجوه من ردود الافعال، فانه يكون "صبراً مثمراً"، وهذا ما يجده في شهر رمضان، وفي ساعات الصوم، بل وحتى في كل ساعات هذا الشهر، إذ يعلّمه أن الصبر إنما هو في سبيل الله –تعالى- وليس لأمر آخر، فهو إنما يكبح جماح الشهوة الجنسية –مثلاً- ليس لانه موعود بجائزة او تكريم، إنما لتحقيق الهدف الأسمى من وراء الصيام، والوارد في الكتاب المجيد؛ ((لعلكم تتقون))، وهذه التقوى تعود بفائدتها على الانسان نفسه، وإلا فان ((الله غنيٌ عن العالمين))، فعندما يتدرّب الصائم على التقوى، و"الورع عن محارم الله"، كما جاء في نهاية خطبة النبي الأكرم، في استقبال الشهر الكريم، فانه يختبر مدى قوة إرادته في مواجهة التحديات، ليس في هذا الشهر، بل وفي سائر أيام السنة.

ففي خضم العلاقات الاجتماعية، وفي محيط العمل، أو الدراسة، تواجه الكثير مواقف تدعوه لركوب الموجة والخوض مع الخائضين، مهما كانت الوسائل سيئة، ومهما كانت التضحية بالقيم الاخلاقية وحتى الانسانية، من أجل لا يُوسم من قبل البعض بالمتخاذل، او الضعيف، او المستسلم في الساحة.

ولكن؛ ما هو الفيصل بين أن نتحلّى بالصبر، وفي نفس الوقت نتحلّى بقوة الشخصية؟

إن عامل الزمن له دور محوري في تفضيل خيار الصبر من عدمه، فالذي لا يعترف بجدوائية الصبر، لاسيما في الوقت الراهن، فهو يشعر بالقلق المتزايد من فوات الأوان على كلمة يقولها، او موقف يتخذه، او أي نوع من ردود الافعال التي يحسب لها ألف حساب مادي، يتعلق بالمال والجاه الاجتماعي، وايضاً؛ بالامتيازات السياسية ومواقع العمل المرموقة، وغيرها مما يمكن ان يخسره خلال لحظات في مواجهة محتدمة.

أما اذا ألقينا نظرة على هذا الزمن في شهر رمضان، نجد إن الصبر فيه ذو رؤية أخرى بعيدة المدى، لا تتحدد في لحظات انفعال لان الصبور هنا يحذف الزمن القادم أمامه ويتطلع الى اهدافه الكبيرة، فهو يحذف الزمن الفاصل بينه وبين تحقيق هدفه المنشود، فكلما اعترضته التحديات والعقبات، فإنه لا يوليها أهمية، كالطالب في المدرسة او في الجامعة، فانه يقاوم النعاس ليسهر، ويواجه الحرّ والبرد، ويبكّر صباحاً لعدم التأخر على موعد الدروس او المحاضرات، ثم المطالعة والمدارس وخوض الامتحان تلو الامتحان، كل ذلك؛ من أجل أن يرى نتيجة كل هذا الصبر والاستقامة، في نهاية السنة الدراسية، او عند تسلّمه الشهادة الجامعية، وبكل بساطة؛ اذا كان هذا الطالب، او ذاك الموظف، أو أي فرد في المجتمع، منشغلٌ دائماً بالرد على الافعال الحاصلة يومياً في هذه الحياة، فانه يتحول الى صامولة في ماكنة الحرب الكلامية وربما الساخنة، والصراع المستمر الذي يستنزف الجهود العضلية والذهنية، ربما المادية ايضاً من أجل لا شيء في المستقبل.

لذا فان صبراً كهذا يصدق عليه أن لا حدود له، بخلاف ما يُشاع في بعض الاوساط بأن "للصبر حدود"، وربما تكون كناية عن التحذير للطرف المقابل بأن يتلزم حدوده ولا يجبر الآخر على التصرف بشكل آخر، وهذا ما لا يحقق لصاحبه شيئاً على صعيد الواقع مطلقاً، وتاريخ العظماء والناجحين في العالم يؤكد حقيقة أن الصبر اللامحدود في طريق الاهداف الكبيرة، وفي سبيل الله –تعالى- هو الذي يساعد على نشر الاستقرار والأمان في المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2