ليلة البارحة شعرت بأن الغموض والأوجاع التي أعاني منها بدأت تنخر ذاكرتي من جديد، فثقلت روحي بطريقة عجيبة وكأنها احتضنت السماوات والأرض في خلاياها، وشعرت بأن جسدي لا يستطيع أن يقاوم هذا الثقل وأوشكت ُعلى الانهيار، بحثت عن الهاتف لأتصل بوالدتي، لازلت احفظ رقمها وأبقيتُ الخط الأرضي كما كان عليه، كي اتصل بها بين الحين والآخر، كل شيء بقي كما كان، البيت والأثاث لازالت ثابتة في أماكنها القديمة كما كانت في السابق.

كلما أشتاق لأمي أرفع سماعة الهاتف واتصل بها..

يرن الجرس ويرن، يواصل الرنين......

وعندما لا تجيب على الهاتف افكر مع نفسي، ربما خرجت من البيت كي تتسوق ما تحتاج إليه هي والبيت والأسرة، أو ربما ذهبت الى بيت الجيران لتأنس مع صديقتها كي تتخلص من حدتها، لابد أنها ستعود إلى البيت بعد قليل، ثم أعاود الاتصال بها من جديد.

وبقيتُ على حالتي هذه منذ سنوات، فكلما أشتاق لأمي أتصل بها، ولكن لا يوجد من يجيب على ندائي، للأسف ليس عندي رقم الجوال كي اتصل بالخارج ولا أعرف أي رقم آخر يمكن أن يصلني بها، كي أتصل و"أقول رجاءاً أخبروا والدتي بأني مشتاقة لها".

حينما أشتاق، يسكنني الألم وأشعر أن الكون رغم ضجيجه يصبح فارغاً من كل شخص، جميع أصوات الكائنات الأليفة تغيب، ولا يوجد أي شيء سوى الصمت القاتل! وتتمنى الروح حينها أن تسافر إلى مكان آخر وتحتضن الأحباب.

ربما مشاعر الشوق والألم تسكننا على الدوام، ولكن عندما يقترب شهر رمضان يزيد من وجعي، وكلما أرى اللافتات والإعلانات مكتوب عليها "رمضان يجمعنا" فأسأل نفسي: أين نجتمع يا ترى؟.

أين الوجوه التي توارت تحت التراب وتغيرت ملامحها؟

ربما لا أستطيع أن أتصل بوالدتي الآن، وقد أموت كما في كل مرة عندما أشتاق لها، ولكن ربما هناك من يستطيع أن يتصل بأحبائه ويزيل غبار الحقد والكراهية بمناسبة شهر الخير والبركات، وربما لا زال هناك شخصا ما يستطيع أن يرفع سماعة الهاتف ليجيب على الطرف الآخر ويغمره بالسعادة والأمل والاستقرار.

ربما هناك من يستأنس بصوت أحبته رغم المعاناة الحياة أقصر بكثير مما نظن ربما في أي لحظة تنتهي رحلة أعزتنا أو نحن ماذا سنفعل بهذا الحجم الكبير من الندم؟

ماذا سنفعل بهذا الحجم من الاشتياق واللهفة وكيف نتصرف حيالهما؟

لا زال هناك رقم وجهاز اتصال وهناك من يجيب عليه، إذاً نقول اتصلوا قبل فوات الأوان...

وهل هناك أجمل فرصة من شهر رمضان المبارك؟

في هذا الشهر الذي يسعى فيه الجميع لفعل الخير واكتساب اكبر مقدار من الثواب، كي يحصل الإنسان على مرضاة الله، يبين رسولنا الكريم (ص) سبل كثيرة نحو الخير والأخلاق حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ من عفا عمن ظلمه، ووصل من قطعه، وأعطى من حرمه).

وقال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً).

روى الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه في الأمالي عن رسول الله صلى الله عليه واله سلم انه، قال: (أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم تعطها امة نبي قبلي: إذا كان أول يوم منه نظر الله عز وجل إليهم فإذا نظر الله عز وجل إلى شيء لم يعذبه بعدها، وخلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة في كل يوم وليلة منه، ويأمر الله عز وجل جنته فيقول: تزيني لعبادي المؤمنين يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى جنتي وكرامتي، فإذا كان آخر ليلة منه غفر الله عز وجل لهم جميعا).

ومع كثرة الروايات التي تبشر الانسان بجمال شهر رمضان والغفران من الذنوب ومضاعفة أسباب الهداية، ولكن هناك شروط لقبول الأعمال ويجب أن يأخذ الانسان هذه الشروط في نظر الاعتبار، كي لا يذهب تعبه هدراً ويكون من الخاسرين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فأحد هذه الشروط أن لا يكون الشخص قاطع رحم، فقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: (اثنان لا ينظر الله إليهما يوم القيامة: قاطع رحم، وجار السوء).

وإنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم، وهو الذي لا يعود ذويه وأقاربه لأي سبب كان، فهناك التعالي والشعور بالكبر، فيتعالى الإنسان على من يشاركوه رابطة الدم والرحم، وها قد حلّ علينا شهر الرحمة من جديد واختار الله لنا البقاء، وأعطانا فرصة أو فرص أخرى للتخلص من الخطايا فكيف نبدأ هذا الشهر؟

وكيف نمسح الخطايا والحقد من خلايا الروح لنسمو إلى العليا، إن هذا الشهر يجيء خصيصا لتقليص الذنوب إلى أدنى حد، بل الخلاص منها ومحوها بصورة تامة، فهل سننتهز هذه الفرصة، وهل سنكون من أهل الله؟، ذلك ما نتمناه لجميع المسلمين بل للإنسانية كلها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2