أحذر من خيالك، لقدرته الكبيرة على تصور الأحداث والوقائع قبل وقوعها، وسرعته الفائقة على التلاعب بالصور والرموز، وقابليته من خلال محاكاة الأفكار في تكوين واختراع تجارب جديدة في العقل، وامكانية صناعة حياة كاملة بالتفكير الافتراضي.

ولهذا ينصح خبراء علم النفس والطاقة الحيوية بالسيطرة على الخيال والتحكم والتنظيم ليكون نشطا فعالا ابداعيا، فكما يساعد الأنسان على تطويره اذا استغله في امور مفيدة مثل التخطيط الجيد قبل تنفيذ المشاريع، والتذكر لربط الاحداث والتمييز بين النافع والضار، والتصور الإيجابي الذي يجلب التفاؤل ويشجع على اتخاذ القرار، يستطيع ان يحول واقعه الى احزان ومشاكل وكدر وامراض.

وقد واجه العالم اجمع الكثير ممن وقع في فخ خياله، بعد تفشي كورونا والمخاوف التي طالت الناس، اصبح الكثير يحذر ويحاذر من الاصابة بالفايروس، ولكن هناك من بالغ كثيرا بالحذر وصل الى الخوف والرهبة وهذا جعلهم عرضة لإمراض نفسية ووساوس جعلت اعراضها تشابه اعراض كورونا على الرغم من انهم غير مصابين، وهذا تصديقا لقول العالم العربي ابن سينا: (الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أولى خطوات الشفاء).

ومثلما تتأثر المشاعر والاحاسيس بالتخيل وكأنها احداث حقيقية بعد ان يعطي العقل الأوامر لتستجيب فأن العقل ايضا يعطي أوامر لكل أعضاء الجسم بالتوقف عن العمل استجابة لما ينسجه الخيال، وقد حذر هيرمان بورهيف احد العلماء الهولنديين ومؤسس التدريس السريري الناس كثيرا من خيالهم الواسع و إلى اين يمكن إن يؤدِ الخيال في حياتهم، واثبت كلامه من خلال تجربة قام بها سنة 1715، على احد السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، واتفق معه ان يتم اعدامه " بتصفية دمه " لدراسة التغيرات التي يمر بها الجسم أثناء تلك الحالة، وافق الرجل مقابل تعويضات مالية لعائلته، وكتابة اسمه في تاريخ البحث العلمي حتى يتذكره الناس على مر العصور.

فغطى الدكتور عيني الرجل، ثم ركب خرطومين رفيعين على جسده بدأ من قلبه وانتهاءا عند مرفقيه، وضخ فيهما ماءً دافئا بدرجة حرارة الجسم يقطر عند مرفقيه، ووضع دلوين أسفل يديه وعلى بعد مناسب، حتى تسقط فيهما قطرات الماء من الخرطومين وتُصدر صوتًا يُشبه سقوط الدم المسال، وكأنه خرج من قلبه مارا بشرايينه في يديه ساقطا منهما في الدلوين وبدأ تجربته متظاهرًا بقطع شرايين يد المجرم ليصفي دمه وينفذ حكم الإعدام.

بعد عدة دقائق لاحظ الدكتور والمتواجدين شحوباً واصفراراً يعتري جسم المجرم، وعندما كشفوا وجهه فوجئوا بأنه قد مات.

وكان الموت بسبب الوهم المختلق من نسيج خياله المرتب الدقيق بدون أن يفقد قطرة دم واحدة، وقد مات في الوقت نفسه الذي يستغرقه الدم ليتساقط من الجسم ويسبِب الموت.

احدى قوى العقل هو سيطرة الخيال الواسع للعقل الباطن على قرارات وسلوكيات الانسان فلا يستطيع ان يفصل خياله عن عقله او التفكير عن حياته، فالجميع كتلة واحدة مترابطة، ولكن بإمكانه ان يسيطر على خياله وينظمه ليكون الاداة للابتكار والابداع، ولا يجعله الوهم الذي يولد الإحباط والمخاوف له.

اضف تعليق