حمل وباء كورونا الجديد" كوفيد19" تداعيات نفسيّة محسوسة بسبب مخاوف مركبة عند البشر تباينت تأثيراتها وشدتها بين البلدان والأفراد، فالبلدان التي تأثرت بشدة بهذا الوباء وأصبحت بؤرا له حازت على الباع الطويل بهذا الشأن، والأفراد الذين تعرضوا بشكل مباشر أو غير مباشر للوباء هم الأكثر تأثرا بمضاعفات الوباء النفسيّة من غيرهم.

أهم ملامح هذه التداعيات النفسيّة المسجّلة هي الزيادة الواضحة في حالات القلق النفسي والكآبة وإضطرابات النوم، فقد بيّنت شركة أدوية "إكسبريس سكريبتس" الأمريكيّة مؤخرا ومن خلال تجربتها الخاصة بأن هناك زيادة ملحوظة في إستهلاك الأدوية المخصصة لهذه الإضطرابات النفسيّة تقدر بـ"34" بالمائة من المعدلات الإستهلاكيّة المعهودة!

رغم أن جميع البشر يشتركون في قلقهم إزاء هذا الوباء الجديد الغريب في خصائله ومميزاته والذي أثبت سرعة إنتشاره وإمكانية فتكه بصحة الإنسان وبمصادر عيشه، فإن"45" بالمائة من الأمريكيين يعتقدون بأن القلق من جراء وباء كورونا أثّر سلبا على حالتهم النفسيّة والعقليّة بشكل ملحوظ، حسبما جاء ذلك في إستطلاع أجرته مؤسسة " كيزر فاميلي" الأمريكيّة مؤخرا.

التأثيرات السلبيّة على النفس لهذا الوباء الإستثنائي تتزايد يوما بعد يوم في ظل غبش الرؤيا للمستقبل وفقدان الثقة بوجود علاج حاسم يشفي المرض أو لقاح أكيد متوفر يمنع إنتشاره، فالكل يشعر اليوم بغياب الحصانة على الصعيد الصحي والمعاشي على المدى المنظور في أقل تقدير!

أهم الأسباب الصانعة للتداعيات النفسيّة لكوفيد19 عند الناس تتلخص بالعوامل والأمور الرئيسيّة التالية:

أولا: القلق من الإصابة بالمرض

نصف الخائفين من تداعيات الوباء يشعرون بالخوف من الإصابة بالمرض و "62" بالمائة من هؤلاء يقلقون على شخص قريب لهم قد يكتسب العدوى والمرض، حسبما صرّحت به جمعيّة الطب النفسي الأمريكيّة. القلق من إمكانية حصول العدوى يكون متزايدا وملحوظا عند الأشخاص الذين يعملون في الخطوط الأماميّة وعلى تماس مباشر مع المرض كالأطباء والممرضين والعاملين في المستشفيات والإسعاف والطوارئ.

هؤلاء ليس فقط يعانون من خوف العدوى وإمكانية حصول المرض لديهم فحسب، وإنما يعانون أيضا من ضغوطات مركبة كإرهاصات ما يرون من معاناة المرضى وزيادة عددهم والخسائر الملحوظة في الأرواح من جهة، والجهد الإستثنائي بسبب الزخم الهائل من المرضى الذي قد يجرهم الى الحرمان من الراحة والنوم ومن الإلتقاء بأهلهم وذويهم من جهة أخرى!

ثانيا : الحجر الصحي والمنزلي

التباعد الإجتماعي بين الناس ومنع الإحتكاك بالآخرين مع فراق الأصدقاء والأحبّة، أثّر ويؤثر سلبا على التوازن العاطفي للإنسان، فالإنسان إجتماعيّ في الطبع وفطرته تحتّم عليه تواصله مع مجتمعه وأهله، فإبتعاده عنهم قد يحمل آثارا سلبيّة على مزاجه وحالته النفسيّة وتفاعلاته العامة. كما يعني الحجر أيضا عزل المرء عن إلتزاماته وهواياته ومواقع أنسه ومتعته، فمنعه من مواصلة أداء شعائره الروحيّة وزيارة أماكن العبادة، ومنع مشاركاته بالأعراف الإجتماعيّة من أفراح وأتراح، أومن ممارسة الرياضة والنزهة أو دخول النوادي ودور السينما أو غيرها من أماكن ثقافية وترفيهيّة، يجعله يشعر بنقص حاد في مساحة حريته ومتعته.

هذا النقص الحاد غير المعوّض قد يدفع المرء لإقتراف أمور قد تسيء للذات أو للغير، فلابد من ملأ هذا النقص وتعويضه خصوصا عند من يشكو من هشاشة في التحمل والصبر. لقد بيّنت الدراسات بأن الحجر الصحي والمنزلي له سلبيات على تصرفات الناس وأفعالهم، حيث لوحظ في فرنسا، على سبيل المثال وليس الحصر، أن النزاعات العائلية ارتفعت في الأسبوع الأول من الحجر المنزلي الى أكثر من"30" بالمائة عن معدلاتها.

كما لوحظت زيادات محسوسة في الإقبال على الأكل بشراهة، وإرتفاع واضح في حدة المزاج وإسراف في التدخين وفي تناول الكحول. كما بينت الدوائر المختصة بشكاوي المواطنين زيادة غير مسبوقة بعدد المكالمات الهاتفية من أشخاص يشكون من حالات الإعتداء والقلق والضجر والملل والكآبة وصعوبة النوم وإضطراباته، كما بينت الإحصاءات الرسميّة زيادة ملحوظة في نسب الإنتحار!

ثالثا : الإنكماش الإقتصادي والعوز المالي

أحدث كوفيد19 دمارا واضحا في إقتصاديات العالم أجمع وأدى الى خسائر ماديّة تتفاوت في فداحتها حيث لم يسلم أيّ ركن من أركان المعمورة منها! فإزدادت البطالة وتوقفت السياحة وتراجع السفر، تضررت الشركات بمختلف أحجامها وأشكالها، تهاوت البورصات وتهاوت البلدان معها على هاوية الإنكماش الإقتصادي والكساد، فتفاقمت الديون المالية على الدول وتقلّص الناتج المحلي الإجمالي للبلدان المتضررة، وهكذا فقد الكثير من الناس أو كادوا أن يفقدون مصادر رزقهم وعيشهم.

في ظل غموض الموقف وغياب النور في نهاية النفق تبقى الأمور معلقه وتبقى الشكوك سيّدة الموقف طالما لم يُكتشف لقاحا أكيدا أو دواء شافيا لهذا الوباء الجاثم على صدور الأمم، ويبقى القلق على المستقبل المعاشي وتبقى كآبة الخسائر الماديّة وإنعدام الأمان والاستقرار، مصادر أكيدة للإضطرابات النفسيّة التي يعاني منها البشر هذا اليوم.

رابعا : مضاعفات الإصابة بالمرض

بيّنت البحوث والدراسات الأوليّة بأن وباء كوفيد19 له خصائل إستثنائيّة وغريبة، سواء أكان هذا على مستوى طبيعته وطبيعة إنتشاره السريعة أو على مستوى خواص خيارات إصابته للبشر على مختلف أجناسهم وأعراقهم وأعمارهم. فهو قد يميّز بالإصابة على أسس الجنس والعمر وفصيلة الدم وطبيعة أعراق البشر وربما الوانهم! وفوق هذا وذاك فأعراضه المرضيّة أيضا تختلف من فرد لآخر، فمن الناس من لا يشعر به ولا يحس فيه، ومنهم من تظهر عليه علامات سطحيّة لا تكاد تذكر ومنهم من يكون قاب قوسين أو أدنى من الهلاك والموت!

ميكانيكيّة المرض في حالاته الخطيرة لها أوجه عديدة ومختلفة أيضا، فقد تحصل من جرائه إلتهابات شديدة في الرئة، قد ينتج عنها فشل التنفس أو قد تحصل تجلطات دموية تنتشر في أوعية الدم وتصيب أعضاء حساسة من الجسم أو قد تفشل أعضاء حيوية أخرى من جراء سمومه وتأثيراته الخطيرة كفشل الكلى مثلا، وقد تحصل عاصفة السايتوكين التي قد تدمر أعضاء حيوية من جسم الإنسان كالكبد أو غيره عند البعض الآخر.

المضاعفات النفسيّة أو العقلية التي قد تنتج جراء الإصابة تختلف في درجتها وتأثيرها من فرد الى آخر. حالة الكآبة بعد المرض تظهر في كثير من الأحيان عند المرضى الذين يتعافون من الأنفلونزا الموسمية العادية، فقد تكون الكآبة ضمن الأعراض التالية بعد الشفاء من وباء كوفيد19 كونه نوع من أنواع الأنفلونزا. كما أن التجلطات الدموية التي يمكن أن تحصل في الدماغ عند البعض من جراء المرض قد تخلف آثارا عصبية وعقلية عند المريض حين شفائه من الوباء.

السموم التي يفرزها الفايروس في داخل جسم الإنسان قد تؤثر على الجهاز العصبي بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا قيد البحث حيث يتطلب الموضوع دراسات مستفيضه كون أن المرض جديد وغير معروف سابقا. فوق هذا وذاك فللصدمة النفسيّة الحاصلة بسبب التعرض للإصابة بكوفيد19 أثرا لا يستهان به على المرضى، لأن هذا الوباء أحدث مخاوفا كبيرة عند الناس بسبب قابليته على الفتك بصحتهم، فصار كابوسا وعنوانا مخيفا للجميع. هذه الصدمة النفسيّة من جراء الإصابة قد تكون لها مردودات عكسيّة على نفسيّة الإنسان وعلى مزاجه حتى بعد تعافيه وشفائه، حيث تستحق الحالة البحث والمتابعة.

على ضوء ما تقدّم شرحه يمكننا القول بأن معالجة التداعيات النفسيّة الناشئة عن الوباء تبدأ بمعالجة أسبابها قبل كل شيء، وتنتهي بمتابعة المتأثرين بها ومراقبتهم وليس بمعالجة الأعراض المرضيّة النفسيّة فقط.

* أخصائي علم الأمراض

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5