لستُ ممن يؤمنون بالحظ السيء، ففي خضم الموج الصاخب في أعماق النفس البشرية وعبر تعرجات الأنفاس الصاعدة والهابطة على مدرجات الهواء، وترقبات الذات ومخاوفها ونوبات قلقها، أعرف ُ أمراً واحداً اسمه الإرادة، أراه مفتاحاً سحرياً يفتح كل الأبواب، لايعرفه اولايجيد استخدامه البعض ممن يندفع بلا عقل نحو أمور لاتناسبه او يتجه بإفراط نحو مصالحه الشخصية من غير النظر الى الضمير والى الآخرين، وكذلك لايعرفه مَن يفشل في إنجاز عمل اوتحقيق هدف ما، فيتحجج بسوء الطالع او بعدم توازن الأرضية التي يقف عليها.

ـ المعرفة، العمل، الخير، ثلاث إرادات توفر أسعد طالع، هذه الإرادات التي قرأت عنها في كتاب لعالم نفسي خلال سنوات طفولتي، تستظل ذاكرتي بها، وأنا استحضر مواقف البعض تجاه إخفاقاته في هدف اومهمة او مسؤولية اوارتباط، ومن يحشر نفسه في عمل بعيد عن اختصاصه اومقدرته على تعلمه، ومن يختار طريقاً بعيداً عن موهبته وتوجهاته، ومن يستبق الأمور ويضع أمام نفسه عراقيل تعطل التوصل الى قرار اوإنجاز عمل مطلوب منه، كل أولئك يعزون الفشل والعجز الى ( الأرض ليست مستوية )!! والحظ العاثر، يا لهذا الحظ (المسكين) المتهم بالسوء، ويالتلك الأرض المظلومة التي ينسب الى اعوجاجها الوهمي كل الإخفاقات التي تنجم عن سوء الاختيار.

بينما نجد آخرين يمتلكون إرادات حديدية يعرفون أين تكمن مواهبهم وأي الطرق تناسب مقدراتهم، ولاتثنيهم الظروف والعراقيل عن السير قدماً نحو غاياتهم، ويستطيعون حتى أن يستفيدوا من الخطأ ويصنعوا من الفشل نجاحاً، ذلك إن الفشل وارد حتى لأصحاب الإرادات لأسباب شتى، منها الظروف الشخصية والأسرية إذا ماكانت صعبة والأوضاع العامة غيرالمستقرة للبلدان والأوضاع السياسية المتقلبة اوالتي تفرض على الشعوب مالايسر وحتى الكوارث الطبيعية، ولكن تلك المعوقات ينبغي لها أن لاتجعلنا نستسلم لنتائجها.

وإذا ماضاع منا بسببها حلم اوسبل الوصول الى الهدف، فإن علينا البدء من جديد، ومن غير أن نبرر كسلنا اويأسنا بمبررات واهية، ومنها إن العمر لم يعد فيه بقية تذكر وإن أجمل السنوات التي كان يجب أن نكون سعداء فيها قد ضاعت منا، هنا ينبغي لنا معرفة أن لكل مرحلة زمنية من أعمارنا جمالها ومتطلباتها، ومادمنا أحياء يتوجب علينا أن نطمح ونسعى، لنستمر، فماجدوى أن ندفن أنفسنا أحياءً في مقبرة اليأس والكف عن المحاولة.

إن الحياة لاتبخل على أي إنسان بفرصة تناسبه. إنها تفتح له أبواباً غير متوقعة أحياناً، وماعليه سوى الإمساك بالفرصة قبل أن تتطاير مع الريح بعيداً عنه وحتى لايتهم حظه بالسوء،

يرى علم النفس أن وظيفة الإرادة هي أن لاتجعل للحظ سلطاناً على صاحبها خشية أن يسوء إذا كان حسناً اويتعطل إذا كان مقبولاً اوينقلب إذا كان مقبلاً، وأن تُعَد النفس لاغتنام الفرص فتجعل صاحبها محظوظاً إذا لم يكنه من قبل وبما يشد به عزمه ويفتح له آفاق المعرفة، فيستثمر حتى ـ ما أُطلق عليه مجازاً ـ الحظ السيء لتبديله بما يناقضه، والفرص متاحة في الأعم الأغلب، وهي لاتفرق بين إنسان وآخر إذ تمر خلال الحياة.

إذن، ما الذي أوصلني الى هنا ؟ وما الذي أوصلكم الى ما أنتم عليه ؟

أليست هي الإرادة، ذلك المفتاح السحري الذي يفتح كل الأقفال والأبواب ؟!

تذكروا دوماً أن للإرادات الثلاث التي يرتبط أحدها بالآخر : المعرفة، العمل، الخير، مفعول السحر لدى من يؤمن بها إذا ماعرف كيف يتجه اليها ويوظفها في حياته، فالمعرفة تتأتى من خلال العلم والثقافة والبحث والتمحيص والموهبة والخبرة بل حتى الفشل بمعناه الإيجابي، وهذه عناصر تجعلكم تدركون الاختيارات الصائبة في ما يتعلق بالأهداف اوالأشخاص اوالأعمال وغير ذلك، ومن خلالها تدركون أي الميادين يمكن أن تنجحوا فيها أكثر من سواها، وأما إرادة العمل فهي تعني بلاشك الحرص على الإنجاز والابتكار ونبذ الكسل والتقاعس والإتكالية، وتعني إرادة الخير الكثير من الإيمان بالله وبالذات وبالهدف وأهمية العمل وحب الغير الى جانب حب النفس وسلامة العقل والقلب ونقاء الروح والثقة وتسخير كل ماهو طيب على نحو إيجابي لخدمة المعرفة والآخرين والمجتمعات، بل إن إرادة الخير تعني حتى صنع الجمال من القبح إذا ما أدرك الإنسان قيمته وآمن بنفسه وبقواه الكامنة في عقله وروحه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3