كديرا بثياغودا

 

وُصف تنصيب دونالد ترامب بأنه رمز لنهاية “القرن الأمريكي”. وقد ينظر المؤرخون في السنوات المقبلة إلى العامين 2016 و2017 على أنهما الحقبة التي اجتمعت فيها أعظم قوتين تجتاحان العالم–أي مناهضة السلطة القائمة في الغرب وعودة آسيا إلى الساحة– لتمكين الصين من تأدية دور قيادي عالمي.

ظهر هذا الأمر في دافوس، من خلال تدخل بكين الأخير في الصراع الأكثر جدلاً في العالم أي الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأيضاً من خلال تصريح تيريزا ماي الأخير الذي قالت فيه إن أمريكا وبريطانيا لن تنتهكا بعد اليوم حرمة الدول ذات السيادة ولن تعملا على “تشكيل العالم على صورتهما”. هذا لا يعني انتهاء قرن من الهيمنة الأمريكية فحسب، بل يعلن نهاية نصف ألفية من التفوق الغربي.

تزامنت دعوة الرئيس شي جين بينغ لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، مع إطلاق البيت الأبيض في عهد ترامب محادثات مبكرة حول نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى المدينة المتنازع عليها. وهذا جزء من توظيف الصين لثقلها الاقتصادي الذي حققته خلال السنوات القليلة الماضية، لتثبيت وجودها الدبلوماسي والجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

تسير العلاقات الاقتصادية بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط في اتجاه متصاعد طويل الأمد. فبكين هي أكبر شريك تجاري أجنبي في المنطقة، وهي تتفوّق على الولايات المتحدة الأمريكية في شراء النفط. في السنوات الخمس التي سبقت العام 2009 تضاعفت التجارة بينها وبين المنطقة ثلاث مرات، فوصلت إلى 115 مليار دولار أمريكي.

وقد بدأت الصين بترجمة هذا الواقع إلى نفوذ استراتيجي. ففي العامين 2008 و2009، أرسلت بكين سفناً بحرية إلى المنطقة، وُصفت بأنها “أكبر بعثة بحرية منذ القرن الخامس عشر”. كما بادرت إلى عقد شراكات استراتيجية مع حلفاء تقليديين للولايات المتحدة الأمريكية مثل السعودية وقطر. فإلى جانب كون السعودية أهم مصدر يزود الصين بالنفط، أقنعت بكين الرياض بالمشاركة في مبادرة “حزام واحد، طريق واحد”، وشجعتها على الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وفي العام 2016، كشفت الدولتان عن خطة خمسية للتعاون الأمني بين السعودية والصين، كما عبّرت الرياض عن اهتمامها بالتكنولوجيا الدفاعية الصينية.

يعود الفضل في تنامي الدور الصيني جزئياً إلى بعض العوامل التي أوصلت الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى السلطة. أول هذه العوامل هو الإرهاق الذي سيطر على الرأي العام الغربي نتيجة التدخلات والحرب المستمرة لأكثر من عقد في الشرق الأوسط – علماً بأن الكثير من هذه التدخلات كان يحظى بتأييد نفس الجمهوريين العاملين في مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، الذين أعلنوا هم أنفسهم أنهم لن يعملوا مع ترامب، وأيضاً بتأييد أعضاء حزب العمال البريطاني أنفسهم الذين سعوا للإطاحة بجيرمي كوربين. ورغم خطاب ترامب القاسي ضد الإرهاب، إلا أن الرأي العام يميل إلى اتخاذ مواقف مناهضة لتغيير الأنظمة، مماثلة للمواقف التي نادى بها أنصار بيرني ساندرز. وقد لاحظت ماي نفسها هذا الميل، فعدّلت موقفها ليتناسب معه. يتزامن هذا مع تراجع نسبي لسلطة أمريكا وبريطانيا في المنطقة.

ويزيد على ذلك تراجع اعتماد واشنطن على الطاقة من المنطقة. ويترافق ذلك مع سعي دول الشرق الأوسط إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية في عالم بات ينحو بشكل متزايد إلى التعددية القطبية. وهذا يشمل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية مثل دول الخليج، إضافة إلى الدول التي تشعر بالتهديد الغربي كإيران مثلاً.

ورقة ترامب وأفضلية الصين

تتمتّع الصين بعدد من المزايا عفي المنطقة. أولها أن بكين تعكس الرأي العام الغربي من خلال اعتمادها مبدأ عدم التدخل في بعض القضايا، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا يتناسب تماماً مع توجهات حكام الشرق الأوسط. لقد أكدت الصين أن دول الشرق الأوسط وشعوبها يجب أن تمتلك حرية اختيار طريقها نحو التنمية حسب “ظروفها الوطنية”. في الماضي كان الرئيس شي قد أعلن دعمه لاختيار السعودية طريقها نحو التنمية. أما بالنسبة لقطر، فقد تميزت الصين عن الغرب حين تعهدت بدعم الدوحة في قضايا تتعلق بالاستقلال الوطني والسيادة والاستقرار والأمن والسلامة الإقليمية. وقد عبّر أمير قطر عن ارتياحه لهذا التعهد خلال الزيارة التي قام بها لبكين، فأعرب عن “تقديره لموقف الصين المحايد تجاه الشؤون الدولية”.

ثانياً، وخلافاً للولايات المتحدة الأمريكية، فإن الصين لا تربطها تحالفات أو عداوات راسخة ومعروفة. فالكل يعرف من هم أصدقاء أمريكا ومن هم خصومها، أما بالنسبة لبكين فالمرونة أكبر. وسوف يقوم مستشارو السياسة الخارجية الأذكياء بنصح الرئيس شي باستخدام علاقات الصين المتنامية مع دول الخليج وإسرائيل لتحسين العلاقات مع إيران والعكس بالعكس.

فلنأخذ على سبيل المثال مواقف الصين بشأن سوريا وليبيا، فقد اختلفت عن مواقف شركائها الجدد في الخليج. وبالإضافة إلى أنّ دمشق اعتادت شراء الأسلحة من الصين منذ زمن بعيد، أعلنت بكين أيضاً دعمها الواضح للتدخل الروسي في سوريا. ولطالما تعاونت الصين وروسيا لتأمين الحماية الدبلوماسية للحكومة السورية من خلال استخدام حق الفيتو في أروقة الأمم المتحدة. وذكرت بعض المصادر أن مستشارين عسكريين صينيين قد أُرسلوا إلى سوريا وأن بكين تقدم الدعم لتدريب الجيش السوري.

هذا وقد استضافت بكين شخصيات من حكومة الأسد ومن المعارضة السورية، مع المحافظة على نهجها الهادئ المعتدل. وفي لفتة رمزية مقصودة، أكد وزير الخارجية السوري أثناء زيارته للصين على رغبة حكومته في المشاركة في عملية السلام. بعيداً عن دول الشرق الأوسط، فإن موقف الصين تجاه سوريا يعزز قدرتها على التفاوض مع الغرب وروسيا على حد سواء. وبنفس الطريقة، فإن الإعلان الذي أصدرته الصين بشأن فلسطين يتيح لها انتزاع المزيد من إسرائيل.

مصالح الصين

تنظر الصين إلى المنطقة كمصدر للطاقة في المقام الأول. كما ترى فيها استمراراً لطرق التجارة التي تسعى لتأمينها انطلاقاً من شرق آسيا، مروراً بالمحيط الهندي، وصولاً إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.

إن القدرة على التأثير في الشرق الأوسط لها أهمية أيضاً للقوى العظمى/الناشئة مثل أمريكا والصين والهند، فهي تساعد في عرقلة وصول الطاقة للخصوم المحتملين ومنعه. ومن المحتمل أن يمنح الانخراط المتزايد في قضايا المنطقة بكين السيطرة على إمدادات الطاقة لتواجه خصوماً مثل اليابان، أو منافسين محتملين كالهند مثلاً. إن سعي بكين لتوطيد علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، كجزء من مبادرة “طريق الحرير البحري”، يزيد مخاوف الهند من الطوق الذي يفرضه “خيط اللؤلؤ الصيني”.

هذا وتعطي بكين أيضاً الأولوية للاستقرار في المنطقة أكثر مما تفعل واشنطن، فالصراعات الأخيرة كانت مكلفة للصين. إذ أدى سقوط نظام القذافي في ليبيا إلى خسائر في استثمارات الطاقة والبنية التحتية والمعدات، فضلا عن تكاليف الإجلاء. أما في ما يتعلق بسوريا، فقد اضطرت بكين للتخلي عن استثماراتها النفطية عام 2013 بسبب الحرب. يعتبر الشرق الأوسط حلبة رئيسة للتنافس بين القوى العظمى، من هنا يكون تنامي دور الصين الاستراتيجي في المنطقة بمثابة خطوة أخرى نحو ما يدعوه الكثيرون في المنطقة “المصير الحتمي”. تضيف هذه القوة الآسيوية الصاعدة، التي ليس لها ماضٍ استعماري في المنطقة، عنصراً جديداً يمكنه أن يسهم في حل القضايا التي تبدو مستعصية مثل القضية الفلسطينية – الإسرائيلية. لدى الصين مبادئ راسخة في احترام السيادة، من هنا يمكن القول إن دورها المميز والمتنامي في منطقة الشرق الأوسط قد يكون هو فعلاً المسمار الأخير الذي يُدق في نعش التدخل الغربي.

https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق