بسمة المومني

 

في وقت مبكر من صباح يوم الجمعة، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءً حاسماً بقصف قاعدة جوية سورية بـ 59 صاروخاً من طراز توماهوك كروز بعد ست سنوات من التقاعس الأمريكي. من ناحية اليمين السياسي، يمكننا أن نتوقع الترحيب والإشادة بأن الولايات المتحدة قد استخدمت أخيراً مكانتها المسيطرة لقلب حسابات نظام الأسد الدموي العسكرية والسياسية. وبعد أن لاقى حوالي نصف مليون شخص حتفهم، معظمهم على يد النظام السوري، أرسلت الولايات المتحدة للتو رسالة للرئيس السوري بشار الأسد بأن هناك إدارة جديدة في البيت الأبيض، وهي لن تقف مكتوفة اليدين في الوقت الذي يقتل فيه المدنيون وتركب جرائم حرب.

بيد أنّ اليسار السياسي يبدو أقل تفاؤلاً حيال ردّ السيد ترامب نظراً لحالة الفوضى التي تعمّ البيت الأبيض ووزارة الخارجية ولقلة عدد الخبراء الإقليميين المختصين الذين يعملون للرئيس. خطأ واحد يبعدنا عن احتمال حدوث تداعيات إقليمية كارثية، قد تتفاقم بسبب تأثير الدومينو. ويمكن أن يتحول هذا الوضع بسرعة إلى محاولة أمريكية فاشلة أخرى لإحداث تغيير نظام حكمٍ في الشرق الأوسط.

أيهما على حق؟ هل يُعتبر ذلك انتصاراً جيوسياسياً أم هو انزلاق إلى حرب جديدة لم يطلبها الأمريكيون؟ في الواقع، من الناحية التقنية، يُعتبر ذلك الأمرين معاً. والعالم لديه سبب للقلق.

لقد راقبت إدارة أوباما، بشكل سلبي، النظام السوري يقصف المدنيين ويقتلهم طوال ست سنوات، وقد اعتبر السيد الأسد التقاعس الأمريكي أنه ضوء أخضر لمواصلة سياساته المدمرة والقاسية. ووفقاً لحسابات الديكتاتور السوري، لن يرغب باراك أوباما بالدخول في حرب شرق أوسطية جديدة، بعد التدخل الأمريكي في العراق الذي استنزف موارد أمريكا وقلب موقف الناخبين. واتضح أن حسابات الأسد أصابت، فاستمرّ بخرق الخطوط الحمراء الإنسانية مرتكباً أبشع الفظائع في خلال السنوات الستة اللاحقة، على غرار الهجوم الكيميائي على الغوطة في العام 2013.

من جانبه، أعلن السيد ترامب بوضوح، في تصريح علني له، أن نهج السيد أوباما قد انتهت صلاحيته مع انتهاء ولاية الرئيس السابق، وأن السيد الأسد سيحاسب على أعماله من الآن فصاعداً من قبل بوصلة السيد ترامب الأخلاقية. وبإشارة إلى الصور الموجعة التي نشرت هذا الأسبوع للأطفال والرضع الذين قتلوا بغازات سامة أطلقها النظام، استحضر ترامب الله وأكّد للأمة والعالم أن النظام السوري يجب أن يوضع عند حدّه.

صحيح أنّ ردّ السيد ترامب على الهجوم الكيميائي الذي استهدف المدنيين السوريين هو إشارة واضحة على أن الرئيس الأمريكي الحالي يتفاعل بسرعة، إلا أن ما يقلق في الموضوع هو أنّ السيد ترامب، الذي يسيطر على أقوى ترسانة عسكرية على هذا الكوكب، قد اتخذ قراره عندما كان في منتجع بالم بيتش للجولف يناقش في أمور التجارة مع الرئيس الصيني خلال زيارته للولايات المتحدة. وتبدو هذه الضربة الأمريكية كأنها ردة فعل مرتجلة ومركّبة من قبل رئيسٍ خبرته قليلة في الشؤون العسكرية والدبلوماسية.

وما يزيد الطين بلّة هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومصالحه في المنطقة، بالإضافة إلى العلاقات المكتسبة التي تربط موسكو بالأسد. وأفادت تقارير أنّ جنوداً روساً كانوا في القاعدة الجوية السورية قبل أيام قليلة من الضربات. لن يسمح السيد بوتين بأن تمرّ هذه الضربات مرور الكرام من دون أن يسجّل ردّة فعل. إذ إنّ السيد ترامب والسيد بوتين كلاهما زعيم شعبوي-قومي تدعمه قاعدة سياسية متشددة وكلاهما قد شوّه صورة البلد الآخر.

قبل أسبوع فقط، احتجّ آلاف المتظاهرين في الشوارع الروسية على نظام بوتين الفاسد وسياساته التي تخدم مصالحه الشخصية. وبهدف تبديد الانتباه عن المشاكل السياسية والاقتصادية في الداخل الروسي، من الممكن أن يغتنم بوتين الفرصة لحشد الناس تحت راية الوطن للرد العسكري على الضربات الأمريكية. وغالباً ما تبدأ الصراعات العسكرية باستفزازات من هذه الشكل – على سبيل المثال اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الأولى.

من المقلق أيضاً أن يدرك المرء أن البيت الأبيض، في ظل ترامب، في حالة من الفوضى المستمرة. كما وأنّ خبرة الإدارة الأمريكية قليلة على صعيد السياسة الدولية والخارجية، نظراً لأنّ الرئيس ترامب محاطاً بمتملّقين لا يتمتّعون بالخبرة السياسية الكافية. ومن الممكن أن يشعل الرد الروسي تصعيداً من الجانب الأمريكي، مما قد يحوّل هذا الصراع إلى تصفية حسابات بين الزعيمين. ويكفي أن نضيف فاعلين إقليميين آخرين إلى ما سبق حتى تزيد احتمالات التدمير على نطاق واسع. وكانت إسرائيل قد اعترضت علناً على الهجوم الكيميائي السوري وأعلنت عزمها على وضع استراتيجية عسكرية للتصدي لأعمال مماثلة في المستقبل. هذا وتنتشر قوات إيرانية وعناصر من حزب الله في جميع أنحاء سوريا، علماً بأن إيران وحزب الله يشكّلان ورقتي ضغط بيد السيد الأسد وحليفين قويين له.

مما لا شكّ فيه أنّ ضربات دونالد ترامب الجوية ضد سوريا قد غيّرت مسار هذا الصراع الذي طال أمده في الشرق الأوسط. ولكن سيتعيّن أن ننتظر لنرى إن كان ذلك سيبشّر بنهاية أعمال السيد الأسد الوحشية أم أنه سيعلن بداية صراع عالمي وإقليمي.

https://www.brookings.edu

اضف تعليق