من تعود على متابعة التلفاز ولسنين عديدة يدرك الفرق الشاسع بين المضامين والمواد الإعلامية المقدمة في العقود الماضية، مقارنة بما يقدم اليوم عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية الى جانب ما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي، ولا نعرف ما الذي جعل الإعلام يصل لهذه المرحلة هل هو قصور فيه ام تقصير من القائمين عليه؟

في الثمانينات وحتى سقوط النظام كانت البرامج تحمل قدرا من الأهداف الإنسانية والتوعوية، فبعضها يقدم برامج تعزز الثقافة لدى الافراد وينمي قدرتهم على التفكير الإيجابي، من خلال الأسئلة الفكرية المعدة بشكل رصين يسهم بتدعيم الثقافة السائدة في المجتمع وليس التقليل منها او ضربها في الكثير من الأحيان.

ولغاية اللحظة لم تغيب عن ذاكرتي فترات برامج الأطفال الهادفة والمتضمنة فقرات ارشادية مثل التعامل الحسن مع الابوين والاخوان وأسلوب التخاطب مع الاهل والجيران، الى جانب الدروس العلمية المدموجة بالتسلية والترفيه، فضلا عن الأفلام والمسلسلات المستلة من الثقافة الشعبية الدارجة.

كل ما يقدم آنذاك لم ينال اعجاب الكثير من شرائح المجتمع حينها، فكيف الحال بما يُقدم اليوم؟

ما يقدم اليوم من برامج اجتماعية ساهم وبشكل كبير في تفتيت الموروث الثقافي الأصيل الذي يعتبر من التركات الثمينة لمجتمعات اليوم، ويبدو من سياق المقدم ان الخلل ليس بالمنظومة الإعلامية بحد ذاتها وإنما في القائمين عليها الذين يروجون لثقافات دخيلة لا تتماشى مع ثقافتنا المحلية، وبالنتيجة وجدت هوة بين الطرحين وحصل الصدام او التنافر الكبيرين.

لكن هذا التنافر لم يمنع من التأثير النسبي للثقافات الدخيلة عبر البوابات الإعلامية العراقية، التي وضعت برامج وخطط وظيفتها كسر الحواجز والخطوط الحمراء التي يحرص الكثير على عدم المساس بها والاقتراب اليها، كون الاقتراب يقلل من قدسيتها ويجعلها في المتناول من جميع الذين لا يضعون لها أي قيمة.

برامج اليوم لم تكن بحاجة الى التنويع لكن تفتقر الى المراقبة المباشرة من قبل الهرم الأعلى في الوسيلة الإعلامية، وقد ابتعد العديد منها عن المضامين الهادفة والحجج الراسخة التي تسهم في بناء الانسان والابتعاد عن المظاهر السلبية التي تهدم القيم والمبادئ الإنسانية.

بينما المفارقة الكبيرة ان فضائيات اليوم تركز بالدرجة الأساس على الأمور السلبية متجاهلة في الوقت نفسه الاسهامات الجيدة والالتفاتات الإيجابية التي تبادر بعض الفرق الشبابية والتطوعية الى إطلاقها، وبذلك يكون تقصيرا واضحا ومتعمدا من قبل هذه المحطات التي ذاع صيتها واخذت حيزا كبيرا من الشهرة بهذه الطريقة.

برامج ومسلسلات اليوم او المنتجة في السنوات الأخيرة لا تخرج عن الأطر السياسية التي استحوذت على كل شيء، فمن يتصفح القنوات التلفازية لا يرى سوى الكثير من البرامج والحوارات ذات المضمون السياسي المتحيز لجهة على حساب أخرى، لترسيخ وتعزيز أيدلوجية بعينها بعيدا عن المصلحة العامة وهموم المواطنين.

وقد تتعمد بعض وسائل الاعلام الى إثارة القلاقل سعيا منها لحصد كم أكبر من المشاهدات على حساب المهنية والموضوعية، ولا تبالي بكمية الكذب وتزييف الحقائق وما سيؤديه ذلك من خطر على المجتمعات التي لا زالت غير قادرة على التمييز بين الغث والسمين، فهي ضحية الاعلام الموجه من حيث تعلم او لا.

للإعلام بشتى صنوفه اهداف كثيرة لا يمكن حصرها لكن الأبرز منها هي الاخبار والتثقيف والتسلية، وهذه الجوانب الثلاثة لها علاقة مباشرة بحياة الافراد لا يمكن تجاوزها دون الاهتمام بها ومراعاتها، لكن الشيء المؤسف اليوم هو كمية الاستخفاف بهذه الأغراض وجعلها من الأمور الثانوية في عمل المحطات التلفزيونية التي تركز على تأجيج الصراعات وخلق الفتن بين صفوف المجتمع.

بعد هذه الكمية من التراجع الملموس في عمل وسائل الإعلام، لابد من إعادة نظر ووقفة جادة لإيجاد حلا لكل هذا التخبط غير المحمود، وضمن خطوات الحلول هي خلق قنوات تواصل مفتوحة بين المسؤولين عن هذه المنصات الإعلامية لكي يتم إعادة صياغة البرامج وإنتاج أخرى أكثر فائدة وجادة لنشر الثقافة العامة كما كان في السابق وأن تكون هناك خطة لنشر هذه البرامج بما يتناسب مع وقت المشاهد ووقت جلوسه في المنزل.

اضف تعليق