مسلسل فايروس الذي تعرضه قناة utv المملوكة لسرمد الخنجر نجل السياسي المثير للجدل خميس الخنجر، يستعرض الحياة الجامعية بطريقة تشبه أماكن الدعارة والعلاقات المشبوهة بين الطلاب والطالبات، فهل هو مسلسل يستعرض الواقع كما هو ويرفع القناع عن الجانب المخفي من النقاء المصطنع الذي تعيشه الجامعة؟ أم أنه مسلسل تجاوز رسالة الفن وبدأ يعمل خارج إطار القواعد الفنية الاحترافية؟

في البداية لا بد من توصيف المسلسل فهو يعتمد على أبطال المشهد الجامعي العام بحسب رؤية كاتب السيناريو أحمد هاتف، فالجامعة عبارة عن علاقات حب وجلسات في النادي الطلابي، ولا يوجد أي تعليم في قاموس الطالب، الجامعة بحسب المسلسل مكان ترفيهي عام يجتمع فيه الطلبة بحثاً عن الحب والعلاقات بين الشباب والفتيات.

ليس هذا وحسب، بل هي علاقات حب وخيانة دائمة، المرأة فيها سلعة تبيع نفسها بكل سهولة، بعضهن يسقط في الفخ، والبعض الآخر من الطالبات يحترفن عمل الفخاخ للطلاب.

ونقطة التحول هي الشخصية الضعيفة للأستاذ الجامعي الذي لا يتعدى كونه أنسان ساذج تضحك عليه فتاة في مقتبل العشرين من العمر، تستخدمه بما يشبع رغباتها تحت يافطة الحب، وهو حب لا يخلو من المكائد والكمائن الخفية، لدرجة أن الأستاذ يُسْتَدرَج إلى الغرفة الشخصية للطالبة داخل بيتها وتحت أعين الام التي لا تمانع من بقاء الأستاذ مع ابنتها في غرفة البيت رغم أنه متزوج ولديه أطفال.

من خلال مشاهد المسلسل يتحول الأستاذ الجامعي إلى خاتم بيد طالبة مغرورة تبيع نظرات عيونها وتفاصيل جسدها لتسحب الأستاذ إلى ميدان ممارساتها البعيدة عن طلب العلم والقريبة من ممارسات الملاهي والليالي الحمراء.

هل هذه الحياة الجامعية؟

دائما ما يجب كُتّاب السيناريو على أنهم يعرضون الواقع، وأن ما يجري هو مشاهد تشبه ما يجري في الجامعة فعلاً.

وفي إجابات أخرى يقولون أنه مجرد عمل فني خيالي ولا يحق لاحد أن يسقط الواقع عليه، ومن ثم فلا يوجد مبرر لشجبه وشنقه على عمود النقد اللاذع، وقد يكون هذا هو الواقع وقد لا يكون وقد يكون مجرد عمل فني لا يستحق الشجب؟ وسنجيب على هذا التساؤل في سياق المقال، لكن دعونا نعرف ما هي أهداف الفن ورسالته التي اعطته مكانته.

الفن يحمل رسالة عظيمة يمكن اختصارها في إتجاهين:

الاتجاه الأول هو تعزيز القيم التي تزيد من تماسك المجتمع وتحترم الإنسان وحقوقه، وبما يجعلها قيماً راسخة تنتقل من جيل إلى جيل عبر المسلسلات والأفلام والمسرحيات وغيرها من الأعمال الفنية التي تركز على هذا الجانب لتكون بذلك الشريان الحافظ لحياة المجتمع.

الاتجاه الثاني هو رسالة التغيير الخلاقة، أي أن الفن هو الذي يخلق واقعاً جديداً بما يتناسب وحاجات المجتمع عبر التغيير الذي يرتقى بالقيم إلى مستوى التحديات في المرحلة الراهنة.

وعلى طول مسار التاريخ نجد المجتمع بحاجة إلى الإتجاهين في الفن، اتجاه التعزيز والثبات، واتجاه التغيير وخلق القيم الجديدة، فمن خلال الفن تستطيع محاربة خطاب الكراهية عبر بطل المسلسل أو الفيلم، ومن خلاله نستطيع محاربة الطائفية عبر أبطال الأفلام والمسلسلات، ومن خلال هؤلاء الأبطال يصنع التغيير الاجتماعي والسياسي عبر تصدير النموذج البطل.

وبعض الدول بدأت تستخدم الفن من أجل تصدير المنتجات والتقاليد الاجتماعية ونمط الحياة كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية التي صدرت لنا نموذج الحلم الأميركي، ورجال الكابوي، وهناك النموذج الأقرب لسرمد الخنجر مالك قناة utv وهو النموذج التركي، فمن خلال الأفلام والمسلسلات استطاعت تركيا التأثير في عقول الجماهير العربية، وحققت أهدافاً سياسية واجتماعية واقتصادية عبر تسويق النموذج التركي.

من خلال النموذجين الأميريكي والتركي نجد أن الفن خلاق وقادر على تصنيع الواقع عبر النماذج الفنية والأبطال الذين يتحولون إلى أنموذج اجتماعي.

ولو اخذنا الاتجاه الأول في الفن، نجده سائداً في الجمهورية الإسلامية في إيران التي تبحث عن الثبات وترسيخ قيم إسلامية تتناسب مع الأهداف العامة للدولة، فهي تستخدم الفن من إجل الثبات عبر استدعاء التاريخ وإعادة استعراضه بطريقة فنية اثبتت نجاحاً كبيراً.

محكمة الفن

وعلى وفق التجارب التي استعرضناها نبذأ محاكمة مسلسل فايروس، فهل ينتمي لمدرسة الثبات أم التغيير وخلق الواقع؟

لا ينتمي فايروس إلى أي من المدرستين، إنه ينتمي إلى مدرسة الإضحاك، وقد يكون هذا الكلام غريباً، فالمسلسل لا يحتوي على المشاهد الفكاهية بقدر احتوائه على مشاهد جدية، لكن ما نقصده أن هذه القناة التي تبث المسلسل، كانت تركز في أبرز أعمالها على الإضحاك، وليته يكون إضحاكاً نقدياً يدفع نحو التغيير والإصلاح، إنما هو إضحاك للوصول إلى أكبر عدد من الجماهير حتى وأن تطلب ذلك هدم الأسس التي يقوم عليها المجتمع.

وفي المسلسل الذي نستعرضه لا يهدف القائمون على العمل الفني _كما نفهم منه_ إلى توصيل رسالة معينة تغييرية أو تعزيزية لقيم معينة، بقدر ما يريدون جذب انتباه أكبر عدد من الجماهير، وهو ما يتسق مع الحملة الإعلانية الكبيرة التي عملتها القناة قبل حوالي شهر من الآن، وهي حملة لم تكن للمسلسل فقط بل للقناة بشكل عامل، والهدف النهائي كما لاحظنا من خبرتنا مع القنوات الفضائية المستحدثة هو الدخول في الإنتخابات والإستفادة منها في التسويق للممول، أو استخدامها كمنصة إعلانية ابتزازية للسياسيين خلال فترة الإنتخابات.

وإذا كانت مؤسسات إعلامية بهذا المستوى وهذه أهدافها فهل يمكن أن نطلب منها إنتاج مسلسل تلفزيوني يعالج واقع التعليم في العراق بطريقة نقدية تفيد صانع القرار أو تجبره على إصلاح المنظومة التعليمية بطريقة تضمن استمرار الرصانة العلمية وإبعاد الجامعات عن التجاذبات السياسية، وزيادة مساهمتها في التنمية بالبلد؟ هذه مشكلاتنا في الجامعات، ونتأمل من القنوات الفضائية أن تعالجها لا ان تظهر لنا الجامعة عبارة عن ملهى.

أما الحديث عن العلاقات الغرامية بالطريقة التي شاهدناها في المسلسل، فهي طريقة تكشف عن ضحالة التفكير لدى القائمين على هكذا أعمال وقبولهم بالشروط أن يكونوا مجرد جسر لتحقيق اهداف الوصول إلى الجمهور ومن ثم التربح السياسي لصالح مالك القناة.

نعم الجامعة فيها علاقات مشبوهة ولا ننكر هذه الممارسات، وهناك علاقات بين بعض الأساتذة وبعض الطالبات، لكن ما حجم هذا السلوك المنافي للقيم الجامعية، وكم نسبته المئوية؟ لا أملك إحصائية عن هذه الأعمال، لكن من خلال متابعتي أجد أن العلاقات الغرامية لا تتعدى نسبة بسيطة، أو لنسميها ضمن الحد الطبيعي للانحراف.

الخلاصة أن المسلسل لم يستفد من الأموال التي رصدت له من أجل التغيير والارتقاء بالتعليم، بل عمل على تشويه صورة التعليم الجامعي من حيث يشعر القائمون عليه أو لا يشعرون، وأهدروا فرصة أخرى امام الإنتاج الفني العراقي ليثبت جدارته في معالجة القضايا الراهنة.

اضف تعليق