لم تكن عبارة (ديرة الفلاني) التي نسمعها في المسلسلات البدوية، خارجة عن سياق ثقافي يحكمها، فالقبيلة التي لها راية وزعامة، لها بالتأكيد (ديرة) او ارض معينة تفرض عليها اسمها. ويأتي هذا في سياق تطور الوحدات الاجتماعية التي ابتدأت بالعائلة فالقبيلة فالشعب او الامة، وكانت كل مرحلة جديدة تستوفي شروط تحققها مثلما تستوفي السابقة، شروط افولها، فينتقل معها جزء من ارثها الثقافي القديم، متمثلا باللغة والشعر والمرويات والاساطير ... مصطلح الدولة والشعب والامة، يمثل لحظة تاريخية لاحقة، تبلورت نتيجة تعقّد العلاقات المختلفة وتشابكها، واتساع رقعة التعامل التجاري ومارافقه من جهد ثقافي جاء بصيغة اديان او نشاطات فكرية، حايثت هذا الاحتدام البشري وعكست تطلعاته، الامر الذي بثّ المزيد من الحرارة في الجسد الانساني ودفعه الى الالتقاء، وان كان في اغلبه دمويا، تضبط ايقاعه طموحات وتطلعات، ارتدت الافكار او الاديان وسيلة لتحقيق مآرب خاصة او جهوية.

انتج هذا الحراك وحدات اجتماعية كبيرة، ذات طابع ثقافي معين، فاتسعت رقعة المكان وترسخت داخل ما سمي بالدولة التي هي صورة مكبّرة للديرة والعشيرة، فالدولة بشكلها الاولي، المتقدم على العشيرة، تمثّلت بالحاكم المطلق والرعايا، لكنها بقيت تمثل جذرا ثقافيا واحيانا روحيا، يجعل الشعوب الحديثة تعود اليها لتستحم باطياف ذكرياتها وتتضمخ بعطرها القديم، تماما كما كان ابن الدولة القديمة نفسه، يعود الى العشيرة متغنيا بها ومعتزا بانتمائه اليها، بعد ان وجد نفسه في ميدان واسع ابتلعت لججه، مسميات العشائر والديار الصغيرة لصالح المسمى الاكبر، الدولة والوطن، وهذا الاخير اخذ ايضا عن ما قبله جوهر الفكرة المحورية المتمثلة بالتغني براية العشيرة التي باتت علم الدولة، وبالديرة التي باتت الوطن، فالانسان بطبيعته يحتاج الى جرعات من الفخر، كونه مجبول على هذه الغريزة الساكنة اعماقه، وان زمنا طويلا سيمر قبل ان يجد الانسان نفسه في ميدان اكبر، لعل ارهاصاته بدات من خلال المنظمات الدولية التي اذنت بمرحلة جديدة، تتمثل بالدولة العالمية، وهذه لاتاتي بقرار سياسي، بل نتيجة لمعطيات يفرزها الحراك البشري وضرورات الحياة المتجددة، فلم يعد للدولة الوطنية معنى بعد قرون، وقد تتغير اللغات وتكتفي البشرية بلغة او لغتين سيكونان حصيلة ما يفرزه العلم وميادينه المختلفة، وتصبح وسائل النقل بتقنيات هائلة تلغي المسافات تماما، وحينها تختفي الدول وتصبح الارض ملعب الانسان الحر الخالي من اية عوارض او حدود!

تستوقفني كثيرا طروحات البعض من المثقفين، ممن يتشبثون باذيال التاريخ بطريقة عاطفية، وينكرون اثر المراحل في بناء الانسان والحياة .. انا سومري او فرعوني او فينيقي .. عبارات نسمعها من كثيرين، لاسيما بعد الانتكاسات السياسية التي مررنا بها، ومن خلال هذا الانتماء المزعوم، يستدعون مفاخر سحيقة ويستعلون على غيرهم بها! وايضا للتعبير عن رفضهم بعض الطروحات الحديثة التي تنادي بوحدات سياسية، اتكأت على ارث ثقافي مازالت البشرية تعيشه، يتمثل باللغة المشتركة والثقافة والتلاحم الجغرافي الواسع الذي سيغدو تاريخا بعد قرون، او بعد ان تتغير الثقافات وتتبدل قيم الحياة ... هؤلاء يتعادلون مع الاصوليين الدينيين، الذين يسعون لتحييد العقل وحبسه في اللحظة الاولى لانطلاق الفكرة الدينية. فالإصولي كائن رومانسي من نوع خاص، يعيش وسط صور حلم قديم، يؤثث بها عقله ووجدانه، فيذوب بينها لدرجة تجعله عاجزا عن مغادرتها، لانه يشعر بالتصحر الداخلي دونها، فيجمّد الزمن في ذهنه وذهنه فقط، ليبقى غارقا في وهم الانتماء لجماعة او دولة افلت منذ آلاف السنين .. ان ندرس حسناتها وسيئاتها للعبرة، نعم، لكن ليس لاستدعائها لميدان لم يعد ميدانها، لان هذا يفقد الانسان رسالته في الحياة وتحديدا المثقف، الكائن المتطلع الى الامام دائما!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0