في العراق حيث تنتشر البيروقراطية وجدت وظيفة "المعقب" وهو شخص ينوب عن شخص او عدة اشخاص ليروج معاملاتهم في دوائر الدولة، لكونه يفهم السياقات القانونية بحكم خبرته، بالإضافة الى امتلاكه شبكة واسعة من المعارف ما يسهل عليه الحصول على التواقيع اللازمة، وتختلف طرق الاعتماد على المعقب بحسب طبيعة المعاملات، فبعض الدوائر لا يمكن ان تكمل معاملتك اذا لم تمررها عبر المعقب، وبعضها اقل تعقيدا.

المعقب هذا الشخص العارف بكل تفاصيل بروقراطية دوائر الدولة، وخاصة السياقات القانونية منها، لذلك تجده قريبا من المحاكم ويتخذ دور المحامي في الكثير من الأحيان، ويجيد فن الحصول على مراده اكثر من أي شخص اخر، سواء بالحق او بالباطل. لكن ورغم براعته لم يحصل "المعقبون" على أي هوية من نقابة المحامين التي تعد الأقرب الى عملهم، بل انهم من يزاحمون المحامين، ولم تفكر نقابة المحامين يوما بان تمنحم ولو ربع فرصة ليكون المعقب ضمن كادرها تحت يافطة "يفهم افضل من أصحاب الشهادات الجامعية".

في الاعلام وجدت وظيفة أخرى شبيه بالمعقب، انه الشخص الذي يمتلك مهارة السير في منعطفات البلاد ودهاليز السياسة، وفي اغلب الأحيان يملك قريبا في حزب لديه قناة فضائية وهذا الحزب يحتاج الى من يتحدث باسمه، يصعد "المعقب" الإعلامي، ويلقي نشرة الاخبار او يتحدث في البرنامج التلفزيوني، يستضيف رئيس الحزب المالك للقناة الفضائية، وبعض القيادات الوسطى، يتناقل الناس مقاطع برامجه في مواقع التواصل الاجتماعي، في هذه المرحلة يتحول "المعقب" الى صحفي.

وعلى عكس "معقب المعاملات" تقوم نقابة الصحفيين باهداء "المعقب الإعلامي" هوية انتماء لها في ظرف قصير، فهو قريب من رئيس الحزب المتنفذ، وهذا الحزب لديه حصة في بعض الهيئات والوزارات، ويمكن ان يؤثر على نقابة الصحفيين وقيادتها الإدارية العليا، وبالتالي فان إعطاء الهوية "للمعقبين" لا تعد مشكلة حتى وان كان هذا "الصحفي الوافد" لا يعرف من الاعلام سوى استضافة شخصيات تتشاتم ضد بعضها في البرامج التلفزيونية.

للمعقب الإعلامي عدة صفات ابرزها:

1- حصوله على مكانة مرموقة في المؤسسات الإعلامية العراقية رغم انه لا يعرف الفرق بين الحصول على تحليل من خبير او أستاذ في اختصاص ما او الحصول على معلومة من مسؤول حكومي، لذلك تجده يتصارع مع ضيفه الخبير رغم ان قواعد الاعلام تقول بان الغرض من استضافة الخبراء هي الحصول على توضيح اهل الاختصاص بشأن قضية معينة، اما المسؤول الحكومي فنحن نحتاج الى موقفه وموقف حزبه من القضية ومبرراتهم لهذا الموقف.

2- المعقب الإعلامي يرتقي بالسلم الوظيفي بسرعة هائلة، وتصبح لديه حاشية من المتابعين عبر مواقع التواصل الإعلامي، يكيلون له المديح، رغم انه غير قادر على اخذ المعلومات من مصادرها الفعلية، لذلك تجده يطرق أبواب المسؤولين الكبار ظنا منه ان الإعلامي المتميز هو من يجلب ضيوفا من الطراز الرفيع، من مدير عام وما بعده.

3- لا يعيش المعقب الإعلامي الا على الصراخ، وهو بحاجة الى معارك دائمة، ويتفاخر بانه قد اهان فلانا في برنامجه، او رد بقوة ضد المسؤول الفلاني، (بشرط ان يكون هذا المسؤول من الحزب المُناوِئ للحزب المالك لقناة المعقب).

4- يخلط المعقب الإعلامي بين العمل الصحفي، والنشاط السياسي، فتجده يخرج في تظاهرة تنظمها جمعيات معينة، وفي الوقت نفسه يقوم بتغطية التظاهرة، والواقع ان الصحفي يجب ان يكون شاهدا على الاحداث لا مشاركا فيها.

لكن الا يوجد هناك من ابدع في الاعلام وهو لا يملك شهادة الاعلام؟ الا يوجد المئات من خريجي الاعلام الذين لا يستطيعون كتابة خبر صحفي؟ في الحالتين نعم، وفي الحالتين هناك تبسيط شديد لظاهرة مستفحلة في الوسط الإعلامي العراقي، وهي ظاهرة الدخلاء الذين تسلقوا الى أماكن قيادية في المؤسسات الإعلامي العراقية.

هذه الظاهرة سببها غياب المعايير، والمجاملات، فلا يوجد اختبار حقيقي عندما يراد توظيف شخص في احدى المؤسسات الإعلامية، ولا توجد متابعة للصحفي، ومدى دقة معلوماته التي ينشرها، ولا توجد قواعد للعمل، ولا سياسة إعلامية واضحة، لذلك يمكن لاي شخص ان يدخل الاعلام، واي اعلام وصلنا اليه اليوم، ففي معارك التحرير ضد داعش كانت القنوات العراقية تعمل عشرات التقارير ولا اثر لها الا بشكل بسيط، بينما تاتي صحيفة اجنبية بتقرير واحد لتقلب المعركة رأسا على عقب، لماذا؟ لأننا نملك "معقبين" اكثر من الصحفيين، ونملك من يجيد فن الضحك على المدير من اجل توظيفه اكثر من اجادته لمهنته.

في ظل سيطرة "المعقبين الإعلاميين" باتت مهنة الصحافة في العراق مثل العمل في التكسي، كل ما تحتاجه هو قرض من مصرف معين، وبطاقة قيادة تاخذها بالرشوة او بالواسطة، ومن ثم تصبح سائق تكسي وتزاحم أصحاب السيارات الصفراء، ولكي تكون إعلاميا بمرتبة "مُعَقِبْ" تحتاج الى مقرب في حزب معين، يعطيك مايكروفون القناة وتتجول به في الشارع او تأخذ ساعة برامجية، وتطلب منه ان يتصل بنقابة الصحفيين للحصول على هوية بعد اختبار شكلي. انت الان أصبحت "معقباً اعلامياً".

انقر لاضافة تعليق
حيدر السلامي
أصبت القول فما يجري في العراق يجري كما وصفت وما أكثر المعقبين وأقل الإعلاميين2019-06-13

مواضيع ذات صلة

7