أي حدث عراقي كبير لا يُقرأ في ذاته فقط، بل يُضاف فورًا إلى سرديات جاهزة تتنافس على تفسير العراق: هل هو دولة تستعيد قرارها؟ أم ساحة صراع؟ هل هو سوق واعدة؟ أم بيئة عالية المخاطر؟ هل ينفتح على واشنطن لتوسيع خياراته؟ أم يدخل في اصطفاف جديد ضد طهران...

لا تتحرك الدول في المجال الدولي عبر السياسات والاتفاقات والمصالح المادية فقط، بل تتحرك أيضًا عبر الصور التي تُصنع عنها، والانطباعات التي تترسخ في وعي الجمهور، واللغة التي تُستخدم في توصيف قراراتها وتحالفاتها وأزماتها. هنا تبرز أهمية السردية الإعلامية بوصفها الإطار الذي تُرتَّب داخله الوقائع، وتُمنح من خلاله الأحداث معنى سياسيًا واجتماعيًا. فالسردية لا تختلق الحدث بالضرورة، لكنها تختار زاوية النظر إليه، وتحدد أي جانب منه يستحق الإبراز، وأي جانب يبقى في الهامش، ثم تربط الوقائع المتفرقة بخيط تفسيري يجعل الجمهور يرى الحدث من منظور معين.

في الدراسات الإعلامية، يرتبط هذا الدور بمفاهيم مثل وضع الأجندة والتأطير؛ فالإعلام لا يكتفي بنقل ما يحدث، بل يسهم في تحديد القضايا التي تبدو أكثر أهمية للرأي العام، كما يؤثر في الطريقة التي تُفهم بها تلك القضايا من خلال اللغة والعناوين والصور والربط بين الأحداث. وتؤكد أدبيات الاتصال أن وضع الأجندة يحدث عندما يؤدي تكثيف التغطية لقضية معينة إلى جعلها أكثر حضورًا في إدراك الجمهور، بينما يشير التأطير إلى الطريقة التي تُبنى بها الرسالة الإعلامية بما يؤثر في تصورات الأفراد ومواقفهم وسلوكهم. 

وتزداد أهمية السردية الإعلامية في بلد مثل العراق، لأن صورته لا تتشكل من حدث واحد، بل من تراكم طويل من الحروب، والاحتلال، والفساد، والمحاصصة، والنفوذ الخارجي، والصراع على السلاح، وفي المقابل من الثروة النفطية، والموقع الجغرافي، والعمق الحضاري، والفرص الاقتصادية، والقدرة المحتملة على التحول إلى عقدة إقليمية في الطاقة والتجارة. لذلك فإن أي حدث عراقي كبير لا يُقرأ في ذاته فقط، بل يُضاف فورًا إلى سرديات جاهزة تتنافس على تفسير العراق: هل هو دولة تستعيد قرارها؟ أم ساحة صراع؟ هل هو سوق واعدة؟ أم بيئة عالية المخاطر؟ هل ينفتح على واشنطن لتوسيع خياراته؟ أم يدخل في اصطفاف جديد ضد طهران؟ وهل تمثل القيادة السياسية مشروع دولة، أم مجرد علاقة شخصية عابرة مع مركز قوة دولي؟

من هنا تأتي أهمية زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن. فالزيارة لم تكن مجرد لقاء دبلوماسي أو محطة بروتوكولية في علاقة بغداد بالولايات المتحدة، بل تحولت إلى لحظة مكثفة لإنتاج سرديات متعددة عن العراق. فكل طرف تعامل مع الزيارة بوصفها مادة قابلة للتوظيف: الحكومة العراقية حاولت تقديمها بوصفها انفتاحًا اقتصاديًا واستثماريًا، وواشنطن قرأتها في سياق إعادة ترتيب النفوذ والشراكات في المنطقة، والشركات الغربية رأت فيها فرصة لدخول أوسع إلى قطاع الطاقة العراقي، والفصائل القريبة من إيران تعاملت معها بوصفها مؤشرًا على اقتراب بغداد من المحور الأميركي، فيما ركز بعض الإعلام الدولي على شخصية الزيدي وعلاقته بترامب أكثر من تركيزه على المؤسسات العراقية نفسها.

تغطية رويترز أبرزت جانبًا اقتصاديًا واضحًا، إذ ركزت على توقيع اتفاقات مع شركات غربية في النفط والغاز والطاقة، وعلى خطاب عراقي يقدم البلد بوصفه منفتحًا على الاستثمار، مع نقلها عن الزيدي قوله في قمة أعمال أميركية عراقية إن بغداد تعتمد سياسة “الباب المفتوح”. كما نقلت عن الرئيسة التنفيذية لشركة بي بي حديثها عن الإمكانات الكبيرة للعراق من زاوية الموارد وأمن الطاقة. أما وكالة أسوشيتد برس فركّزت على أن الشركات الأميركية وقعت اتفاقات وشراكات تقارب قيمتها 60 مليار دولار، بينها مشاريع تستهدف إيجاد طرق بديلة لشحن النفط خارج الخليج، وهو تأطير يضع العراق في قلب هندسة جديدة لممرات الطاقة وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية المهددة.

في المقابل، وضعت الجزيرة الزيارة داخل سياق أكثر حساسية، إذ ربطتها بالسعي إلى التوازن بين الأمن والاقتصاد، وبحضور وفد عراقي واسع يضم وزراء ومسؤولين ورجال أعمال، وبموقف “المقاومة الإسلامية في العراق” التي أعلنت رفضها للزيارة ونتائجها قبل حصولها. وهنا تظهر بوضوح معركة السردية: فالمعلومة نفسها يمكن أن تُقرأ بوصفها انفتاحًا اقتصاديًا، أو محاولة لإعادة التموضع الاستراتيجي، أو ضغطًا على الفصائل، أو بداية لتقليل نفوذ إيران، أو فرصة للشركات الأميركية والغربية.

بهذا المعنى، لم تكن زيارة الزيدي إلى واشنطن حدثًا واحدًا بسردية واحدة، بل كانت مساحة لتنافس عدة سرديات. السردية الحكومية تريد القول إن العراق لم يعد بلد الأزمات وحدها، بل بلد الفرص والعقود والاستثمارات. وهذه السردية تخدم رئيس الوزراء داخليًا لأنها تساعده في الظهور بوصفه رجل نتائج قادرًا على جذب الشركات وتحريك ملفات الطاقة والبنية التحتية. لكنها تبقى مشروطة بقدرة الدولة على تحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية، لأن السردية الاقتصادية تفقد قوتها إذا بقيت محكومة بالبيروقراطية والفساد وضعف التنفيذ.

أما السردية الأميركية فتتعامل مع الزيارة بوصفها أكثر من ملف استثماري. فهي تقدم العراق كجزء من ترتيبات إقليمية أوسع، في الطاقة والأمن وتقليل النفوذ الإيراني وإعادة ضبط مسارات النفط والتجارة. هنا يصبح العراق، في القراءة الأميركية، شريكًا مطلوبًا لا لذاته فقط، بل لموقعه في شبكة المصالح الممتدة من الخليج إلى تركيا وسوريا وشرق المتوسط. وفي هذا الإطار لا تبدو صفقات الطاقة مجرد عقود اقتصادية، بل أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ والممرات.

أما الفصائل القريبة من إيران فتسعى إلى إنتاج سردية مقابلة، تقوم على التحذير من الارتهان لواشنطن. هذه السردية لا تبدأ من حجم الاستثمارات أو حاجة العراق إلى تطوير الطاقة، بل من أسئلة السيادة، والسلاح، والوجود الأميركي، والضغط على القوى المرتبطة بإيران. لذلك تتحول كل اتفاقية اقتصادية مع الولايات المتحدة إلى سؤال سياسي: هل هي شراكة طبيعية بين دولتين، أم خطوة ضمن مشروع أوسع لإخراج العراق من مجال النفوذ الإيراني؟

وتقرأ إيران الزيارة من زاوية مصلحية أكثر حساسية. فالعراق بالنسبة لطهران ليس مجرد جار، بل عمق اقتصادي وسياسي وأمني، وساحة حيوية في مواجهة العقوبات والضغوط الإقليمية. لذلك فإن أي انفتاح عراقي واسع على واشنطن، خصوصًا في ملفات الطاقة والدولار والممرات البديلة وتقييد حركة الفصائل، قد يُقرأ إيرانيًا بوصفه محاولة تدريجية لفك الارتباط أو تقليل الاعتماد المتبادل. وهذا لا يعني أن بغداد قادرة على إدارة قطيعة مع إيران، لكنه يعني أن الزيارة فتحت بابًا لسردية جديدة تقول إن العراق يحاول توسيع خياراته بدل البقاء داخل مسار واحد.

أما دول الخليج فتستطيع استثمار الزيارة في سردية مختلفة: العراق بوصفه ممرًا محتملاً ومجالًا للتكامل الاقتصادي لا مجرد مصدر قلق أمني. فإذا نجحت بغداد في تطوير خطوط نقل وتصدير ومسارات طاقة بديلة، فقد يصبح العراق عنصرًا في شبكة مصالح إقليمية جديدة. غير أن هذه السردية ستبقى مرتبطة بقدرة الدولة العراقية على ضبط الأمن، وحماية المشاريع، وتقديم ضمانات قانونية، وتخفيف أثر السلاح خارج الدولة على قرار الاستثمار.

وتتعامل الشركات الغربية مع الزيارة من زاوية الفرصة المشروطة. فالعراق يمتلك موارد هائلة وسوقًا واعدة وحاجة كبيرة إلى الاستثمار، لكنه في الوقت نفسه يحمل صورة مخاطر متراكمة: فساد، نزاعات قانونية، بيروقراطية، وضعف في البنية المؤسسية. لذلك فإن السردية التي تهم الشركات ليست فقط “العراق بلد غني”، بل “هل يستطيع العراق أن يوفر بيئة عمل مستقرة؟”. ولهذا فإن الزيارة قد تفتح الباب، لكنها لا تكفي وحدها لإقناع المستثمرين ما لم تُدعَم بإصلاحات واضحة.

أما الإعلام الدولي فيضيف مستوى آخر من التأثير، حين يختزل أحيانًا الزيارة في شخصية الزيدي وعلاقته بترامب. فقد ركزت فايننشال تايمز على صورة الزعيم العراقي الجديد في واشنطن، وعلى الطريقة التي استقبله بها ترامب، وعلى دلالة ظهوره السريع في العاصمة الأميركية بعد توليه المنصب. وهذه السردية تحمل خطورة خاصة لأنها تنقل التركيز من الدولة إلى الشخص، ومن المؤسسات إلى العلاقة الشخصية. فإذا نجحت الزيارة تُنسب إلى “رجل الصفقات”، وإذا تعثرت تُقرأ بوصفها فشلًا شخصيًا، بينما يبقى السؤال الأعمق هو قدرة المؤسسات العراقية على تحويل الزيارة إلى سياسة مستدامة.

إن جوهر المسألة أن العراق لا يواجه فقط تحدي توقيع الاتفاقات أو إدارة العلاقة بين واشنطن وطهران، بل يواجه تحدي امتلاك روايته. فالزيارة كشفت أن صورة العراق تُصاغ من أطراف متعددة: حكومة تريد تسويق الإصلاح والانفتاح، وقوى دولية تريد توظيف الموقع العراقي، وفصائل تريد حماية نفوذها، ودول إقليمية تراقب حدود التوازن، وشركات تبحث عن الربح والضمانات، وإعلام دولي يميل أحيانًا إلى تبسيط التعقيد في صورة رجل أو صفقة أو محور.

لذلك فإن السؤال التحليلي الأهم ليس: هل كانت زيارة الزيدي ناجحة أم فاشلة؟ بل: أي سردية ستبقى بعد الزيارة؟ هل ستبقى سردية العراق الساحة المفتوحة لتنافس الآخرين، أم تتقدم سردية العراق الدولة التي تحاول تحويل موقعها الجغرافي ومواردها إلى قوة تفاوض ومصالح؟ وهل تستطيع بغداد أن تمنع الآخرين من احتكار معنى الزيارة، عبر خطاب وطني واضح، ونتائج تنفيذية ملموسة، وإدارة متوازنة لعلاقاتها الخارجية؟

السرديات المتنافسة وسيناريوهات ما بعد الزيارة

السيناريو الأول: انتصار سردية الانفتاح الاقتصادي

في هذا السيناريو تنجح الحكومة في تثبيت صورة الزيارة بوصفها خطوة نحو جذب الاستثمار وتطوير الطاقة وتنويع الشراكات. هنا تصبح الاتفاقات مع الشركات الغربية دليلًا على أن العراق بدأ يتحول من بلد أزمات إلى بلد فرص.

النتيجة المحتملة: ارتفاع الثقة الدولية نسبيًا، تحسن صورة الحكومة داخليًا، وزيادة اهتمام الشركات بدخول السوق العراقية، بشرط أن تظهر خطوات تنفيذية واضحة.

السيناريو الثاني: غلبة سردية الارتهان لواشنطن

هنا تنجح الفصائل أو الأطراف القريبة من إيران في تصوير الزيارة على أنها انتقال سياسي نحو المحور الأميركي، وليس مجرد انفتاح اقتصادي. عندها تتحول الاتفاقات إلى مادة سجال داخلي، وتصبح الحكومة في موقع الدفاع عن سيادتها وخياراتها.

النتيجة المحتملة: ضغط سياسي داخلي على الزيدي، توتر مع القوى القريبة من إيران، وتعطيل أو إبطاء بعض مخرجات الزيارة بذريعة السيادة أو رفض النفوذ الأميركي.

السيناريو الثالث: سردية التوازن الناجح

في هذا السيناريو تستطيع بغداد أن تقول إن الزيارة لا تعني الانحياز لواشنطن ضد طهران، ولا البقاء داخل النفوذ الإيراني، بل تعني توسيع الخيارات العراقية. هنا يُقدَّم العراق كدولة تحاول تحويل موقعها الحساس إلى مصدر قوة تفاوضية.

النتيجة المحتملة: تعزيز هامش الحركة أمام الحكومة، فتح أبواب استثمارية جديدة، وطمأنة الداخل والخارج بأن العراق لا يريد أن يكون ساحة صدام بل مساحة مصالح متوازنة.

السيناريو الرابع: غلبة سردية “العلاقات الشخصية”

إذا ركز الإعلام الدولي والمحلي على علاقة الزيدي بترامب، وعلى صور الاستقبال والتوصيفات الشخصية، فقد تختزل الزيارة في شخص رئيس الوزراء لا في مؤسسات الدولة. وهذا يجعل نتائجها مرتبطة بمزاج سياسي متغير لا بمسار دولة مستقر.

النتيجة المحتملة: تضخيم الزيارة إعلاميًا على المدى القصير، لكن مع هشاشة في النتائج إذا لم تُترجم الاتفاقات إلى مشاريع، لأن السردية الشخصية تنهار سريعًا عند أول تعثر.

السيناريو الخامس: فشل السردية التنفيذية

وهو أخطر السيناريوهات. ففيه لا تنتصر سردية واشنطن ولا طهران ولا الحكومة، بل تنتصر سردية عراقية مألوفة: زيارات كبيرة، اتفاقات كثيرة، نتائج محدودة. عندها تتحول الزيارة من فرصة لصناعة صورة جديدة إلى دليل إضافي على ضعف التنفيذ.

النتيجة المحتملة: تراجع ثقة الرأي العام، حذر الشركات، عودة خطاب الفساد والبيروقراطية، وتحول الزيارة إلى مادة نقد بدل أن تكون نقطة تحول.

الخلاصة 

إن نتائج زيارة الزيدي إلى واشنطن لن تتحدد فقط بحجم الاتفاقات المعلنة أو عدد الشركات الحاضرة، بل بالسردية التي ستنجح في فرض نفسها بعد الزيارة. فإذا ترسخت سردية الانفتاح الاقتصادي، فقد تتحول الزيارة إلى بوابة لتعزيز الثقة بالعراق. وإذا غلبت سردية الارتهان لواشنطن، فقد تدخل مخرجاتها في دائرة الصراع الداخلي. وإذا نجحت بغداد في بناء سردية التوازن، فإنها قد تحول الزيارة إلى مكسب سياسي واقتصادي. أما إذا بقيت الاتفاقات بلا تنفيذ، فستنتصر السردية الأكثر قسوة: أن العراق ما زال ينتج الوعود أكثر مما ينتج النتائج.

إن بناء سردية عراقية متوازنة لا يعني تلميع الواقع أو إخفاء الأزمات، بل يعني تقديم العراق كما هو: دولة تعيش ضغوطًا داخلية وإقليمية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه فرصة لإعادة تعريف دورها. وإذا كانت زيارة الزيدي إلى واشنطن قد فتحت بابًا لسرديات متنافسة، فإن قدرة بغداد على تحويلها إلى مشروع دولة لا مشروع لحظة سياسية هي التي ستحدد أي صورة ستترسخ: عراق تابع لمحاور الآخرين، أم عراق يستخدم علاقاته المتعددة لصناعة هامش أوسع من السيادة والتنمية والاستقرار.

اضف تعليق