إنه سؤال عن نوع المجال العام الذي صنعته الشبكة، ونوع العلاقات التي أتاحت نشوءها، والطريقة التي كنا نصل بها إلى المعرفة ونفهم مصادرها ونشارك في إنتاجها. لقد انتقلت الإنترنت من شبكة تشير إلى الخارج إلى منصات تحتجز المستخدم في الداخل، ومن مجتمعات صغيرة إلى جماهير خاضعة للخوارزميات، ومن مواقع مستقلة...
لم تكن الإنترنت، منذ ظهورها، مجرد تقنية جديدة للاتصال، بل اقترنت منذ البداية بمجموعة واسعة من الآمال والتصورات الكبرى. فقد وُصفت بأنها فضاء إلكتروني جديد، وقرية عالمية، وحدود رقمية مفتوحة، ومشاع معرفي، وساحة عامة يستطيع الناس فيها التواصل والتعبير عن أنفسهم وتبادل المعرفة بعيدًا عن القيود التقليدية.
لكن هذه الصورة المثالية لم تستمر طويلًا. فمع توسع الشبكة، بدأت الشركات الكبرى تحوّلها تدريجيًا من فضاء يقوم على الروابط والمشاركة والاستكشاف إلى منظومة اقتصادية تقوم على جمع البيانات، واحتكار الانتباه، وفرض المراقبة، وإبقاء المستخدم داخل المنصة أطول مدة ممكنة.
ومع الصعود الأخير للذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد القضية تقتصر على تدهور منصات التواصل الاجتماعي أو احتكار شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبح السؤال يتعلق بمستقبل الويب نفسه: ماذا يحدث عندما تتوقف محركات البحث عن إرشادنا إلى المصادر، وتبدأ بدلًا من ذلك بإنتاج الإجابة نيابةً عنا؟ وهل نقترب من نهاية الإنترنت بوصفها شبكة مفتوحة من المواقع والكتابات والروابط المستقلة؟
في ملف نشرته مجلة «بوسطن ريفيو» بعنوان «ماذا كانت الإنترنت؟»، يتأمل خمسة كتّاب هذا التحول من زوايا معرفية وثقافية واجتماعية وسياسية مختلفة. ويجمع بينهم شعور بأن شيئًا أساسيًا من الإنترنت القديمة يتعرض للمحو، وأن استعادة ما كان جيدًا فيها تتطلب فهم الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا الاكتفاء بالحنين إليها.
الإنترنت بين الحلم الأول وخيبة الواقع
عندما اخترع عالم الحاسوب البريطاني تيم برنرز لي الشبكة العالمية في مختبر «سيرن» عام 1989، كان المشروع يقوم على فكرة بسيطة وعميقة: ربط الوثائق والمعلومات بعضها ببعض، بحيث يستطيع الإنسان الانتقال بحرية من مصدر إلى آخر.
لم تكن قيمة الويب كامنة في وجود المعلومات وحدها، بل في الطريقة التي تنتظم بها عبر الروابط. فكل موقع كان يستطيع الإشارة إلى موقع آخر، وكل كاتب يستطيع إحالة القارئ إلى مصدر مختلف، وكل مستخدم يستطيع أن يسلك مسارًا غير متوقع يقوده إلى فكرة أو مجتمع أو معرفة جديدة.
لكن هذه البيئة المفتوحة دخلت سريعًا في مواجهة مع ما عُرف بـ«الأيديولوجيا الكاليفورنية»، التي مزجت خطاب التحرر الفردي وثقافة المتمردين بروح الشركات والطموح الاحتكاري. فقد استُخدمت لغة الحرية والابتكار لتبرير توسع شركات خاصة سعت إلى امتلاك البنية التحتية للمعرفة والاتصال.
وهكذا ارتبط تراجع الويب بصعود وادي السيليكون وبالنموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي ترك للشركات الخاصة مهمة بناء المجال الرقمي وإدارته. وبمرور الوقت، تحولت وسائل التواصل من أدوات للمشاركة والتنظيم والاحتجاج إلى منصات مغلقة تخضع للمراقبة والخوارزميات والإعلانات، فيما أصبح الاقتصاد القائم على المنصات جزءًا من منظومات الأمن والمراقبة والحرب الحديثة.
غوغل والاستيلاء على البنية التحتية للمعرفة
يرى الباحث في الإعلام سيفا فايدياناثان أن فهم الأزمة الحالية يبدأ من النظر إلى الدور الذي لعبته شركة غوغل في تنظيم المعرفة البشرية.
فعندما أطلقت الشركة مشروع «كتب غوغل»، قدمت خطتها لمسح ملايين الكتب وتحويلها إلى نسخ رقمية بوصفها خدمة للإنسانية، ووسيلة لإنقاذ التراث المكتوب من التلف وإتاحته أمام الباحثين والجمهور.
بدا المشروع وقتها شبيهًا بمكتبة عالمية كبرى. لكن ما لم يكن واضحًا أن هذه الكميات الهائلة من النصوص المرقمنة والقابلة للمعالجة الآلية يمكن أن تتحول لاحقًا إلى بنية تدريبية لنماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنظور، لم يكن جمع الكتب وتنظيم المعلومات مشروعًا خيريًا خالصًا، بل جزءًا من عملية أوسع لبناء أكبر مخزون من النصوص القابلة للهضم الآلي. وقد أصبحت هذه البنية اليوم أساسًا لأنظمة توليدية تهدد بإحلال الإجابات المصنعة محل الكتب والمواقع والمصادر التي استخرجت منها المعلومات أصلًا.
كان فايدياناثان قد حذر في كتابه «غوْغلة كل شيء» من أن العالم عهد، من دون نقاش عام حقيقي، إلى شركة خاصة بمهمة تنظيم مجمل المعرفة البشرية.
لم تكن غوغل تكتفي بتنظيم نتائج البحث، بل أخذت تشكل عادات الناس في الانتباه والإفصاح عن الذات، وترسم خرائط المدن، وتمسح الكتب، وتضع خوارزمية الترتيب بينها وبين كل مواطن يبحث عن معلومة.
ومع ذلك، احتفظ محرك البحث، خلال مراحله الأولى، بوظيفة إيجابية أساسية: كان يشير إلى الخارج.
كان المستخدم يكتب سؤاله، فتظهر أمامه مجموعة من الروابط. وربما كانت طريقة ترتيبها خاضعة لخوارزمية سرية ومصالح تجارية، لكنها كانت تظل أبوابًا تقوده إلى مواقع ومؤسسات وكتّاب مختلفين.
كان المستخدم يغادر فضاء غوغل ليدخل إلى صحيفة أو مدونة أو موقع جامعي أو منتدى أو مؤسسة حكومية. وكان هذا الانتقال يحافظ، ولو جزئيًا، على تعدد المصادر وعلى فكرة أن المعرفة لا تأتي من صوت واحد.
من ترتيب المصادر إلى إنتاج الإجابة
ما تغير مع الذكاء الاصطناعي هو أن غوغل لم تعد تريد الاكتفاء بالإشارة إلى المعرفة، بل تسعى إلى إنتاجها وعرضها داخل واجهتها.
فبدل قائمة الروابط، يظهر أمام المستخدم ملخص مركب تصنعه نماذج لغوية، يزعم الإجابة عن السؤال مباشرة. وتظهر المصادر، عندما تظهر، في مساحة هامشية يسهل تجاهلها.
ويمثل هذا الانتقال من ترتيب المصادر إلى صياغة الإجابة تحولًا نوعيًا، لا مجرد تحسين تقني لمحرك البحث.
فقائمة الروابط كانت تكشف تعدد المواقع والأصوات والخلفيات المؤسسية. وكان القارئ يستطيع ملاحظة أن أحد النتائج صادر عن صحيفة، والثاني عن جامعة، والثالث عن مدونة، والرابع عن جهة رسمية. وكان مجرد تصفح النتائج يوفر تمرينًا مصغرًا على نقد المصادر والمقارنة بينها.
أما الإجابة المولدة، فتجمع عمل عشرات الكتّاب والباحثين والمحررين والمؤسسات في صوت واحد سلس، من دون مؤلف واضح أو سياق ثابت. وتستبدل الخلاف الحقيقي بين المصادر بمظهر مصطنع من الاتفاق واليقين.
وبذلك تتحول عملية البحث، التي كانت تتطلب المقارنة والتأمل وتحمل الغموض وإمكان الوقوع في الخطأ، إلى فقرة واحدة واثقة قد تكون متحيزة أو ناقصة أو مختلقة، لكنها تبدو أكثر حسمًا من المصادر التي استُخرجت منها.
وتشير البيانات التي يعرضها فايدياناثان إلى أن ظهور ملخصات الذكاء الاصطناعي يقلل بدرجة كبيرة احتمال انتقال المستخدمين إلى المواقع الأصلية. فكلما حصل القارئ على إجابة جاهزة، ضعفت حاجته إلى الضغط على الرابط وقراءة المادة التي أنتجها الكاتب أو المؤسسة.
وهنا تظهر المشكلة الاقتصادية إلى جانب المشكلة المعرفية. فالصحف والمجلات والمدونات والمواقع التعليمية تحتاج إلى الزوار والاشتراكات والإعلانات والتبرعات للاستمرار. وعندما تستخدم غوغل محتواها لإنتاج إجابة تمنع القارئ من زيارتها، فإنها تستهلك عمل الويب المفتوح وتحرمه في الوقت نفسه من الموارد اللازمة للبقاء.
إنها علاقة طفيلية تحتاج إلى وجود مواقع حية تنتج معلومات جديدة، لكنها تصمم خدماتها بطريقة تضعف تلك المواقع تدريجيًا وتجعل الوصول إليها أقل ضرورة.
الإنترنت الصغيرة التي صنعت مجتمعات حقيقية
لا ترتبط خسارة الإنترنت المفتوحة بالمعلومات وحدها، بل بطبيعة العلاقات التي نشأت فيها.
يستعيد أفيري ديم-غريف ذكريات الإنترنت في التسعينيات، عندما كانت المحادثات تجري في غرف الدردشة، وأنظمة لوحات الإعلانات، والقوائم البريدية، والمنتديات ومجموعات الأخبار.
كانت هذه المساحات صغيرة نسبيًا، وغالبًا ما يديرها متطوعون. ولم يكن الهدف منها الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص أو تحقيق نمو دائم، بل جمع أفراد يتشاركون اهتمامًا أو تجربة معينة.
وقد نشأت عبر هذه المساحات صداقات طويلة، وعلاقات عاطفية، ومجتمعات معرفية، وروابط بين أشخاص لم يكن من السهل أن يلتقوا في العالم المادي.
وكانت بعض المجتمعات الرقمية تنظم لقاءات دورية على أرض الواقع، الأمر الذي جعل السلوك داخلها مختلفًا. فالمستخدم الذي يعرف أنه قد يلتقي الشخص الآخر في الشهر المقبل يكون أقل استعدادًا لإهانته أو إشعال صراع عبثي معه.
لا يعني ذلك أن الإنترنت القديمة كانت آمنة أو مثالية، لكنها كانت تعمل على نطاق يسمح للعلاقات بالنمو والتراكم. أما الإنترنت المعاصرة، فقد ربطت كل شخص بعدد هائل من المستخدمين، لكنها جعلت العلاقات أكثر سطحية وعزلة.
وقد امتصت منصات التواصل الكبرى معظم أنماط الاتصال السابقة. اختفت أو تراجعت المنتديات ومجموعات «ياهو» و«لايف جورنال» وغيرها، وأصبح النشاط الاجتماعي محصورًا داخل عدد محدود من المنصات التي تتحكم في ما يظهر للمستخدم وما يختفي عنه.
ومن هنا لا تكمن المشكلة في الاتصال ذاته، بل في حجم النظام والحوافز التي تحكمه. فالمنصة لا تسعى إلى بناء مجتمع متماسك، بل إلى الاحتفاظ بانتباه المستخدم وبيع الإعلانات. ولذلك تفضل المواد القادرة على إثارة الانفعال والغضب، ما دامت لا تزعج المعلنين أو تدفع المستخدمين إلى المغادرة.
وهم إزالة الاحتكاك
من الشعارات الأساسية التي حكمت تصميم المنصات الرقمية شعار «إزالة الاحتكاك». والمقصود به جعل كل شيء أسرع وأسهل وأكثر سلاسة، بحيث لا يحتاج المستخدم إلى التوقف أو التفكير أو بذل الجهد.
لكن الاحتكاك ليس دائمًا عيبًا. ففي العلاقات والمجتمعات، قد يكون التريث والاستماع والنقاش والتفاوض ضروريًا لبناء الثقة والشعور بالمسؤولية.
وعندما تزال جميع العقبات من تجربة الاستخدام، يصبح من السهل النقر والشراء والمشاركة والغضب والانسحاب، من دون لحظة للتفكير في معنى الفعل أو نتائجه.
كما أن السلاسة لا توزع بالتساوي. فقد تمنح المنصة بعض المستخدمين حرية التعبير والراحة، بينما تجعل جماعات أخرى عرضةً للإهانة أو الاستبعاد أو الرقابة الآلية. وقد يصبح غياب الاحتكاك امتيازًا لطرف، فيما يتحمل الطرف الأضعف كلفة البيئة الرقمية كلها.
ولا يتمثل البديل في الانسحاب الفردي من المنصات، بل في بناء بنية رقمية تعطي الأولوية للمجتمع، وتقبل وجود قدر من الاحتكاك الإيجابي الذي يدفع الناس إلى تحمل مسؤولية علاقاتهم وكلماتهم.
الإنترنت بوصفها بابًا أمام الكتّاب والمبدعين
تقدم الكاتبة جوانا والش مثالًا على الدور الذي أدته الإنترنت القديمة في فتح المجال الثقافي أمام أشخاص لم تكن لديهم علاقات أو موارد أو فرص للدخول إلى المؤسسات الأدبية التقليدية.
فقد بدأت مسيرتها قبل نشر كتابها الأول عبر المدونات والمجلات الإلكترونية ومنصة تويتر. ومن خلال هذه البيئة استطاعت الاتصال بكتّاب وناشرين ومحررين، والعمل في مجلة أدبية مستقلة، واكتشاف أصوات تجريبية لم تكن المؤسسات التجارية مستعدة لنشرها.
لم تكن الإنترنت مجرد وسيلة للترويج، بل كانت «مشهدًا» ثقافيًا كاملًا. فقد أتاحت للكتّاب الناشئين الحصول على الدعم من نظرائهم، والتواصل مع أصحاب الفرص، وتأسيس مجلات ومشروعات لم تكن بحاجة إلى رأسمال كبير أو موافقة حراس البوابات التقليديين.
وعلى تويتر القديم، استطاعت والش مقابلة أصدقاء وكتّاب وناشرين وممولين وأرباب عمل، كما اكتسبت للمرة الأولى الإحساس بأن كتابتها قد تجد من ينشرها ويقرأها.
لكن هذه البيئة تغيرت مع تحوّل المنصات إلى أنظمة أكثر تجارية وانغلاقًا.
فالحسابات التي لا تدفع قد لا تصل منشوراتها إلى الجمهور حتى لو كان لديها آلاف المتابعين، كما أصبحت الخوارزميات تقلل ظهور الروابط الخارجية لأنها تريد إبقاء المستخدم داخل المنصة.
وتضررت المجلات الأدبية المستقلة بصورة خاصة، لأنها لا تمتلك ميزانيات للإعلان ولا جمهورًا مضمونًا خارج وسائل التواصل. كما أدى انتقال المستخدمين من تويتر إلى «ماستودون» و«سابستاك» و«بلو سكاي» وغيرها إلى تفتيت الجمهور الذي كان أكثر تماسكًا في السابق.
وبات على المؤسسات الصغيرة إدارة عدة حسابات في وقت واحد، من دون أن يحقق أي منها مستوى الوصول والتفاعل الذي كان متاحًا في السابق.
الذكاء الاصطناعي وتراجع الثقة في الثقافة الرقمية
أضاف الذكاء الاصطناعي مشكلة جديدة إلى أزمات النشر المستقل. فالمحررون الذين كانوا يتعاملون سابقًا مع أكوام من النصوص الضعيفة باتوا يواجهون كميات كبيرة من المواد المولدة آليًا. ولم تعد المشكلة مجرد انخفاض الجودة، بل فقدان الثقة في طبيعة النصوص ومصدرها.
ومع تراجع التمويل الحكومي للمجلات والفنون والعلوم الإنسانية، يصبح عمل التحرير المستقل أكثر صعوبة، ويضطر الكتّاب إلى الاعتماد على الاشتراكات الفردية والمنصات المدفوعة والرعاة.
ويؤدي ذلك إلى إعادة احتراف الأدب وإغلاق بواباته؛ إذ تصبح القدرة على الاستمرار متاحة أكثر لمن يملكون الوقت والمال والعلاقات الاجتماعية، بينما تتقلص فرص الكتاب القادمين من خلفيات أقل حظًا.
ولا تتعلق خطورة هذا التحول فقط بخسارة عدد من الأصوات الأدبية، بل بتضييق المجال الاجتماعي الذي تُستمد منه القصص. فكلما انحصر إنتاج الثقافة في طبقة اجتماعية أضيق، قلّت قدرة المجتمع على رؤية تنوعه وفهم تجارب أفراده.
كان أحد وعود «الويب 2.0» أن يتمكن الناس من المشاركة في الثقافة لا بوصفهم متلقين فحسب، بل بوصفهم منتجين ومؤلفين ومحررين وفنانين.
ولم يتحقق هذا الوعد بصورة كاملة أو عادلة، لكنه أتاح إمكانات حقيقية ينبغي عدم نسيانها. فحرية التعبير الإبداعي ليست مجرد وسيلة لتحقيق حقوق أخرى، بل هي حق إنساني مستقل، وتقييدها شكل من أشكال الإقصاء.
ومن هنا تظل الشبكة موردًا مهمًا، ولا سيما للأعمال والأشخاص الذين تعدّهم المؤسسات المركزية هامشيين. والمطلوب ليس التخلي عن الإنترنت، بل البحث عن مساحات نشر وقراءة وإنتاج تقع خارج المنطق التجاري والخوارزمي السائد.
البحث بوصفه ممارسة معرفية
يتناول تشاد ويلمون التحول من زاوية أخرى، هي معنى البحث نفسه. ففي بدايات غوغل، كانت صفحة النتائج البسيطة بروابطها الزرقاء تشبه الهوامش والمراجع في الكتب الأكاديمية. وكانت تتيح للمستخدم الانتقال من نص إلى آخر واكتشاف أشياء لم يكن يعرف أنه يجهلها.
وقد مثّل ذلك تحقيقًا جزئيًا لحلم المكتبة العالمية، حيث يستطيع الشخص الدخول إلى الأرشيفات والكتب وقواعد البيانات من خلال مسارات مفتوحة غير متوقعة.
لكن تنظيم الويب كان يمثل تحديًا معقدًا؛ لأنه فضاء موزع وغير متجانس، يضم وثائق مختلفة من حيث اللغة والشكل والجودة والمصداقية. ولذلك اعتمدت خوارزمية «بيج رانك» على منطق شبيه بالاستشهادات الأكاديمية: تُعد الصفحة مهمة عندما تشير إليها صفحات مهمة أخرى.
لم تكن الخوارزمية تقيس الحقيقة مباشرة، بل تحاول استنتاج السلطة والقيمة من شبكة العلاقات بين المواقع. وبذلك نقلت منطق الاستشهاد العلمي إلى فضاء الويب.
لكن النظام حمل داخله نقاط ضعفه. فعندما أصبح الظهور في نتائج البحث هدفًا اقتصاديًا، نشأت صناعة تحسين محركات البحث، وبدأت المواقع تصمم موادها لخدمة الخوارزمية لا القارئ.
وكما يحدث في الأنظمة الأكاديمية عندما يتحول عدد الاستشهادات من مؤشر تقريبي إلى هدف قائم بذاته، تحولت الروابط والكلمات المفتاحية إلى أدوات للتلاعب بالترتيب.
ومع مرور الوقت، لم تعد غوغل تريد نمذجة الويب فحسب، بل نمذجة المستخدم نفسه. فأدخلت التصحيح التلقائي، والإكمال التنبؤي، وتخصيص النتائج بحسب الموقع والسلوك والتاريخ السابق، ثم أنشأت الرسوم المعرفية والملخصات الجاهزة.
وتدريجيًا، لم يعد على المستخدم زيارة المواقع ومقارنتها، لأن غوغل بدأت تعرض المعرفة داخل صفحتها الخاصة. وكان الذكاء الاصطناعي التوليدي النتيجة المنطقية لهذه الرحلة: نظام يزعم فهم ما يريده المستخدم وتقديمه من دون الحاجة إلى إحالته إلى الوثائق الأصلية.
عندما يصبح البحث بديلًا عن التفكير
تصف شركات التكنولوجيا زيارة المصادر وقراءتها ومقارنتها بأنها «عبء معرفي». ومن هذا المنظور، يبدو إنتاج إجابة جاهزة خدمة توفر الوقت والجهد.
لكن هذه الكلفة المعرفية ليست خطأ يجب القضاء عليه بالضرورة. فقد تكون عملية البحث والمقارنة والتردد هي ما يسمح للإنسان بالتعلم وتكوين الحكم المستقل.
فالاستفسارات الأكثر قيمة لا تبدأ دائمًا برغبة واضحة أو سؤال مكتمل، بل قد تبدأ بالجهل والفضول، ثم تتغير أهدافها مع القراءة والاكتشاف.
أما النظام الذي يفترض أنه يعرف ما نريده، فيغلق مسار البحث داخل رغبات سابقة أو توقعات خوارزمية. وبدل أن يدفعنا إلى ما يتجاوز أفكارنا، يعيد تقديم العالم في صورة تناسب الملف الذي كوّنه عنا.
وعندما تقول غوغل: «دع غوغل تبحث نيابة عنك»، فإنها لا تقدم خدمة تقنية فحسب، بل تعلن ضمنيًا أن الويب أصبح شديد الفوضى، والمؤسسات المعرفية فقدت الثقة، والمستخدم أصبح مرهقًا وغير قادر على البحث بنفسه.
وقد يكون في هذا التشخيص جانب من الحقيقة، لكن النتيجة هي تحويل أزمة عامة في المعرفة والتعليم والصحافة والمكتبات إلى فرصة ربح خاصة لشركة تحتكر الواجهة التي يمر عبرها الوصول إلى المعلومات.
تدهور الإنترنت لم يكن قدرًا تقنيًا
يرفض كوري دوكتورو تفسير تدهور الإنترنت بوصفه نتيجة طبيعية للتطور التكنولوجي أو خطأ ارتكبه المستخدمون عندما اختاروا خدمات مجانية.
ويرى أن السياسات العامة والقرارات القانونية هي التي صنعت البيئة التي سمحت للشركات بالاحتكار والمراقبة وإفساد منتجاتها تدريجيًا.
فعلى مدى عقود، تراجعت سلطات مكافحة الاحتكار عن مواجهة غوغل وفيسبوك وأمازون وغيرها. وسُمح لهذه الشركات بشراء المنافسين، والاستحواذ على الشركات الصغيرة التي قد تتحول إلى منافسين مستقبلًا، وبيع الخدمات بأسعار منخفضة لإخراج الآخرين من السوق، وربط السلع والخدمات بعضها ببعض.
وبهذا تحولت الإنترنت إلى عدد محدود من المواقع والمنصات الضخمة التي تملك القدرة على التحكم في الأسواق والمستخدمين والجهات التنظيمية معًا.
وعندما يصبح القطاع مكوّنًا من بضع شركات عملاقة، يصبح استحواذه على الجهات الرقابية أسهل. فالشركات الاحتكارية تملك فائضًا ماليًا كبيرًا للضغط السياسي، وتتفق بسهولة على الأجندة التي تريد فرضها.
ويظهر أثر ذلك في غياب قوانين شاملة للخصوصية، رغم انتشار تجارة البيانات واستغلال المعلومات الشخصية في الإعلانات والتمييز والتأثير في الأجور والقروض والسكن وفرص العمل.
ولا تستمر صناعة الاتجار بالبيانات لأنها ضرورة تقنية، بل لأنها لم تُمنع قانونيًا. فالمشكلة ليست عجز المجتمع عن تنظيمها، بل قوة الأطراف المستفيدة منها وقدرتها على تعطيل التشريعات.
الملكية التي لا يملك صاحبها حق التحكم فيها
ينتقد دوكتورو كذلك قوانين منع التحايل التقني، التي تجعل تعديل الجهاز أو البرنامج المملوك للمستخدم جريمة عندما يعارض المصنع ذلك.
فقد سمحت هذه القوانين للشركات بإغلاق أجهزتها، ومنع الإصلاح، والتحكم في البرامج التي يستطيع المستخدم تثبيتها، وفرض عمولات على المعاملات، وجمع البيانات، وإضعاف خصائص المنتجات بعد بيعها، ثم مطالبة المستخدم بدفع اشتراك لاستعادة وظائف كانت موجودة أصلًا.
وبذلك لم تعد الملكية الرقمية تمنح الإنسان حق السيطرة الفعلية على ما اشتراه. فالمنتج يبقى خاضعًا للشركة التي تستطيع تغيير خصائصه وشروط استخدامه بعد إتمام عملية البيع.
وقد حذر المنتقدون مسبقًا من هذه النتائج، لكن صناع السياسات مضوا في اعتماد القوانين نفسها. لذلك لا يمثل تدهور المنتجات حادثًا غير متوقع، بل نتيجة لبيئة قانونية تشجع الشركات على الإضرار بالمستخدمين ما دام ذلك مربحًا ومسموحًا.
لماذا لا يكفي لوم أصحاب الشركات أو المستخدمين؟
لا ينفي دوكتورو مسؤولية مديري شركات التكنولوجيا، لكنه يرى أن استبدالهم بأشخاص آخرين لن يحل المشكلة ما دامت البيئة الاقتصادية والسياسية نفسها تكافئ السلوك الاحتكاري.
فالشركة العملاقة لا تسيء إلى المستخدم لأنه لم يدفع ثمن الخدمة، بل لأنها تستطيع فعل ذلك من دون عقوبة. وحتى عندما يدفع المستخدم، ستستمر الشركة في جمع بياناته وتحويله إلى منتج إذا كان القانون يسمح لها بذلك.
كما يرفض تحميل الأفراد مسؤولية انهيار الإنترنت بسبب اختيارهم المنصة الخطأ. فالاختيار الفردي يفقد معناه عندما تسيطر شركات قليلة على البنية الأساسية للاتصال، وتشتري المنافسين، وتمنع التشغيل البيني، وتجعل مغادرة المنصة مكلفة اجتماعيًا أو عمليًا.
إن المشكلة بنيوية، ولذلك لا تُحل بمجرد مقاطعة خدمة أو شراء اشتراك مدفوع، بل بإعادة بناء قوانين المنافسة والخصوصية والملكية الرقمية والمساءلة.
الحلول السيئة قد توسع المراقبة
يحذر دوكتورو من أن الغضب المشروع تجاه شركات التكنولوجيا قد يدفع المجتمع إلى تأييد سياسات تزيد المشكلة سوءًا.
ومن أمثلة ذلك الدعوة إلى التحقق الإلزامي من العمر على الإنترنت. فمثل هذا النظام لا يستطيع إثبات عمر المستخدم من دون التحقق من هويته وربط نشاطه الرقمي بشخصيته الواقعية.
وقد يؤدي ذلك إلى منح المنصات الأكثر انتهاكًا للخصوصية كميات إضافية من البيانات الحساسة، بذريعة حماية الأطفال.
ولا ينكر هذا الطرح المشكلات التي يواجهها الأطفال في البيئة الرقمية، لكنه يشكك في إمكان حلها بإعطاء الشركات نفسها مزيدًا من القدرة على التعرف إلى الناس ومراقبة نشاطهم.
فالسياسة الجيدة لا تُقاس بنبل الهدف المعلن، بل بنتائجها الفعلية وبمقدار السلطة الجديدة التي تمنحها للمؤسسات والشركات.
هل نشهد نهاية الويب؟
لا يعني اختفاء الويب بالضرورة توقف الإنترنت أو انقطاع الاتصال. فقد تستمر الشبكات والتطبيقات والمنصات، لكن الويب بوصفه عالمًا مفتوحًا من الصفحات والروابط والمواقع المستقلة قد يتراجع إلى الهامش.
قد ينتقل المستخدم من البحث في شبكة واسعة إلى التفاعل مع عدد محدود من المساعدين الذكيين الذين يقدمون له الإجابات والخدمات داخل واجهات مغلقة.
وعندئذ تتغير العلاقة بالمعرفة جذريًا. فبدل أن يرى الإنسان المصادر والخلافات والسياقات، يحصل على إجابة مركبة لا يعرف بدقة من كتب عناصرها، أو كيف اختيرت، أو ما استُبعد منها.
كما تفقد المؤسسات التي تنتج المعرفة قدرتها على الوصول إلى الجمهور وتمويل أعمالها. وقد تضطر بعض المواقع إلى الانغلاق خلف جدران الدفع أو منع محركات الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى موادها، فتتحول المعرفة العامة إلى جزر منفصلة لا يستطيع دخولها إلا القادرون على دفع الاشتراكات.
وبين الاستخراج المجاني للمحتوى والانغلاق التجاري، يتراجع المجال العام الذي كانت الروابط المفتوحة تمثله، على الرغم من كل عيوبه.
ما الذي يستحق الإنقاذ؟
لم تكن الإنترنت القديمة فردوسًا. فقد احتوت على الكراهية والاحتيال والمعلومات الخاطئة والاستغلال والإعلانات والمراقبة. ولم تكن متاحة للجميع بالدرجة نفسها، كما ظلت خاضعة لاختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة.
لكنها احتفظت ببعض الخصائص التي تستحق الدفاع عنها.
أول هذه الخصائص أن المعرفة كانت تظهر في صورة مصادر متعددة يمكن رؤيتها وزيارتها ومقارنتها، لا في صوت آلي واحد.
وثانيها أن المجتمعات الصغيرة كانت قادرة على إنشاء مساحاتها الخاصة وإدارتها وفق حاجاتها، بدل الخضوع لمنصة موحدة تسعى إلى النمو بلا حدود.
وثالثها أن الشبكة أتاحت لأشخاص من خارج المؤسسات المركزية أن يكتبوا وينشروا ويكوّنوا علاقات ثقافية ومهنية.
ورابعها أن المستخدم لم يكن مجرد مستهلك للإجابة أو المحتوى، بل كان قادرًا على إنشاء موقع أو منتدى أو مجلة أو مجتمع رقمي والمشاركة في تشكيل الثقافة.
ولا يمكن استعادة هذه الإمكانات بالحنين وحده، بل عبر بناء بنية تحتية جديدة تقوم على التشغيل البيني، والمنافسة، والخصوصية، والملكية الفعلية للأجهزة والبيانات، ودعم المؤسسات العامة والثقافية، وتشجيع المجتمعات الرقمية الصغيرة وغير الربحية.
كما يتطلب ذلك رفض الفكرة القائلة إن السوق هو الجهة الطبيعية الوحيدة القادرة على تنظيم المعرفة والاتصال. فالإنترنت نتاج قرارات سياسية وقانونية، ويمكن لقرارات مختلفة أن تقود إلى مستقبل مختلف.
خاتمة: الإنترنت ليست ما تبقى على الشاشة
السؤال «ماذا كانت الإنترنت؟» ليس مجرد محاولة لتذكر أجهزة قديمة أو منتديات اختفت أو صفحات بحث كانت أبسط تصميمًا.
إنه سؤال عن نوع المجال العام الذي صنعته الشبكة، ونوع العلاقات التي أتاحت نشوءها، والطريقة التي كنا نصل بها إلى المعرفة ونفهم مصادرها ونشارك في إنتاجها.
لقد انتقلت الإنترنت من شبكة تشير إلى الخارج إلى منصات تحتجز المستخدم في الداخل، ومن مجتمعات صغيرة إلى جماهير خاضعة للخوارزميات، ومن مواقع مستقلة إلى شركات تحتكر الانتباه، ومن البحث عن المصادر إلى تلقي الإجابات المولدة.
لكن هذا التحول لم يكن حتميًا، كما أن مستقبله ليس محسومًا.
فالإنترنت ما تزال البنية التي يتصل عبرها العالم، والأداة التي تعتمد عليها المعرفة والعمل والتنظيم السياسي والاجتماعي. ولذلك لا يكفي الانسحاب منها أو تركها للشركات والحكومات.
إن إنقاذ ما يستحق الإنقاذ منها يبدأ باستعادة مبدأ بسيط: ينبغي للتكنولوجيا أن تقود الإنسان إلى العالم والآخرين والمعرفة، لا أن تغلق عليه دائرة رغباته داخل واجهة واحدة تعرف عنه كل شيء، وتقرر نيابة عنه ما ينبغي أن يراه ويقرأه ويصدقه.



اضف تعليق