يصف المرجع الشيرازي مسيرة الأربعين بأنَّها ظاهرة إنسانيَّة استثنائيَّة لا تجد لها نظيرًا في تاريخ البشريَّة؛ إذ تجتمع فيها عناصر متعدِّدة يصعب اجتماعها في أيِّ تجمع آخر، فهي عبادةٌ تُمارس في أجواء من الخشوع، ومدرسةٌ للتَّربية الأخلاقيَّة، وميدانٌ لترسيخ الإيمان، وصورة عمليَّة لوحدة المسلمين ومحبِّي أهل البيت ونموذج عالمي...
تتجاوز زيارة الأربعين في الرُّؤية الفكريَّة لسماحة المرجع الدِّيني السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) حدود الممارسة الشَّعائريَّة المرتبطة بيوم معيَّن من السنَّة، كما تتخطى التَّفسير الذي يحصرها في بعدها العاطفي أو في كونها أكبر تجمع ديني بشري. فإنَّها وفقًا لمجمل بياناته وتوجيهاته وخطاباته، تمثِّل مشروعًا إلهيًّا ذا أبعاد عقديَّة وتربويَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة، يقوم على بناء الإنسان المؤمن، وإصلاح المجتمع، وترسيخ منظومة القيم الإسلاميَّة، وتهيئة الأمَّة للقيام بدورها الرِّسالي في مسيرة التَّاريخ.
وتكشف القراءة التَّحليليَّة لكلمات المرجع الشيرازي أنَّ حديثه عن الأربعين لا ينصرف إلى بيان فضل الزِّيارة وثوابها فحسب؛ وإنَّما يتناولها بوصفها منظومةً فكريَّةً وتربويَّةً متكاملة، أراد لها أهل البيت (عليهم السلام) أن تكون من أهمِّ الوسائل لحفظ النَّهضة الحسينيَّة واستمرار حضورها في الوجدان الإسلامي، حتَّى تبقى كربلاء منبعًا دائمًا للهداية، ومدرسةً مفتوحةً لتربية الإنسان على الإيمان والوعي والتَّضحية والثَّبات، مهما تغيَّرت الظُّروف وتعاقبت الأزمنة.
وتنسجم هذه الرُّؤية مع السُّنن القرآنيَّة التي تؤكِّد أنَّ بقاء الرِّسالات لا يتحقَّق إلَّا بإحياء قيمها في حياة النَّاس، قال الله (تعالى): (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(1)، فتمثِّل الأيَّام الإلهيَّة محطاتٍ تتجدَّد فيها معاني الإيمان، وتُستعاد فيها دروس الهداية، وتربط الأمَّة بتاريخها الرِّسالي. ومن هذا المنطلق تبرز الأربعين بوصفها أحد أبرز مصاديق إحياء "أيَّام الله"، لما تختزنه من معانٍ ترتبط بثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ استيعاب فلسفة الأربعين يقتضي دراسة المنظومة الفكريَّة التي يقوم عليها هذا التَّشريع، والكشف عن مقاصده العقديَّة والتَّربويَّة والاجتماعيَّة، وتحليل آثاره في تكوين الفرد، وصياغة الوعي الجمعي، واستشراف امتداداته الحضاريَّة في حاضر الأمَّة ومستقبلها، باعتباره من أبرز المشاريع المستمرة التي تربط الإنسان بالإمام (عليه السلام)، وتغرس في نفسه قيم الإصلاح والإيثار والصُّمود.
وقد أولى أهل البيت (عليهم السلام) هذه الشَّعيرة عنايةً استثنائيَّة، حتَّى عُدَّت من العلامات المميِّزة للهوية الإيمانيَّة، ففي الحديث المروي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): "عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"(2). وهذا الحديث يكشف عن استحباب الزِّيارة، ويضعها ضمن منظومة العلامات التي تعبِّر عن الانتماء العقدي والالتزام العملي بخط أهل البيت (عليهم السلام).
ومن خلال التَّتبع الموضوعي لبيانات المرجع الشيرازي على امتداد سنوات طويلة، تتَّضح وحدةٌ فكريَّةٌ تنتظم جميع مواقفه المتعلِّقة بالأربعين الحسيني، حيث ينظر إليها بوصفها إحدى أعظم السُّنن الإلهيَّة التي حفظ الله (تعالى) بها الإسلام بعد واقعة عاشوراء، ووسيلةً ربَّانيةً متجدِّدة لإدامة حضور القضية الحسينيَّة في وعي الأمَّة وحركتها. فالأربعين وفق هذه الرُّؤية مشروع حضاري دائم، تتجدَّد وظائفه بتجدد حاجات الإنسان، وتبقى رسالته فاعلة ما بقيت رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) حيَّةً في ضمير المؤمنين، تمدُّهم بعناصر الوعي والإصلاح، وتفتح أمامهم آفاق بناء الإنسان والمجتمع وفق المبادئ التي ضحى من أجلها سيِّد الشهداء (عليه السلام).
المحور الأوَّل: خصوصيَّة الأربعين في المشروع الإلهي
ينطلق سماحة المرجع الشيرازي في تفسيره لفلسفة الأربعين من مبدأٍ أساسي يتمثَّل في الإقرار بخصوصيَّة هذه المناسبة ضمن المنظومة التَّشريعيَّة الإسلاميَّة؛ إذ يرى أنَّ فهم أبعادها الحقيقيَّة يبدأ من إدراك موقعها الاستثنائي بين سائر المناسبات والشَّعائر الدِّينيَّة التي شرَّعها الإسلام. فزيارة الأربعين، بحسب هذه الرُّؤية تشريع إلهي يحمل دلالات عقديَّة وتربويَّة عميقة، يكشف عن إرادة ربَّانيَّة أرادت أن تجعل من الإمام الحسين (عليه السلام) محورًا دائمًا لحفظ رسالة الإسلام، واستمرار حضوره في حياة الأمَّة.
ويؤكِّد المرجع الشيرازي في مناسبات عديدة أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) اختَّص بفضائل وخصائص لم تجتمع لغيره من الأنبياء والأوصياء والأولياء (عليهم السلام)، ومن أبرز تلك الخصائص تأكيد الشَّريعة على زيارة الأربعين بصورةٍ لم تُنقل في حقِّ أيِّ شخصيَّة أخرى.
ومن المنظور الذي يطرحه المرجع الشيرازي يمكن تفسير هذه الخصوصيَّة على أنَّها سنَّة إلهيَّة لها غاياتها في حفظ الدِّين وصيانة الرِّسالة. فكل تشريع إلهي يرتبط بحكمة، كما يشير القرآن الكريم إلى أنَّ أفعال الله (سبحان) قائمة على الغاية والحكمة، قال الله (عزَّ وجلَّ): (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)(3)، وقال (تعالى): (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)(4). وإذا كانت التَّشريعات الإلهيَّة جميعها تجري وفق هذا القانون، فإنَّ ما اختَّص الله (جلَّ جلاله) به الإمام الحسين (عليه السلام) من أحكام وشعائر يحمل دلالات تتجاوز ظاهر العمل إلى المقاصد الكبرى التي تحفظ الرِّسالة وتُبقيها حاضرة في ضمير الأمَّة.
وانطلاقًا من ذلك، ينظر المرجع الشيرازي إلى زيارة الأربعين بوصفها امتدادًا طبيعيًّا لعاشوراء، لا مجرَّد ذكرى زمنيَّة تعقبها بأربعين يومًا. فعاشوراء تمثِّل لحظة البذل الأعظم التي تجسَّدت فيها قيم التَّضحية والفداء والإصلاح، أمَّا الأربعين فتجسِّد مرحلة استمرار تلك الرِّسالة في الوعي الجمعي للأمَّة، وتجديد العهد مع المبادئ التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها. ولهذا أصبحت زيارة الأربعين محطَّة سنوية يتجدَّد فيها الارتباط الفكري والعملي بنهضة كربلاء، فتظلُّ الثَّورة الحسينيَّة حاضرة في الضَّمير الإسلامي، تتجاوز حدود الماضي لتؤثِّر في الحاضر، وترسم معالم المستقبل.
وتفسر هذه الرُّؤية سرَّ بقاء الأربعين عبر القرون، على الرَّغم من حملات المنع والقمع التي مارستها الأنظمة المستبدة في عصور مختلفة؛ إذ لم تستطع القوَّة السياسيَّة ولا وسائل التَّرهيب أن تقطع الصِّلة بين المؤمنين وبين هذه الشَّعيرة. ويشير ذلك إلى أنَّ ارتباط الأمة بالأربعين يستند إلى وعيٍ ديني استمد جذوره من النُّصوص الشَّرعية ومن التَّربية التي أرساها أهل البيت (عليهم السلام) في نفوس أتباعهم، حتَّى غدت هذه الزِّيارة من أبرز مظاهر حفظ الهوية الإسلاميَّة الأصيلة.
ولهذا يربط المرجع الشيرازي بين الرِّوايات الشَّريفة التي أكَّدت استحباب زيارة الأربعين وبين الحكمة الإلهيَّة الكامنة وراء هذا التَّشريع، فيرى أنَّ استمرار هذه الزِّيارة عبر الأجيال يمثِّل أحد أهمِّ وسائل صيانة الإسلام من التَّحريف، وإحياء قيم النَّهضة الحسينيَّة في مواجهة الانحرافات الفكريَّة والأخلاقيَّة والسِّياسيَّة. فكل جيل يقصد الإمام الحسين (عليه السلام) في الأربعين يجدِّد ارتباطه بالمبادئ التي ضحَّى من أجلها سيِّد الشهداء (عليه السلام)، ويستحضر أهداف ثورته في مقاومة الظُّلم وإقامة العدل وإحياء معالم الدِّين، مصداقًا لقول الإمام الحسين (عليه السلام): "لَم أخرُج أشِراً وَلا بَطِراً وَلا مُفسِداً وَلا ظالِماً، وَإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ النَّجاحِ وَالصَّلاحِ في امَّةِ جَدّى مُحَمَّدٍ صلَّى اللَّه عليه وآله، اريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وَأنهى عَنِ المُنكَرِ، وَأسيرَ بِسيرَةِ جَدّى مُحَمَّدٍ صلَّى اللَّه عليه وآله، وَسيرَةِ أبي عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام، فَمَن قَبِلنى بِقَبولِ الحَقِّ فَاللَّهُ أولى بِالحَقِّ، ومَن رَدَّ عَلَىَّ هذا أصبِرُ حَتّى يَقضِىَ اللَّهُ بَينى وبَينَ القَومِ بِالحَقِّ، ويَحكُمَ بَينى وبَينَهُم بِالحَقِّ، وهُوَ خَيرُ الحاكِمينَ"(5). ومن هنا تغدو الأربعين، في فكر المرجع الشيرازي، مشروعًا إلهيًّا متجدِّدًا لحراسة الرِّسالة، وتجديد الوعي، وربط الأمَّة بصورة مستمرة بمنهج الإمام الحسين (عليه السلام)، ليبقى الإسلام نابضًا بروحه الأصيلة مهما تغيَّرت الأزمنة وتبدَّلت الظُّروف.
المحور الثَّاني: الأربعين امتداد النَّهضة الحسينيَّة وتجدد رسالتها
يؤكِّد المرجع الشيرازي، في كثير من خطاباته وبياناته أنَّ النَّهضة الحسينيَّة لا يمكن اختزالها في واقعة عاشوراء بوصفها حدثًا تاريخيًّا انتهى بانتهاء المعركة واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، فإنَّ يوم العاشر من المحرَّم يمثِّل نقطة الانطلاق لرسالةٍ ممتدَّة في الزَّمان، تواصل حضورها عبر مراحل متعاقبة، بدأت بمسيرة السَّبايا وما حملته من كشفٍ لحقائق الجريمة الأموية، ثمَّ تجلَّت في زيارة الأربعين، واستمرت عبر الأجيال التي حافظت على إحياء القضية الحسينيَّة، حتَّى غدت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعًا إنسانيًّا متجدِّدًا لا تحدّه حدود الزَّمان والمكان.
ومن هذا المنظور، تمثِّل الأربعين انتقالًا من موسم الحزن على سيِّد الشهداء (عليه السلام) إلى مرحلة جديدة من مراحل حمل رسالته. فإحياء ذكرى الأربعين يستذكر مأساة كربلاء ويستحضر آلامها، وكذلك يعبر عن تجديد الالتزام بالمبادئ التي نهض الإمام الحسين (عليه السلام) للدفاع عنها، وفي مقدِّمتها صيانة الدِّين، وإقامة العدل، ومواجهة الظُّلم، وحماية كرامة الإنسان. ولهذا تبقى الأربعين مناسبةً متجددة لاستحضار أهداف النَّهضة الحسينيَّة، وربطها بواقع الأمَّة وتحدياتها في كلِّ عصر.
وفي هذا السِّياق، ينظر المرجع الشيرازي إلى الحشود المليونيَّة التي تتجه نحو كربلاء في الأربعين باعتبارها إعلانًا متجددًا عن الوفاء لرسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، لا مجرَّد مشاركة في مناسبة دينيَّة. فالسَّائرون إلى مرقده الشَّريف يستعيدون ذكرى الماضي، ويجددون انتماءهم إلى المشروع الإصلاحي الذي ضحَّى الإمام (عليه السلام) من أجله، ويؤكِّدون أنَّ قيم عاشوراء ما زالت حاضرة في وجدان الأمَّة، وأنَّ الاستعداد لنصرة الحقِّ لم يخمد بمرور الزَّمن.
ولهذا يصف المرجع الشيرازي الأربعين بأنَّها اليوم العالمي لتلبية نداء الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأن الهتاف الجماعي: "لبيك يا حسين" يحمل مضمونًا يتجاوز التَّعبير العاطفي؛ فهو إعلان عن بقاء النِّداء الحسيني الذي دوّى في كربلاء: "هَلْ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا؟"(6) حيًّا في ضمائر المؤمنين، واستمرار الاستجابة له عبر العصور. ولا يُفهم هذا النِّداء بوصفه طلبًا للنُّصرة العسكريَّة بعد وقوع الشَّهادة؛ إذ يجسِّد دعوةً دائمة إلى نصرة المبادئ التي نهض الإمام الحسين (عليه السلام) لإحيائها، وفي مقدِّمتها الحق، والعدل، والحرية، وصيانة كرامة الإنسان، والدِّفاع عن الدِّين.
وعلى هذا الأساس، تكتسب زيارة الأربعين بعدًا حضاريًّا عالميًّا يتجاوز حدود الممارسة الفرديَّة؛ فهي تمثِّل إعلانًا جماعيًّا عن بقاء المدرسة الحسينيَّة فاعلة في صناعة الوعي، كما تعكس قدرة القيم التي حملها الإمام الحسين (عليه السلام) على جمع ملايين البشر من مختلف الشُّعوب واللغات والثَّقافات حول رسالة واحدة. وبذلك تغدو زيارة الأربعين، في فكر المرجع الشيرازي، مظهرًا متجدِّدًا لاستمرار النَّهضة الحسينيَّة في ضمير الإنسانيَّة، ومنصةً عالميَّة تُجدِّد في كلِّ عام العهد مع مشروع الإصلاح الذي انطلق من كربلاء، ليبقى حيًّا ما بقي الصِّراع بين الحقِّ والباطل قائمًا في حياة الإنسان.
المحور الثَّالث: الأربعين مدرسة لبناء الإنسان وصياغة الشَّخصيَّة الرِّساليَّة
ينطلق فكر سماحة المرجع الشيرازي من أنَّ القيمة الحقيقيَّة لزيارة الأربعين تتجلَّى في كونها مشروعًا تربويًّا متكاملاً لبناء الإنسان، يتجاوز حدود الممارسة الشَّعائريَّة إلى صناعة الشَّخصية المؤمنة، وقيادتها في مسار التَّغيير والتكامل، وإعادة تشكيلها في ضوء المبادئ والقيم التي قامت عليها النَّهضة الحسينيَّة.
وتنسجم هذه الرُّؤية مع المنهج القرآني الذي يربط بين العبادة وإصلاح النَّفس، فلا يقتصر أثر الطَّاعات على الأداء الشكلي، ويمتد إلى تهذيب النَّفس وإعادة تشكيل السُّلوك. قال الله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(7)، وقال (سبحانه): (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(8). وتؤكِّد هاتانِ الآيتانِ أنَّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان، وأنَّ كلَّ ممارسة دينيَّة لا تنعكس على سلوكه وقيمه لا تحقِّق الغاية التي أرادها الشَّارع المقدَّس.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يكرِّر المرجع الشيرازي في بياناته أنَّ الزَّائر ينبغي أن يغادر الأربعين وهو أكثر إخلاصًا لله (تعالى)، وأقوى إرادةً في أداء الواجبات، وأشد التزامًا بأحكام الدِّين، وأسمى أخلاقًا في تعامله مع الآخرين؛ لأنَّ الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) يظهر في مقدار الاقتراب من أخلاقه وسيرته العمليَّة. فكل زيارة لا تثمر ارتقاءً في الإيمان أو تهذيبًا في السُّلوك تبقى بعيدة عن الغاية التي أرادها أهل البيت (عليهم السلام) من هذه الشَّعيرة المباركة.
ويصف المرجع الشيرازي الإمام الحسين (عليه السلام) بأنَّه النُّموذج الأكمل للإنسان الرَّبَّاني؛ فقد جمع أعلى مراتب الإخلاص لله (سبحانه)، وأقصى درجات البذل والعمل، وأسمى صور الرَّحمة والخلق الكريم مع جميع النَّاس، سواء كانوا من أوليائه أم من مخالفيه. وقد تجلَّت هذه الأخلاق الرَّفيعة في مواقف متعدِّدة من واقعة كربلاء، حيث لم تمنعه شدَّة الظُّروف من الدَّعوة إلى الهداية، ولا من الإحسان إلى من حاربه، ولا من المحافظة على القيم الإنسانيَّة في أحلك لحظات الصِّراع، الأمر الذي يجعل الاقتداء به مشروعًا عمليًّا لبناء الشَّخصيَّة المؤمنة، لا مجرَّد إعلان للمحبَّة.
ولهذا يؤكِّد المرجع الشيرازي أنَّ المحبَّة الصَّادقة للإمام الحسين (عليه السلام) تقتضي السَّير على نهجه؛ لأنَّ الانتماء الحقيقي لأهل البيت (عليهم السلام) يقترن بالاتِّباع والعمل، وهو ما تؤكِّده النُّصوص الشَّريفة، فقد روي عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام): "مَعاشِرَ الشِّيعَةِ، كونوا لنا زَيناً ولا تكونوا علَينا شَيناً، قولوا لِلناسِ حُسناً، واحفَظُوا ألسِنَتَكُم، وكُفُّوها عنِ الفُضولِ وقَبيحِ القَولِ"(9). فالرِّواية تجعل أخلاق الأتباع وسلوكهم مرآةً تعكس رسالة أهل البيت (عليهم السلام)، وتبيِّن أنَّ الانتساب إليهم لا يكتمل إلَّا بالتَّحلي بقيمهم وترجمة تعاليمهم (عليهم السلام) إلى واقع عملي.
وفي هذا الإطار، يدعو المرجع الشيرازي كلَّ زائر إلى استثمار أيَّام الأربعين في محاسبة النَّفس، واستعراض أعماله وسلوكه، ومراجعة علاقته بالله (تعالى) وبالنَّاس، ليجعل من الزِّيارة بداية مرحلة جديدة من التَّزكية والإصلاح الذَّاتي. وتنسجم هذه الدَّعوة مع ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَزَادَ اللَّهَ؛ وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ، وَتَابَ إِلَيْهِ" (10)؛ لأنَّ المراجعة المستمرة للنَّفس تمثِّل أساس التَّقدُّم، والطَّريق الذي يحفظ الإنسان من الغفلة والانحراف.
وعندما تتحوَّل زيارة الأربعين إلى فرصة للمراجعة الذَّاتيَّة، وتجديد العهد مع الله (تعالى)، وإعادة بناء منظومة القيم في حياة الإنسان، فإنَّها تخرج من إطار المناسبة الموسميَّة إلى مشروع تربوي دائم، تتجدَّد آثاره مع مرور الزَّمن. وعندئذ تصبح كلُّ خطوة يخطوها الزَّائر نحو كربلاء خطوةً في طريق تهذيب النَّفس، وكل شعيرة يؤدِّيها وسيلةً لترسيخ معاني الإيمان والإخلاص والتَّضحية، حتَّى تنشأ الشَّخصية الرِّساليَّة التي تحمل مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) في فكرها وسلوكها وتعاملها مع المجتمع.
ومن هنا، يقدِّم المرجع الشيرازي الأربعين بوصفها مدرسةً تربويَّة متكاملة تُعنى بصناعة الإنسان قبل أيِّ شيءٍ آخر؛ لأنَّ إصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح أفرادها، وبناء الحضارات ينطلق من بناء الإنسان المؤمن الواعي. وإذا نجحت الأربعين في تخريج أفراد يحملون قيم الإمام الحسين (عليه السلام) في أخلاقهم وسلوكهم ومواقفهم، فإنَّها تكون قد حققت أحد أبرز مقاصدها، وهو إعداد الإنسان الرِّسالي القادر على مواصلة مشروع الإصلاح الذي انطلق من كربلاء، وجعله حاضرًا في واقع الأمَّة عبر مختلف العصور.
المحور الرَّابع: فلسفة المشي إلى الإمام الحسين (عليه السلام)
يُبيِّن المرجع الشيرازي في قراءته لفلسفة الأربعين أنَّ المشي إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) يمثِّل عنصرًا أصيلًا في البناء التَّشريعي لهذه الشَّعيرة، حتَّى أصبح الطَّريق نفسه جزءًا من العبادة، يحمل مقاصده التَّربوية والرُّوحيَّة، ويشارك في صناعة الأثر الذي تتركه الزِّيارة في شخصيَّة المؤمن. ومن ثمَّ فإنَّ قيمة هذه المسيرة تكون في الوصول إلى الغاية، وتمتدُّ إلى ما يعيشه الزَّائر أثناء الطَّريق من تجارب إيمانيَّة تعيد تشكيل وعيه وسلوكه.
وتستند هذه الرُّؤية إلى مجموعة من النُّصوص الشَّريفة الواردة عن النَّبيِّ الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، والتي أولت المشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) عنايةً خاصَّة، فجعلت لكلِّ خطوة منزلةً وثوابًا، في دلالة واضحة على أنَّ الشَّارع المقدَّس أراد للطَّريق أن يكون ميدانًا للتَّقرب إلى الله (تعالى)، لا مجرَّد مرحلة تسبق الزِّيارة. ومن الرِّوايات المشهورة ما روي عن أبي الصَّامت: "سَمِعتُ أبا عَبدِ اللَّهِ عليه السّلام وهُوَ يَقولُ: مَن أتى قَبرَ الحُسَينِ عليه السّلام ماشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ ألفَ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنهُ ألفَ سَيِّئَةٍ، ورَفَعَ لَهُ ألفَ دَرَجَةٍ"(11)، وهي مضامين تكشف عن ارتباط الحركة الجسديَّة بالارتقاء، حتَّى يصبح السَّير نفسه لونًا من ألوان العبادة والطَّاعة.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في الرِّوايات التي تتحدث عن عناية الله (تعالى) بزوار الإمام الحسين (عليه السلام)، عن أبي عبدالله (عليه السلام): "لا تَدَع زِيارَةَ قَبرِ الحُسَينِ عليه السّلام؛ فَإِنَّ مَن تَرَكَهُ رَأى مِنَ الحَسرَةِ ما يَتَمَنّى أنَّ قَبرَهُ كانَ عِندَهُ، أما تُحِبُّ أن يَرَى اللَّهُ شَخصَكَ وسَوادَكَ فيمَن يَدعو لَهُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وآله وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ وَالأَئِمَّةُ عليهم السّلام؟ أما تُحِبُّ أن تَكونَ مِمَّن يَنقَلِبُ بِالمَغفِرَةِ لِما مَضى، ويُغفَرُ لَهُ ذُنوبُ سَبعينَ سَنَةً؟ أما تُحِبُّ أن تَكونَ غَداً مِمَّن يَخرُجُ ولَيسَ عَلَيهِ ذَنبٌ يُتبَعُ بِهِ؟ أما تُحِبُّ أن تَكونَ غَداً مِمَّن يُصافِحُهُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وآله؟"(12). فهذه النُّصوص تبيِّن مقدار الثَّواب، وتكشف عن منزلة هذه المسيرة في المشروع الإلهي، وأنَّها تحظى بعناية خاصَّة لما تشتمل عليه من معانٍ إيمانيَّة تتجاوز ظاهر الحركة إلى حقيقتها المعنويَّة
ومن المنظور التَّربوي الذي يؤكِّد عليه المرجع الشيرازي، يمثِّل طريق الأربعين بيئةً عمليَّة لإعادة بناء الإنسان؛ ففي أثناء المسير يتحرَّر ويتجرَّد الزَّائر من كثير من مظاهر التَّرف والتَّمايز الاجتماعي، ويذوب الشُّعور بالفوارق الطَّبقيَّة والقوميَّة واللغويَّة؛ ليقف الجميع على أرضية واحدة عنوانها العبوديَّة لله (تعالى) والانتماء إلى مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام). وفي هذا المشهد تتجسَّد معانٍ قرآنيَّة رفيعة، منها قوله (جلَّ جلاله): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(13)، حيث تتراجع الامتيازات الدُّنيويَّة، ويصبح معيار التَّفاضل هو التَّقوى والإخلاص.
وخلال هذه المسيرة يكتسب الزَّائر منظومةً واسعة من القيم العمليَّة؛ فهو يتدرب على الصَّبر في مواجهة التَّعب، ويألف البذل والعطاء من خلال خدمة الآخرين أو قبول خدمتهم بروح التَّواضع، ويتعلَّم الإيثار عندما يقدِّم راحة غيره على راحته، كما يعيش معنى الأخوة الإسلاميَّة في أبهى صورها، حيث تتكامل جهود الملايين من دون تنظيم مادي مركزي؛ وإنَّما بدافع الإيمان والمحبَّة والولاء. وهذه المعاني تنسجم مع قول الله (تعالى): (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(14)؛ إذ تتحوَّل الطَّريق إلى مساحة واسعة للتَّعاون والتَّكافل والإحسان بين المؤمنين.
ومن هنا يَعدُّ المرجع الشيرازي ملايين الخطوات المتجهة نحو كربلاء رحلةً تتجه فيها القلوب إلى الله (تعالى) عبر باب الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لأنَّ الإمام (عليه السلام) يمثِّل الامتداد الأصيل لرسالة النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، والاقتداء به يمثِّل سلوكًا عمليًّا في طريق القرب الإلهي. وبهذا يغدو المشي تعبيرًا عن تجديد العهد مع المبادئ التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها، وإعلانًا عمليًّا للاستعداد لتحمل المشقة في سبيل العقيدة، وترسيخ قيم الإيمان في واقع الحياة.
ولهذا يصف المرجع الشيرازي مسيرة الأربعين بأنَّها ظاهرة إنسانيَّة استثنائيَّة لا تجد لها نظيرًا في تاريخ البشريَّة؛ إذ تجتمع فيها عناصر متعدِّدة يصعب اجتماعها في أيِّ تجمع آخر، فهي عبادةٌ تُمارس في أجواء من الخشوع، ومدرسةٌ للتَّربية الأخلاقيَّة، وميدانٌ لترسيخ الإيمان، وصورة عمليَّة لوحدة المسلمين ومحبِّي أهل البيت (عليهم السلام)، ونموذج عالمي للعمل التَّطوعي والخدمة المجانيَّة والإيثار والتَّكافل الاجتماعي. وبهذا التَّداخل بين الأبعاد التَّربويَّة والاجتماعيَّة، تتحوَّل مسيرة الأربعين إلى تجربة حضاريَّة متكاملة، تعكس قدرة المدرسة الحسينيَّة على صناعة الإنسان، وبناء المجتمع، وإحياء القيم الإسلاميَّة في أرقى صورها، وهو ما يجعلها في فكر المرجع الشيرازي إحدى أبرز تجليات المشروع الإلهي الذي أراده الله (تعالى) لحفظ رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) وإدامة حضورها في حياة الأمَّة.
وممَّا مرَّ تكشف القراءة التَّحليليَّة أنَّ رؤية سماحة المرجع الشيرازي تقوم على أربع أركان:
أولى هذه الأركان أنَّ زيارة الأربعين تشريع إلهي ذو خصوصيَّة استثنائيَّة، أراده الله (سبحانه) ليكون من أهمِّ الوسائل الكفيلة بحفظ القضية الحسينيَّة وصيانة أهدافها من النِّسيان أو التَّحريف، وهو ما تؤيِّده المكانة الخاصَّة التي منحتها النُّصوص الشَّرعية لهذه الشَّعيرة، حتَّى عُدَّت زيارة الأربعين من علامات المؤمن.
أمَّا الرُّكن الثَّاني، فيتمثَّل في النَّظر إلى زيارة الأربعين بوصفها الامتداد الطَّبيعي للنَّهضة الحسينية؛ إذ لم تتوقف رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) عند حدود يوم عاشوراء؛ وإنَّما واصلت حضورها عبر خطبة السيِّدة زينب (عليها السلام)، ومواقف الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ثمَّ عبر إحياء ذكرى الأربعين جيلًا بعد جيل، لتظلَّ قيم الإصلاح والعدل والكرامة حاضرة في ضمير الأمَّة.
ويرتكز الرُّكن الثَّالث على البعد التَّربوي للأربعين، حيث تُعدُّ هذه الشَّعيرة مدرسةً متكاملة لإعداد الإنسان المؤمن، من خلال تهذيب النَّفس، وترسيخ الإخلاص، وتنمية الأخلاق الفاضلة، وتعميق الارتباط بالله (تعالى) وبأهل البيت (عليهم السلام). فالمطلوب من الزَّائر، وفق هذه الرُّؤية أن يعود من رحلته أكثر التزامًا بقيم الإسلام، وأرقى سلوكًا، وأشد وعيًا برسالته في الحياة.
أمَّا الرُّكن الرَّابع، فيتجلَّى في البعد العالمي للأربعين، إذ تمثِّل المسيرة المليونية إعلانًا متجددًا عن استمرار رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في وجدان الأمَّة والإنسانيَّة، وتقدِّم نموذجًا فريدًا لاجتماع الإيمان والعبادة، والوحدة والتَّكافل، والخدمة والتَّضحية، في مشهد حضاري يعكس عالميَّة المدرسة الحسينيَّة وقدرتها على مخاطبة الإنسان بمختلف انتماءاته وثقافاته.
ومن هنا تمثِّل هذه الدِّراسة مدخلًا تأسيسيًّا لاستكمال البحث في بقيَّة الأبعاد التي تناولها المرجع الشيرازي في حديثه عن الأربعين(15)، ولا سيَّما أبعادها الروحيَّة، والاجتماعيَّة، والثَّقافيَّة، والإعلاميَّة، والحضاريَّة، بما يسهم في بناء تصور علمي متكامل لهذه الشَّعيرة، وإبراز مكانتها بوصفها إحدى أهمِّ الظَّواهر الدِّينيَّة والإنسانيَّة في العالم المعاصر، وأحد أعظم المشاريع التي حفظ الله (تعالى) بها الامتداد الحي لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) في وجدان الأمَّة.



اضف تعليق