في الوقت الذي توفر التطبيقات الحديثة سهولة وسرعة في عملية الحصول على الكتب بدون تكلفةٍ ماديةٍ، يبقى الكتاب ذو حظوة كبيرة في الاوساط الثقافية، وتعتبر معارضه من اهم معالم التطور الفكري والعلمي للدول، تبرز من خلالها الهوية الحضارية للعالم من خلال عدد الكتب المطبوعة والمستهلكة.

تعد ارضاً خصبةً للنمو المعرفي واكتساب المهارات نتيجة الامتزاج بين المدارس المختلفة لدور النشر في الشرق الاوسط، وتأخذ معارض الكتب منحى اقتصادي وسياحي مهم، من خلال استقطاب رواد القراءة للشراء والتعرف على حضارات البلدان المضيفة، تشكل الاحرف المطبوعة سهماً يصيب صدفة التكنلوجيا الحديثة ليخرج الفرد من قوقعة الاندرويد الى عالم ملئ بالجمال والثقافة والرقي المستدام.

نقرأ لنرتقي

برنامجاً ثقافياً متنوعاً يتضمن ندوات ثقافية وأمسيات شعرية وحفلات توقيع لأحدث الكتب، معرض بغداد الدولي من اهم المعالم الثقافية التي يقيمها العراق سنوياً، وعد هذا العام من اضخم المعارض منذ تأسيسه 1978، شارك فيه أكثر من 600 دار نشر من 18 دولة، بشكل مباشر أو عن طريق توكيل من (العراق، مصر، سوريا، لبنان، الأردن، ليبيا، الإمارات، السعودية، إيران، قطر، تونس، الجزائر، الهند وبريطانيا).

رفع القائمون عليه شعار "نقرأ لنرتقي" في اشارة منهم لاهمية القراءة في تطوير المجتمعات وتغذيتها فكرياً وثقافياً، كتب القاص العراقي أزهر جرجيس بصفحته على فيسبوك "ما يميز معرض بغداد ويجعله الأكبر من بين معارض الكتب العربية هو خلوه من كتب محظورة، إذ لا رقابة في بغداد على الكتاب ولا حظر ولا هم يشتكون".

 ونقلت رويترز عن رئيس اتحاد الناشرين العراقيين عبد الوهاب الراضي " عودتنا بغداد أن يكون لنا معها موعد ربيعي ثقافي سنوي ومربد يلتقي فيه طلاب المعرفة والثقافة والأدب بصناع الكتاب من مختلف دول العالم، لتنبثق من خلاله ورشة ثقافية يتفيأ ظلالها الوارفة أبناء شعبنا وضيوفنا وإخواننا الناشرون"، فيما وصفه رواده بانه مهرجانا ثقافياً مميزاً وحلقة وصل تربط الثقافة العراقية بابداعات العلماء والمثقفين والأدباء من الدول المشاركة كافة.

الرواية.. القدرة على التغيير

تتميز الفعاليات الثقافية في الدول العربية بتنوعها بين معارض للكتاب، مهرجانات، وملتقيات ادبية، ويمثل الاخير رافداً حيوياً للتلاقي المعرفي والتناغم الفكري، ففي تونس اقيم ملتقى ثقافي حمل عنوان "الرواية القدرة على التغيير".

 ناقش الروائيون فيه القدرة والقوة التي امتلكتها الرواية، من خلال أسئلة متعددة منها هل غيرت الرواية العربية المجتمعات العربية وطريقة تفكيرها؟، هل ساهمت الرواية العربية في تشكيل الوعي العربي؟ لماذا تخشى السلطة الرواية والروائيين ولماذا تصادرها وتمنعها وتنفيهم وتعتقلهم إذا كانت المجتمعات لا تقرأ ولا تتأثر".

ونقلت رويترز عن الروائي ابراهيم الكوني" ان التغيير هو الظاهرة التي تستهوينا عادة كروائيين لأنها تشبع فضولنا الميتافيزيقي اللئيم، حرفها يغوي بالمخاطرة لكنه يخفي خيبة الأمل لأن ما راهنا عليه لا يشتري أبدا الثمن الجسيم الذي نزفناه من أجله“.

 ويعد الجدل الذي يملئ محتوى الرواية هو ما اثار فضول الهواة من القراء، وتمثل طريقة  الرسم بالكلمات من اهم نقاط قوتها، اذ ان الكاتب يأخذ القارى الى واقع خيالي عميق يعيش من خلاله التفاصيل الروائية، ولعل رواية فرنكشتاين في بغداد من اهم ماطرح هذا العام للمنافسة على جائزة أفضل رواية مان بوكر الدولية، اذ تحصل الرواية الفائزة على جائزة مالية قدرها 50 ألف جنيه استرليني تقسم مناصفة بين المؤلف والمترجم.

فلسطين اختلاط الحبر بالدم

لايخفى على احد حجم المعاناة الفلسطينية بسبب الاحتلال منذ سنوات طوال، اذ مثل معرض فلسطين للكتاب رسالة تحدي لكل من يريد سلب هوية القدس العربية، ورغم الحواجز والعراقيل استطاعوا أن يحققوا وجودهم وبقاءهم على أرضهم من أجل حريتهم.

عد معرض هذا العام من اضخم المعارض المقامة في الارض المحتلة حتى الان، شارك فيه أكثر من 500 دار نشر بطريق مباشر أو بطريق التوكيلات إضافة لأجنحة رسمية لدول عربية، ونقلت رويترز عن مسؤولين في وزارة الثقافة "يعد من اكبر المعارض من حيث التخطيط والتنظيم وهي دلالة على الانفتاح والتطور في مجال التنمية الفكرية للاجيال"، وهي احد الاسلحة التي يقاتل بها المجتمع من اجل الحفاظ  على الهوية وترسيخ القومية خصوصا وان الارض تعاني مصادرة حقوق الملكية المادية، فاصبح من الواجب التوجه المعرفي والتسلح الثقافي لاثبات الاحقية، وتشهد فلسطين نهضة فكرية للاكتساب الاجيال الصاعدة الحذاقة في الية المواجهة في الحرب التي تقودها الدولة العبرية على جميع الاصعدة.

الفساد الثقافي

يبدو ان الفساد المنشر في العالم اليوم لم يترك مفصلا الا وتسلل اليه، اعتدنا عليه في المنظومة السياسية والاقتصادية الا ان طغيانه بدأ يسيطر على القاعدة الفكرية والاتزان العلمي في العجلة الثقافية، ذات التأثير الاقوى على تقدم البلدان.

ترى الكاتبة المغربية لطيفة باقا أن الجوائز مهمة وتلعب دورا كبيرا في الترويج للعمل الأدبي إلا أن "الفساد الثقافي" يصنع جوائز عديمة المصداقية ويشجع بعض الأعمال الضعيفة، وأضافت"يجب عدم محاكمة العمل الأدبي من خلال باب المذاهب أو المعتقدات أو السياسة، أو تطرق الكاتب لمواضيع الساعة كالإرهاب أو التطرف الديني، بمعنى مسايرة الكاتب لنوع من "الموضة" فهذا يلعب دور سلبي بالنسبة للأدب بصفة عامة ويصبح مقياس النجاح ليس الجودة أو الكفاءة الأدبية بل مسايرة مواضيع معينة.

وقد ترتبط المصالح الاقتصادية او السياسية بالامر ونرى ان دولة تحصد جوائز عدة مرات بغض النظر عن  جودة الاعمال، واننا نلاحظ اليوم ان المواضيع تكتب لاجل الجوائز وليس من اجل التفاتة لاهمية المحتوى وخصوصا انتشار المواضيع الانسانية التي يغص بها عالمنا العربي.

وتعد الخيانة الادبية واحدة من المصطلحات المستحدثة، اذ نرى تحول بعض الكتاب من القصة القصيرة الى الرواية او انتقلوا من الشعر الى نوع ادبي اخر، فالكتاب لايعرفون الاخلاص  الجنس الادبي.

عاصمة الثقافة العربية

عادة ماتشهد الساحات الكبرى في العواصم العربية تظاهرات اما احتجاجية او مؤية سياسية،الا ان التظاهرات المغربية هذه المرة تختلف عن سابقاتها اذ انها ثقافية وفنية كبرى ذات بعد وطني وعربي ودولي.

اختيرت مدينة وجدة المغربية عاصمة الثقافة العربية لعام 2018 من قبل منظمة الكسو،اذ ان اختيار العواصم العربية يحمل رسالة مفادها ان للامة تراث حضاري غني يمتد لالاف السنين، اذ يقع على عاتق الشباب العربي ابراز الشق الثقافي لبلدانهم ويعيدو بناء هويته الفكرية ردا على كل من يعتبر أننا أمة نصدر الإرهاب والتطرف.

أقامت وزارة الثقافة المغربية بالتعاون مع الجهات المحلية احتفالية فنية كبيرة بهذه المناسبة على مسرح محمد السادس حضرها عدد من وزراء الثقافة العرب والمسؤولين المحليين والدبلوماسيين والمثقفين وأبناء المدينة.

وزير الثقافة المغربي محمد الأعرج عدها فرصة لتقديم نموذج عمل ثقافي عربي ناجح من خلال إعداد برنامج ثقافي يليق بهذا الحدث المتميز، أضاف "لذلك ستكون جهة شرق المملكة فضاء ممتدا في الزمان والمكان لتنفيذ برنامج غني يتكون من جانب رسمي وجانب مواز تحضر فيهما المستويات العربية والوطنية والجهوية والمحلية"،وتسلمت وجدة رسميا شعلة عاصمة الثقافة العربية في مارس آذار الماضي من مدينة الأقصر في مصر.

ومن الواضح مما تقدم ان الهدف من اقامة معارض الكُتب التشجيع على القراءة، تحريك عجلة الثقافة والتنمية الفكرية، فلا بد من معايير من خلالها تقاس درجة النجاح في الوصول للهدف، في ظل تحدياتٍ المعرفة لمواجهة كل ما يحيط بنا من أجواء ظلامية.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
المعارض الثقافية بل وكل الفعاليات الثقافية تصب في صالح المجتمع
المجتمع المثقف خير من المجتمع الجاهل الف مرة لأنه كلما ضل أسرع الى الصواب ورجع
لكن المشكلة في القائمين على أمر الثقافة ومعظمهم من مدعيها الذين يجيدون المكر والخدع
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2018-12-13

مواضيع ذات صلة

0