ثقافة وإعلام - أدب

عزلة الكورونا

يتكوَّر كجنين، ينكمش على نفسهِ من الداخل، يشعر أن روحه كائن صغير محاصَر في جسد محجور قسراً، مهدَّد بفايروس قاتل لا مرئي، لكن الغرفة الصغيرة بجدرانها الأربعة المتقابلة والمتقاربة، تحاصرهُ أكثر وتشعرهُ بأنه يعيش في زنزانة اعتقال كان قد تعرَّض لها في شبابه، لكنه اليوم بلغ الستين، والمشهد نفسه يتكرر، الحبس أو الحجْر أو السجن، ليس ثمة اختلاف كبير، فأنت ملزم بالتنازل عن حرية الخروج، التزاور، التسوّق، الترفيه، الاستمتاع بالاجتماع البشري، كل هذا وسواه ممنوع على هذا الكائن الذي أخذ جسدهُ يتضاءَل وروحهُ تنكمش، حتى أحلامه التي كانت تمنحهُ جناحين يطيرُ بهما إلى أعالي الخيال، إلى الأماني التي لا يصل إليها مطلقا في الواقع، حتى هذان الجناحان تعطّلا عن الحركة، وبات الخيال عجوزا هرِماً هو الآخر!

الفرصة الوحيدة المتاحة له وهو محجور أو معزول وحده في غرفة بالطابق الأعلى للبيت، أن يحبو على أربع ثمّ يتطلع من النافذة الصغيرة التي توصله بالخارج، جرَّب التعويض عبر التواصل بالموبايل، أو مواقع التواصل لكنه كائن جُبل على التلامس والتحادث المباشر وجها لوجه، إنه من النوع الذي لا يشعر بحرارة الآخرين ولا بمشاعرهم عبر الوسائل الافتراضية أو اللاسلكية الحديثة، إنه يريد أن يحتضن حفيدهُ بذراعيه ويضمه إلى صدره ويشعر بحرارة جسده، يريد أن يمسك كف صديقه ويضغطها بقوة كي يشعر بحرارة المشاعر والأحاسيس الإنسانية، يريد أن يضم جسده إلى شريكة الدرب الطويل، زوجته التي تصغره بثلاث سنوات، هي نَجتْ من الكورونا، وهو وحده المصاب من العائلة بهذا العدوّ الخفيّ، المستشفيات امتلأت وفضلوا الشباب على المسنين، حتى السنة الواحدة للأقل عمرا تفيد صاحبها في أفضلية الحصول على سرير رسمي في مستشفيات الحجر، فقرّر أولادهُ وزوجته أن يحجروه في غرفة علوية صغيرة عسى أن يتراجع الفايروس الصغير ويرأف به ويسمح له بمواصلة الحياة مجدَّدا، ولكن ها هو يردّد مع نفسه وحيدا معزولا:

ما فائدة حياتي إذا لم أستطع أضم ولدي أو حفيدي إلى صدري، وما فائدة وجودي حين يتركني ويهرب مني أقرب الناس إليَّ، زوجتي التي حاولتْ العيش معي بغرفة الحَجْر الصغيرة لكنّ أولادها رفضوا بقوة، ليس خوفاً على أنفسهم، فأنا أيضا رفضت هذا قبلهم، مستحيل أنْ أقتلها معي، فهي تستحق أن تعيش أكثر مني بكثير، لم تبقَ لي إلّا هذه النافذة الصغيرة التي أطلُّ منها على الفضاء المفتوح أمامي، الفضاء الكبير الذي حُرمتُ من دخوله، الشوارع التي تبدو لي مهجورة، القطط والكلاب السائبة التي اختفتْ بغتةً، الحدائق التي ذبلت أشجارها في الربيع، العصافير التي لم أعد أسمع زقزقتها بسبب العزل، والأقسى والأشد ألماً حتى النافذة لا أستطيع فتحها خشية انتقال الفايروس إلى الجيران!، فأغلقوا النافذة بلحام عصيّ على الكسر، ليس أمامي سوى التطلّع إلى السماء والأرض وما بينهما دون أين نوع من سبل التواصل، الأشياء الموجودة معي، جهاز أوكسجين، عُلَب بخّاخات، كمّامات، مغذيات سائلة، كلها لا تعنيني ولا أحفل بها، كانت زنزانة الشباب التي سُجِنتُ أو عُزِلتُ فيها أرحم من غرفتي المغلقة هذه، في ذلك الوقت كنتُ شابا حيويا، جسدي يتحمل الألم والجوع وحتى التعذيب، وخيالي كان عظيما، كان ينقذني من وحش اليأس القاتل، فمع كل موجة قنوط قاهرة يقفز الخيال في رأسي قويا، يأخذني خارج الزنزانة، يطيرُ بي بعيداً، ألتقي بحبيتي التي اتفقتُ معها على الزواج إذا لم أمتْ في الزنزانة، أضمّها إلى صدري فتمتصُّ الشجن وأهوال التعذيب، كأنّها تغسلُ روحي وجسدي من الآلام، وأعود من خيالي إلى زنزانتي قويا متفائلا بغدِ أجمل.....

الآن لا جسدي يتحمَّلني، ولا روحي تساعدني ولا خيالي يسندني، الثلاثة كأنّهم تخلّوا عني في عزلة الكورونا التي أخوض معها حرباً ضروساً.

وساعة بعد أخرى أخذتْ تضيق أنفاسي، وتضمحلّ حركة رئتيّ، تتصاعد حرارتي، ويزدادُ سعالي الجاف الموجِع، وفي وضع كهذا من المحال أن يسعفني الخيال، كي يطير بي إلى زوجتي التي لا يفصلني عنها سوى باب غرفة الحَجْر المغلق كأنني مجرم خطير، لم يعد الحب أحد أحلامي الكبيرة كما كان، في زنزانة الشباب كان الحب منقذي الأول والأقوى، كنتُ أخرجُ من الزنزانة المغلقة المحصنة، أطير منها محلّقا بخيالي، أصل إلى حبيبتي، ألتصق بها، تأخذني بين يديها، تمسحُ تجاعيد الألم عن وجهي، تمسّد شَعر رأسي بحنان أم، حتى ملابسي المعفّرة بتراب السجن تغسلها، تنظفّها، تعطّرها وتعطّر جسدي، وترْجوني أنْ لا أتأخَّر عليها في العودة...

في لحظة لا أكثر أجد نفسي في زنزانتي، تحاصرني رائحة نتنة وتكبّلني ملابس رثة وينتظرني فراش يابس متّسخ مترِب، وظلام دامس، وخطوات الشرطي وهو يقترب مني ليأخذني إلى نوبة تعذيب جديدة، يسفحون على رأسي الماء الساخن، ثم يعلقونني في المروحة العمودية، رأسي نحو الأرض وأقدامي إلى الأعلى، يطفئون السجائر على جسدي في أماكن محدّدة من ظهري وصدري وأحياناً في أفخاذي وبعضهم يفقد إنسانيته وحياءه فيطفئها في عضوي، لأذهب في غيبوبة لا عودة منها إلا بعد ساعات، ثم أجد نفسي في زنزانتي فوق فراشي اليابس المتّسخ، لكن بعد ساعات من النوم والخمول والعذاب، يصحو خيالي وتشتعل شمعة الأمل مجدّدا وأحلّق بعيدا خارج الزنزانة، تنطفئ الرائحة النتنة، يتحول الفراش اليابس إلى سرير ملكيّ، الجدران كلها تتهدم والحدود تختفي لأجد نفسي مع حبيبتي طائران يحلّقان في خمائل الورد ورياض الجنان، وهكذا انتهت عزلة الزنزانة وانطفأ عذابُها وصار في عهدة الذكريات، لكن مَنْ يخلّصني مِنْ غرفة أو عزلة الكورونا هذه وأنا في الستين، كلُّ أهلي إلى جانبي حتى زوجتي ولا أرى أحداً منهم بل لا أسمع حتى أصواتهم، كأن الصوت ينقل العدوى أيضا، فأبدأُ أعاتبهم بيني وبين نفسي، أقول لهم، لا أريد منكم سوى الصوت، سوى الكلام، بل سوى السلام لا أكثر، أنا تعبتُ عليكم، كافحتُ من أجلكم، صبرتُ وثابرتُ واجتهدتُ كثيرا حتى أصل بكم إلى ما وصلتم إليه، أهكذا تتنكَّرون لي، أهكذا هو الوفاءُ للآباء، أصرخ في داخلي بصمت، افتحوا زنزانة الشيخوخة، اكسروا بوابة سجن الكورونا، أكتمُ الصوتَ في داخلي بصبر وقوة، لا أريد أنْ يفتحوا لي الباب فعلا، لا أريد أن أقتل أولادي ولا زوجتي ولا أحفادي.....

زحفتُ إلى نافذتي الوحيدة، قلتُ لنفسي لأحاول كسر زجاجها، أو فتح ظلفة واحدة منها كي أشمّ هواءً آخر، لكنني لم أتعوّد على الخيانة طيلة عمري، فكيف أخون الآن في أواخر عمري، أطلقتُ بصري الكليل نحو الشوارع الفارغة، إلى الحدائق والزهور الذابلة، إلى الأشجار الصامتة، إلى العمارات والبنايات والبيوت التي تحوَّلت إلى قبور هاجعة، لا حياة في خارج زنزانة الكورونا مثلما هو الحال في داخلها، حاولتُ مع خيالي، أخذتُ أستحثّهُ، حركتُ الجناحين، رجوت حتى الريش أن يصحو من غفوته، لكن الصمت، الذبول، اللاحركة، موت الخيال، كان الجواب الوحيد الذي أحصده من محاولاتي، ركنتُ إلى اليأس، ضاقت أنفاسي أكثر فأكثر، تمدّدتُ فوق فراشي اليابس النتن المتسخ، وسلّمتُ أمري لربّي بانتظار النهاية......

في هذه اللحظات سمعتُ همسا خفيضا، كأنه قارب إنقاذ وحيد من غرق محتوم، همْساً سمعتهُ من قبل وكنتُ أحبه كثيرا، ولطالما أنقذني من الزنزانة التي سحقتْ زهرة شبابي، إنه صوتُ زوجتي حبيبتي يتسلَّلُ إلى سمعي، هل أنا في حلم أم حقيقة، تصاعد الهمسُ، أصبح كلاماً مسموعاً، نعم إنّهُ صوت زوجتي، تريدُ أنْ تدخلَ لي إلى حجرة الكورونا، صرختُ بآخر ما تبقّى لي من أنفاس: ماذا تريدين؟، لا تقتربي منّي مطلقاً، إياك أن تكسري لحام الباب...

فرّت المرأة من صراخي... هربتْ زوجتي بسرعة، تصاعد وقعُ خطواتها ثم اختفى في ظلام محنتي، معها حقّ، لا تريد أنْ يعرف أحدٌ بمحاولتها هذه، عدتُ إلى نفسي، إلى نبضات قلبي المتهالكة، إلى حزني، إلى سخونة جسدي الموبوء، إلى خيالي الذي يكاد أنْ ينطفئ، إلى محاولة الغفوة الأخيرة بهدوء، على أمل أن يتحوّل كورونا الذي عشَّشَ في صدري إلى كائن شهم ودود رحيم.. ولا ينفرد برجل مسنّ عليل لا يستحق هذه الميتة اللئيمة، في هذه اللحظات حين أخذت أنفاسي تشحُّ وصدري يتقلّص، خطرت في بالي زنزانة شبابي، تلك التي حُجِرتُ فيها بلا رحمة، حاولتُ أن أستعيد وسائل الخلاص من تلك المحنة القديمة، فلجأتُ إلى خيالي أستحثّهُ للمرة الأخيرة، وقبل أن أحاكي خيالي مهَّدتُ لذلك نفسيّا، تخيّلتُ أنني لا زلتُ قويا، وأنَّ أبواب الحياة لم توصَدْ كلّها في وجهي، هناك باب صغير للأمل لا يزال يبعثُ لي خيطاً من نور يتسلّل إلى مكان لا أراه، ثمّ يتدفّقً إلى روحي، واجهتُ خيالي وجهاً لوجه، طلبتُ منه أنْ يُفردَ جناحيه كما كان يفعل في السنين الخوالي بزنزانة الشباب، والمفاجأة أن الريش بدأ ينبت وزغب الجناح أخذ ينمو، غبتُ عن مكاني في الحَجْر، لم أعدْ أعرف أين أنا ولم أرَ ما حولي، انفردَ جناحا الخيال بريش متراصٍّ وقويّ، طارَ جسدي محلّقا في دوّامة متَّئدة مستديرا باحثا عن منفذ للخروج من الحَجْر، ومع التحليق الهادئ بدأتُ أطلقُ أصواتَ تراتيل أو دعاء أو نشيد يمجِّدُ الحياة، صداه بدأ يتردد متصاعداً، حلَّقتْ روحي عاليا، ورحتُ أسمعُ وقعَ الخطوات نفسها ولكن بصوتِ أقوى وأكثر ثباتاً، إنها خطوات زوجتي عادت إلي، أنا أعرفُ مشيتها ووقع خطوها الخاص، وفي غمرة الخيال أو الحلم، كُسِر لحام الباب، ودخل ضوء بهيج لغرفة الحَجْر، وما بين الوهم والحقيقة، رحتُ أسمعُ صوت زوجتي وهي تتقدم إليّ بفرح طفولي عوّدتني عليه كثيراً، أخذتني بأحضانها وهي تهمس في أذني حروفاً لم أسمعْها جيدا لكنَّ نبرتها تشي بالفرح، غمرني ضوء أبيض، وأخذ يتدفق على وجهي نسيم عذْب كأنهُ من أنسام الجنان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2