في نشاط متواصل ودؤوب، صدر عن دار الرقيم في كربلاء، العدد الجديد (20) من مجلة (الرقيم) الفصلية التي تعنى بالثقافة والفنون والآداب، وتضمن العدد دراسات وبحوث ومقالات نقدية عن السرد والشعر، وضمَّ بين دفّتيه ملف العدد الذي تمّ تخصيصه للناقد والروائي الراحل (محمد علي النصراوي) واحتوى على مقالات نقدية عن أدب النصراوي وأسهم فيه عدد من النقاد والدارسين المبرزين. وابتدأ هذا العدد بكلمة عن الملف المخصص للراحل النصراوي، سعت هذه الكلمة كي تفي حق الأديب الراحل وما أنجزه من روايات متميزة ودراسات نقدية تنطوي على الكثير من المغامرة والجرأة التي قد تضع أصحابها لاسيما في مجال الكتابة أمام محاكمات قاسية، ربما يغالي بعضها كثيرا في استهداف من يجرؤ على خرق الحدود المرسومة.

تلا ذلك الدراسات الفكرية والنقدية التي أسهم فيها عدد من الكتاب العراقيين والعرب، وتميز بالجدية والعمق والإصرار على طرح كل ما هو مائز في الحفر والاستكشاف لمعرفة أسرار النصوص بمختلف مذاهبها، حيث كتب الدكتور فاضل عبود التميمي من العراق (تلقي مصطلح التناص في النقد العربي الحديث/ عبد الملك مرتاض مثالا). وكتب الدكتور الحسن زهور من المغرب قراءة نقدية بعنوان (الموريسكي- رواية المفكر حسن أرويد)، فيما كتبت الباحثة أحلام حامي من الجزائر عن علاقة الأنا بالآخر (رواية شوق الدرويش) لحمور زيادة أنموذجا.

وفي الدراسات الثقافية، ضم هذا المحور دراسات بحث في الهوية السردية وعرضت لمأزق هويتها، واستهدفت ما هو مكنون وظاهر ومضمر في هذا المدار، فقد كتب الدكتور عبد الرحيم جيران من المغرب عن مأزق الهوية السردية عند بول ريكور، وكتبت الدكتورة خولة خمري من الجزائر عن لعبة التيه العالمي بين عولمة الأقوياء وهوية الضعفاء.

وفي زاوية حوار العدد، وبما يتناسب مع توجهات مجلة الرقيم في تسليط الضوء على التجارب السردية العربية، حاور الأستاذ الدكتور أحمد الدمناتي من المغرب الروائي والقاص السعودي عبد الله الوصالي، وفي الترجمة نقرأ موضوع التخييل التاريخي: الحقول والأطر مارتا ماريا غيتييريز، ترجمة الدكتور عثماني الميلود من الجزائر.

ثم نصل إلى ملف العدد الذي حمل عنوان المغايرة والاختلاف في أدب النصراوي، وهي خطوة جادة وصادقة من قبل كادر مجلة الرقيم لإنصاف أديبنا الراحل والتعريف بالجهود الإبداعية التي بذلها في سنوات إبداعه المليئة بالمشقة والمصاعب والغموض أيضا، وقد بدأ هذا الملف الوافي بالكلمة التي كتبها الروائي عباس خلف علي (رئيس تحرير مجلة الرقيم) عن الراحل تحت عنوان (سيرة في نقوش ذاكرة الكتابة- النصراوي وخدوش الصورة/ ارتحالات في المتون. وكتب الناقد حاتم الصكر (من يحمل وزر الخطيئة؟ تخييل روائي بإطار فلسفي) وتخصصت هذه الدراسة برواية لوسيفر للراحل النصراوي، في حين كتب الناقد اسماعيل ابراهيم عبد (في نظرية الأثر الثيو- صوفي الجديدة- (مشروع تكنو ثقافي)، وكتب أسامة غانم عن (النص المختلف في حفريات الموروث الديني والذاكرة المستفزة). فيما كتب قحطان جاسم عن (ثنائية الدنيوي الإلهي في رواية لوسيفر) وهي آخر رواية يكتبها الراحل النصراوي قبل رحيله، وقدم الناقد علوان السلمان دراسة بعنوان الرؤية السردية في (مدونة ألواح الرؤيا) وهي رواية لمحمد علي النصرواي.

وفي زاوية متابعات كتب الدكتور الجيلالي الغرابي من المغرب عن (أسطورة شجيرة حناء وقمر). وفي زاوية رؤى كتب الدكتور وسام حسين جاسم العبيدي عن جدلية الطبيعة هاجسا في شعر عبد الهادي عباس (.. أو هكذا هي العاصفة) أنموذجا، وهو شاعر بابلي ينتمي للجيل السبعيني ولا يزال مستمرا في تقديم منجزه الشعري الإبداعي على نحو متواصل. وكتب إسماعيل علالي من المغرب عن مقصدية الانتظار للشاعر عبد السلام بو حجر، في حين كتب الغربي عمران من اليمن عن ضريح الولي والعائدون من هو الحرب، وقد لاحظنا جهود مجلة الرقيم وإدارتها في مجال الرغبة بعرض وتقديم التجارب المتنوعة من عموم الكتاب والمبدعين العرب.

وفي زاوية تجارب وشهادات كتب علي حسين عبيد استذكارا عن الراحل محمد علي النصراوي تحت عنوان (أفول طيف المنطقة المقدسة)، وهو عبارة عن مواقف واقعية موثقة عاشها الكاتب مع صديقه النصراوي تشمل البدايات صعودا إلى النهايات المؤلمة. وفي المحور الفني كتب أحمد الشيخاوي من المغرب عن هيمنة كوميديا الموقف على التوجه السينمائي الحديث، ثم تلي ذلك خزانة الرقيم التي قدمت عددا من العناوين منها " بيلا تار" وحصان تورينو العجوز.. القليل هو الأكثر. الأجسام في المرآة أبعد مما تبدو عليه في الواقع. و عصر التفاهة. الصورة لغة أيضا.. محو الأمية في البيرو مثالاً.

ويُذكر أن هذه الدورية العراقية الأدبية الثقافية دأبت على رصد الحراك الثقافي العربي والعراقي، وفتحت آفاقا متميزة وجيدة في الفضاء الثقافي الأبعد، وأثبتت حضورها وفاعليتها من خلال التفاعل المائز مع نخبة رائعة من الأدباء والنقاد العرب الذين واكبوا حركة التحديث على مستوى السردية داخل الإطار العربي (في المغرب والشرق العربيين)، وتفاعلت مع المدارات السردية خارج الإطار العربي لتحقق بذلك تميزا وحضورا يرقى إلى المأمول من هذه المجلة الثقافية التي أثبتت نجاحا متصاعدا في تحقيق أهدافها ونشاطها الفاعل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4