بقلم: مارك نيلسون

واشنطن العاصمة – تقريبا في كل مكان بالعالم هذه الايام، سنجد ان وسائل الاعلام في ازمة وللأسف وعلى الرغم من أن وجود صحافة حرة قوية هو أمر حيوي من اجل أن تكون هناك ديمقراطية فاعلة فإن الحكومات الديمقراطية على مستوى العالم لا تفعل الشيء الكثير لحمايتها.

تصارع وسائل الاعلام في العالم من اجل تطويع نماذج الأعمال لديها للتأقلم مع العصر الرقمي علما ان الكثير من الصحف المحلية على وجه الخصوص تنهار وهذا يعود جزئيا لخسارة ايرادات الاعلانات وبدون صحف محلية يمكن الثقة بها فإن القراء يصبحون أكثر عرضة للروايات الكاذبة ومحاولات جذب اهتمام الناس من خلال محتوى مثير ومع تهميش الصحافة عالية الجودة فلقد أصبح بإمكان القادة السياسيين حول العالم رفض التغطية السلبية تجاههم ووصفها بالأخبار الكاذبة كما ان عدم وجود مجموعة حقائق مشتركة يساهم في تآكل الثقة بالديمقراطية وحكم القانون.

بالإضافة الى ذلك يتعرض الصحفيون من سوريا الى سلوفاكيا لمضايقات بالإضافة الى عمليات الاختطاف والاعتقال العشوائي وحتى انهم يتعرضون للقتل وهم يؤدون مهام عملهم كصحفيين والان وبعد تطبيق نموذج تم انجازه بحرفية في هنغاريا وروسيا وتركيا أصبح النموذج السائد المتعلق بملكية الاعلام هو "الاستيلاء على الاعلام " حيث يستخدم القادة السياسيون والمقربون منهم من الأثرياء وسائل الاعلام من اجل الترويج لسياساتهم السلطوية ومصالحهم التجارية.

ان عدم وجود وسائل اعلام يمكن الثقة بها من اجل مساءلة الحكومة وقطاع الاعمال يعني انتشار الفساد. (ان الأمل ان تتمكن الرقابة التي يقوم بها المواطنون من خلال الفايسبوك وتويتر بتعويض ذلك قد تبدد بشكل قاطع).

ان الرد الضعيف على الأزمة من قبل ديمقراطيات العالم يعكس عدم وجود ارادة سياسية اكثر منه عدم وجود حلول وفي واقع الامر وعلى الرغم من نطاق وتعقيدات ازمة وسائل الاعلام فإن تلك الازمة ليست مستعصية على الحل ونظرا لأنها تتسبب في زيادة التهديدات للديمقراطية على مستوى العالم، فهي تمثل تحديا استراتيجيا رئيسا يستحق الاهتمام والتصدي لمعالجته بشكل عاجل.

ان السياسة الخارجية والامنية تعتبر رافعة قوية للتعامل مع هذه الازمة حيث يجب ان تحدد الحكومات الديمقراطية الهجمات على حرية الاعلام وتستخدم اجراءات مثل العزلة الدبلوماسية وعدم اصدار التأشيرات والعقوبات المباشرة للضغط على مرتكبي تلك الافعال وذلك من اجل الوفاء بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي لدعم حرية التعبير.

يبدو ان الزخم وراء مثل هذا التحرك قد بدأ فعليا ففي يوليو الماضي أطلقت كندا والمملكة المتحدة مبادرة حرية الاعلام والتي تدعو البلدان للتوقيع على تعهد بإن تتعاون وتتحرك عندما تتعرض الحرية الاعلامية للخطر وأن تتبنى القضية حول العالم وفي الشهر الذي يليه اضافت فرنسا هذه القضية الى جدول اعمال اجتماع مجموعة السبع في بياريتس حيث نأمل ان يبشر هذا بتقدم حقيقي.

ان الرافعة الثانية للتعامل مع هذه المشكلة هي المساعدات التنموية الرسمية حيث انفقت الدول الاكثر ثراءا في سنة 2018 أقل من 0،5% من مساعداتها التنموية الرسمية والتي تقدر بمبلغ 150 مليار دولار امريكي على حرية الاعلام وهذه الحصة يمكن زيادتها بشكل مفيد- مثلا الى 1% وهو توجه تدعمه مجموعة من المنظمات التي تدعم الاعلام – بدون تخفيض الانفاق بشكل كبير على المجالات الاخرى.

وفي واقع الامر فإن زيادة المساعدات التنموية الرسمية من أجل مساعدة الاعلام يمكن ان يؤدي لتحقيق تقدم في أهداف تنموية أخرى. إن أي صناعة اعلام تسيطر علها المصالح الشخصية تعيق الاصلاح الاقتصادي وتمنع التسوية السياسية وتقوض التماسك الاجتماعي – وهي جميعا عوامل ضرورية للتنمية المستدامة والشاملة وبالنسبة للبلدان التي تعاني من اجل بناء نظام حكم ديمقراطي او المحافظة عليه فإن وجود صحافة حرة قوية هو امر لا غنى عنه.

ان السودان يواجه حاليا هذه التحديات على وجه التحديد بينما يحاول بناء دولة ديمقراطية في اعقاب ديكتاتورية عمر البشير والتي استمرت لثلاثين عاما وخلال مثل هذه التحولات السياسية المشحونة، عادة ما تنحاز المؤسسات الاعلامية المحررة حديثا لحزب او فصيل معين مما يعزز من الانقسامات العميقة والتي تشل اي تحرك وفي بلد يشعل فيه التمييز العرقي والثقافي والديني الحروب الاهلية الوحشية، فإنه لا يجب التقليل من المخاطر.

لكن لغاية الآن فإن المجتمع الدولي لم يعمل أي شيء يذكر لمساعدة التنمية الاعلامية والجهود الإصلاحية في السودان وكما جادل رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، يتوجب على الجهات المانحة "مراجعة اولوياتها" ودعم الاصلاحات الاعلامية في بلدان مثل بلده وأضاف ان هذه الجهود –الى جانب بناء قضاء مستقل ووقف تدهور الوضع الاقتصادي والتعامل مع جرائم نظام البشير- تعتبر بالغة الأهمية من اجل نجاح العملية الانتقالية.

لقد أعلن حمدوك أنه بالنسبة لقتل الصحفيين فإن "السودان الجديد لن يسمح بذلك بعد اليوم ".

إن الأولويات الجديدة للجهات المانحة في السودان وغيره من البلدان يجب ان تتضمن المساعدة في التعامل مع أوجه الضعف المتعلقة بطريقة الادارة من النواحي الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية والتي تجعل الاعلام في حالة ضعف وهذا يعني مساعدة الحكومات في اصلاح أو تقوية قوانين الاعلام وبناء مؤسسات ذات مصداقية وتأمين الدعم السياسي للإدارة الديمقراطية لمجال الاعلام. ان المؤسسات التنموية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية يمكن ان تساعد في هذا الخصوص.

ان مؤسسات التطوير الاعلامي المهنية لديها دور لتلعبه في هذا السياق مثل مساعدة وسائل الاعلام المحلية على تقوية ادارة غرفة الاخبار والتحقق من وجود معايير صحفية عالية ولحسن الحظ فإن هناك العديد من المؤسسات ذات الكفاءة العالية والتي تعمل على المستويات المحلية والدولية مستعدة للمساهمة في ذلك.

يتوجب على الحكومات المانحة تسهيل هذه المساهمات بما في ذلك استخدام نفوذها لتشجيع من يتلقى المساعدات لعدم التدخل في عملية تطوير الاعلام ومع وجود المزيد من الاستثمار الاضافي فإن بإمكانها التحقق كذلك من ان عمل مؤسسات التنمية الاعلامية –مثل مركز الصحافة الاوروبي في هولندا أو اكاديمية دويتشه فيلا في المانيا- يكمل أجندة التنمية الأكثر شمولية.

بعد الحرب العالمية الثانية قررت الدول الديمقراطية في العالم ان تنشأ معا إطار مؤسساتي يعكس السلام والاستقرار في العالم لعقود قادمة ومن اجل التعامل مع الازمة الاعلامية الحالية نحتاج لجهد مماثل بحيث تعمل الحكومات والمؤسسات الاعلامية والمواطنون معا من اجل تحصين لبنة اساسية للديمقراطية والتقدم البشري.

* مارك م. نيلسون، المدير الأول لمركز المساعدة الإعلامية الدولية
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5