في سماء الولاية، نجوم تنطق بالتوحيد، خلقها الله لتهدينا الطريق اليه، فتحدد اتجاهاتنا وخط سيرنا، هي أنوار مقدّسة وهي السبيل الى معرفته والمسلك الى رضوانه.

وكانت فاطمة الزهراء الكوكب الدريّ، وما أعظمه "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم"، يهتدي بها كل البشر والمرأة بشكل خاص. إذن فالزهراء (ع) هي المثل الأعلى والنموذج الأكمل للمرأة بكافة أدوارها ومواقعها في الحياة.

والعثور على المصاديق العملية والواقعية لهذه الشخصيات في مجتمعنا لم يكن سهلا، فنحن في زمن قال فيه الرسول الاكرم (ص): (القابض على دينه كالقابض على الجمر).

ومع ذلك استطعنا ان نجد نساء متميزات وناجحات يقمن بمهامهنّ في نشر تعاليم الرسل والأوصياء، فكان لكل منهنّ رسالة مرامها رضا الله ووسيلتها السيدة فاطمة الزهراء(ع) وهي السراج الذي يضيء دروبهنّ.

فكانت هذه الكلمات والسطور التي سلّطت الضوء على بعض النماذج لنساء متميزات بالعطاء في دائرة المجتمع.

بين جدران المدرسة

"أنا لست سوى طالبة في مدرسة الصدّيقة فاطمة الزهراء (ع)، تتلمذت بين أبوابها ونهلت بعض العلم والدين والاخلاق منها، اغترفت القليل من بحر تعاليمها السامية ومن هذه الغرفة ارتويت وأسعى جاهدة لأسقي منها طالباتي العزيزات ولكل قلب ظامئ للعلا ".

كانت هذه الكلمات لـ "ست فرقان" معلمة التربية الاسلامية في احدى مدارس كربلاء، وعن سؤالنا المحوري عن أسوتها في هذه المهنة وكيف أثّرت فيها السيدة الزهراء وكيف تستثمر وظيفتها ومادتها في تطوير تلميذاتها، قالت: "يستحضرني دائما قول أرسطو عن عقل الطفل الذي يشبهه بالشمع الليّن ويكيّفه المعلم كيفما أراد، وكذلك أسعى مع طالباتي فهنّ صغيرات - في المرحلة الابتدائية- ورغم اختلاف بيئاتهنّ وثقافاتهنّ تبعا للبيت والأسرة ودروهم البالغ في الاهمية، إلا أنني ألمس تغييرات في البعض منهن فيحفزني ذلك للتقدم في نشر رسالتي.

إنها مسؤولية كبيرة ومهمّة صعبة ومع ان لي باع طويل في هذه المهنة إلا انه يتوجب عليَّ بين الفينة والاخرى ان أطالع وأقرأ المزيد عن طرق أحدث وأجدى في التربية والتعليم فنواكب تطور المجتمعات وأساليبها الحديثة".

وعن سؤالنا عن المصاعب التي واجهتها تقول: احدى أكثر العراقيل التي واجهتها كانت تكمن في منهج الدراسة، الذي لم يكن ضمن المستوى المنشود، فقد سلط الضوء على شخصيات معينة وتجاهل أخرى، غصّة لا تزال عالقة في حنجرتي، لماذا نخفي عن الاجيال قصصا وسيرة حياة هداة البشرية ونأتي على ذكر أعدائهم ومبغضيهم.

أحزن وأتأسف كثيرا فكل الأمم تتنافس في تخليد رموزها الدينية والتاريخية ونحن لا نعتني بخلاصة رسالات الله على مدى التاريخ، لكنني لم أقف مكتوفة الايدي، أُعطي المنهج المقرر كما هو أولا ومن ثم أضيف وأعلّق على كل ما ذُكر، فقد ولّى زمن الخوف من قول كلمة بحق أهل البيت، أتحدث عن الزهراء وسيرتها التي للأسف لا يعرفها الكثير من بناتنا رغم انتمائهم الظاهري لها، كان لي منهجا مغايرا لبعض ما ورد في المقرر فأقدم في دروسي منهج الرسول الاصيل الصادق لا المزيّف ونهج الائمة وفاطمة سيدة النساء قدوة كل امرأة والحق أحق أن يُتّبع".

وعن النشاطات التي أقامتها "ست فرقان" مع طالباتها في ذكرى ولادة السيدة الزهراء(ع) أوضحت قائلة: كنت قد حضّرت وبالتنسيق مع ادارة المدرسة مجموعة أنشطة لهذه المناسبة الميمونة منها الاحتفالية ككل عام، وكنت قد طلبت من الفتيات قبل أسبوع من الاحتفال أن يحفظن حديثا للسيدة الزهراء او قيل عنها أو قصة ذكرت فيها او بيتا شعريا في مديحها، مع تعليق تضيفه الفتاة وتقول لزميلاتها ماذا فهمت وماذا استفادت منها، وللمشاركات في هذه الفعاليّة جوائز لطيفة.

واستطردت أخيرا أعوّل كثيرا على هذا الجيل، كلّي أمل بأن أرى البذور التي زرعتها في طالباتي فتغدو قريبا شجرة مثقلة بثمار تفوح بشذى "تفاحة الخلد" فاطمة صلوات الله وسلامه عليها.

بين أروقة الجامعة

" إنّ لي جَلدا وصبرا يفوق ما لدى هذه الشابات من عناد واستهتار، إنّ في داخل كل فتاة تدرس هنا صراع كلعبة شدّ الحبل، الدين والتقاليد من جهة وهوى النفس والفكر الغربي من جهة أخرى، والغلبة للأقوى.

ابتدأت "ست زينب"- دكتورة في جامعة كربلاء - حديثها بأكثر الأمراض سقما وانتشارا في أروقة الجامعات وهو الحجاب المزيّف والتبرج والتسيب في الاختلاط وهو ما سبب مضاعفات خطيرة كما تقول.

وأكدت على أنّ مهمتها أصعب من (معلمة المدرسة) حيث التعامل مع فئات عمرية أكبر ومن المفترض أكثر وعيا. "لقد هجم علينا جيش من المسلسلات والبرامج التي تروّج لفكر بعيد عن ديننا ومبادئنا. أوَ كلما رأينا شيئا من الغرب حاكيناه؟".

وأضافت: ان المرأة أكثر مسؤولية من الرجل في انتشار الفساد وازالته، وانا اسعى من مكاني في الهيئة التدريسية والادارية الى الاصلاح ما استطعت الى ذلك سبيلا، ولئن "اذا أمن العقاب أسيئ الأدب" فسن القوانين التي تضبط وتحدد الحجاب المقبول ومنع التجاوزات ضروري جدا في الحرم الجامعي.

وعن سؤالنا عن السيدة الزهراء وماذا تعني هذه الشخصية لها ولطالبة الجامعة تقول: كانت الزهراء مثال العفّة والطهارة والحجاب، وهي كانت تعقد مجالس العلم للنساء وفي ذات الوقت هي زوجة وأم وتطبخ وتغزل، لقد خطت لنا مولاتنا مسارا متكاملا تؤدي فيه المرأة كافة الادوار وهي تحافظ على عفّتها فهي محصّنة بالحجاب.

وتزامنا مع احتفالات ذكرى الولادة العطرة، سعيت مع ثلّة من طالباتي اللواتي أعتمد عليهن كثيرا في أي نشاط او مناسبة وهيأنا مجموعة من النشرات التي تعرّف السلوك الفاطمي في الجامعة، وهي عبارة عن أسئلة او عبارت قصيرة تقف المتأملة فيها على نسبة علاقتها ببضعة رسول الله (ص). كما دعونا الطالبات لحفظ خطبة فدك وللفائزين جوائز قيّمة تشجيعية.

وتختم كلامها: الأمل لم يذو بعد، والزهراء تبعث فيّ القوة كلما وهنت او فكرت في التراجع بسبب عدم الجدوى مع هذا الجيل، سلكت طريقا صعبا في محاولة تغيير عقول الشابات بفتح قنوات الحوار معهن، ولئن تغيرت واحدة من ألف سأكون سعيدة وراضية.

عند أعتاب فاطمة

المجلس الحسيني هو مدرسة وله رسالة ايضا، والحضور هم تلاميذ قد تشرّبت قلوبهم بحب فاطمة وابنائها، ولكن الحب المجرّد لا يكفي، يتطلب عملا ملموسا، ترجمة لتلك العواطف المقدّسة التي أودعها الله في قلب كل مؤمن ومؤمنة.

وهنا يأتي دور الخطيبة التي تضرب بصوتها الجهوري على أوتار قلوب النساء فتنفتح لما يقال لها بعد ذلك.

فكان لنا حديث مع الخطيبة الحسينية "أم حسنين" وعن علاقتها بالسيدة الزهراء ودور محاضراتها في الجمهور.

فتقول: "لقد ورثت صوتي وعملي عن أمي رحمها الله، بداية لم أكن أرغب بذلك فكنت أقرأ المجلس بطريق آليّة تخلو من العواطف وأكبر همي هو جني المال.

شيئان غيراني، ومن ثم تغيرت طريقتي في التحضير والالقاء وبالنتيجة كان التأثر أكبر من النساء الحاضرات لأن "فاقد الشيء لا يعطيه". وان كنت لا تؤمن بمنطق فلن تستطيع ابدا اقناع الاخرين به.

مررت بمشكلة عصفت بي في قصة يطول مقامها فتوسلت بالله بحق الزهراء وانقضت حاجتي ببركتها.

وأما الاخرى فكانت عبارة عن حديث وقفت عنده طويلا، وهو ان الزهراء تحضر في كل مجلس يذكر فيه اسم الحسين".

غلبتها العَبرة وتحول الى نشيج حاولت منعه، اعتذرت عن بكائها ونحن بذكرى الولادة العطرة واستطردت وهي تداري دموعها قائلة:

"أمعن النظر حولي في كل بيت أقرأ فيه العزاء فاستشعر وجودها، وأشعر بأني أمام مهمة عظمى، وفي محضر امرأة عظيمة، فامتلكت رغبة جبارة في اخلاص نيتي واتقان عملي بعيدا عن المال. وبذلك تحولت من العمل المادي الى الخدمة الحقيقية. وقرَّ عزمي على العمل الجاد في كل خطوة تصب في هذا الهدف الذي كان منبعه عشق فاطمة، وبعثت بولدي الذي كنت أخاف عليه من نسمة الهواء الى ساحات القتال تأسيّا بالزهراء التي قدمت أبناءها للمنيّة".

***

هؤلاء نساء صنعن شخصياتهن إعجاباً وتأثّراً بحب فاطمة، فأصبحن نماذج حيّة من الشخصية العظيمة التي استلهمن من سيرتها الجليلة كل هذا التميز والنجاح، وقد يشق عليهن اللحاق بها فإن سنوات ضوئية تفصلهن عن هذا الكوكب الدرّي، لكن نوره شعّ في كل الكون فهدى طريقهن المعبّد بالصعوبات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0