إن من أهم متطلبات الحياة وجود مناخ مناسب للعيش وبيئة نقية وفق معايير معينة، ولا يحدث ذلك إلا بتوفر مناطق خضراء وحدائق بمختلف الأشكال، وهذا ما تعمل علية الدول ضمن مساحاتها بشكل عام، ووزارة الزراعة والبلديات بشكل خاص، لذا فإن المناطق الخضراء ذات أهمية كبيرة ومن مستلزمات العيش المهمة في كل بلد، أما ما نلاحظه في العراق من مساحات شاسعة، فهي باقية من دون زراعة وكذلك مشاريع المتنزهات والحدائق، وذلك لمجموعة من الأسباب تقع على مسؤولية الدولة والشعب.

أسباب انحسار المناطق الخضراء

تكمن الأسباب في محورين، الأول عدم تطبيق المشاريع الزراعية الموجودة ضمن الخطة السنوية، بالإضافة إلى الفساد الإداري والمالي في الدوائر المختصة، وسرقة الأموال المخصصة لهذه المشاريع، لذا على الدولة أن تعالج الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى انحسار المناطق الخضراء بسبب عدم الاهتمام بها، وحصر الاهتمام بمشاريع أخرى لا علاقة لها بزيادة المناطق الخضراء.

أما المحور الآخر فيقع على مسؤولية الشعب، وهذا ما نلاحظه من تعامل سيّئ للأفراد مع الحدائق والتخريب من دون شعور بالمسؤولية، وذلك بسبب عدم وجود قوانين صارمة تطبق بشكل صحيح على من يعبث بالحدائق والساحات العامة، لذا مع وجود هذه الأسباب، على الحكومة أن تضع حلولا مناسبة وسريعة لأن الانحسار في البساتين والمناطق الخضراء سيؤدي آثار وخيمة على الحياة الاجتماعية.

ولأهمية هذا الموضوع ومساسه في مجالات الحياة كافة، وخصوصا ما يتعلق بتغيير المناخ نحو الأفضل، أجرت (شبكة النبأ المعلوماتية)، جولة استطلاعية طرحت خلالها سؤالا على المختصين والخبراء في هذا المجال، لوضع حلول مناسبة لهذه الظاهرة، وكان السؤال كالآتي:

- ما اثر انحسار المناطق الخضراء على الحياة الاجتماعية نتيجة التجريف، وكيف يمكن استرجاعها وزيادة مساحتها؟

التقينا الدكتور (خليل جودة الخفاجي)، دكتوراه في التاريخ المعاصر والجغرافية، فأجابنا قائلا:

تعد المناطق الخضراء من اهم المناطق في جميع بلدان العالم، لأنها تشكل خط ضد لعوامل التعرية والانجراف والغبار وغيرها، ثم تساعد على تلطيف اجواء المدن كأمكنة سياحية خضراء، وقد تعرضت كثير البساتين في من البلدان العربية وخاصة العراق الى الاهمال بسبب سوء الادارة وقلة المياه والقلع والتجريف من قبل بعض الاهالي، ولذلك اصبحت مهملة لذلك فإنها سوف تنتهي في المستقبل القريب رغم قلتها وانحصارها وسوف نعاني مستقبلا من الرمال العاتية، وسيكون مستقبلها معدم للإهمال، وانا اؤكد ان المساحات الخضراء لو استغلت لأصبحت جميع مناطق البلدان العربية بمناخ يختلف عن الحالي، لكنها تعاني من الجفاف وتحتاج الى زراعة مستدامة لديمومتها فضلا عن حفر ابار في عمق الصحراء لوجود مياه جوفية كثير خاصة في العراق ومنع التجريف وقلعها، وتشجيع الاهالي للعمل بوعي وثقافة زراعية باستخدام كل التقنيات الحديثة، وبذلك نحد من قلع هذه المساحات المزروعة، وتوطين السكان للتغلب على الطبيعة القاسية لصنع مناخ معتدل بفضل الطبيعة والمسطحات الخضراء كما معمول به في كل دول العالم.

وتوجهنا بالسؤال إلى الدكتور (عز الدين المحمدي)، دكتوراه في القانون، ورئيس مؤسسة الفكر الانساني للإعلام والثقافة والقانون، فأجابنا بالقول:

قيل في المثل على الاستمتاع والراحة النفسية (الماء والخضراء والوجه الحسن) دليل على ان الخضرة، والواحات الخضراء تعد من اهم العوامل على متعة العين والراحة النفسية، والجدير بالذكر وقد نقل الينا هذه الواقعة الدكتور خليفة التكريتي رئيس جمعية الهلال الاحمر العراقي عام 1997 في لقاء معه في بغداد والحديث كان حول اهمية المحافظة على البيئة الصحية للإنسان أن موظفا في امانة بغداد في الخمسينيات اعترض بل وقاتل ضد مشروع تحويل موقع متنزه الزوراء الحالي في وسط بغداد الى مشروع عمارات سكنية وقال: (في حينه لأصحاب القرار ان تحولتم متنزه الزوراء الى منطقة سكنية فهل بغداد سيختنقون فالمتنزه فسحة خضراء مهمة للمواطنين لقضاء بعض الوقت للراحة النفسية والاستجمام وتنفس الهواء النقي في وقت لم تكن بغداد بهذا الوضع المزري من الزحام والعدد الهائل من السيارات التي سمحت لها بالتجوال في بغداد دون تخطيط وتوسع في الشوارع والمجسرات)، ذكرت هذه الحادثة التي تعبر عن مدى اهمية المساحات الخضراء في المدن وخاصة العاصمة، واثرها الايجابي للوضع الاجتماعي للأفراد فالحديقة المنزلية الخضراء والمشجرة ومساحات الثيل كم لها من اثر نفسي واجتماعي للأسر مجرد رؤية مساحات خضراء تريح النفس وتمنح للروح هدوء عجيبة وراحة نفسية بالغة الاهمية، وكذا الحديقة المدرسية وحدائق الكليات والجامعة والمتنزهات في المناطق السكنية كلها عوامل مساعدة للراحة النفسية للمواطنين، وللأسف الشديد قد تعرضت مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية والبساتين والمساحات الخضراء في العاصمة وضواحيها والمحافظات الى مساحة البور والتصحر، نتيجة تركها من قبل الفلاحين والمزارعين وقلة المياه والمشاريع الإروائية والتجاوزات الخطيرة من قبل المتنفذين، وجعلها قطع سكنية وبيعها ونهب موارد الدولة، وافتقار الحكومة وسياسات الدولة الى التخطيط المبرمج لدعم وتوسيع المشاريع السياحية والترفيهية رغم أن هناك كثيرا من المتنزهات ذات المساحات الصغيرة أنشئت في المناطق السكنية، إلا انها اهملت واصابها القحط ويبست خضرتها، واهم المشروعات الاستراتيجية العملاقة التي طالتها عمليات الفساد الواضحة مشروع قناة الجيش، التي بقين اطلالها اليابسة التي تدمع لها العيون وتدمى لها القلوب وكثير من الدراسات الاجتماعية والنفسية تؤكد مدى اهمية المساحات الخضراء للإنسان والانتعاش النفسي والاجتماعي للذين يتمتعون ويقضون اوقاتهم في المساحات الخضراء والعكس صحيح، ايضا فطبيعة الانسان تميل الى حب الحياة والعيش قرب مصادر المياه التي تكون خضراء بطبيعتها، ويتمتعون بجمال الوجه وحيوية البشرة والتمتع بنفسية اجتماعية وعلاقات ودية مع الآخرين، والقذافي في الثمانينيات من القرن المنصرم نفذ مشروعا عملاقا في ليبيا، حيث فتح عن طريق الانابيب بقطر عملاق نهر سمي بنهر العظيم من البحر المتوسط الى وسط ليبيا الصحراوية وجعلها مناطق خضراء شاسعة تنفيذا لشعاره، الذي كان يرفعه في سنوات حكمه لليبيا الخضراء ومنه (الكتاب الأخضر)، ونحن في العراق بحاجة ماسة بتحويل مناطق شاسعة تتعرض للتصحر الى مناطق خضراء، بمشاريع استراتيجية ونرفع شعار العراق الخضراء لنمنح المواطن العراقي متنفسا وراحة وحلولا للمشاكل الاجتماعية والنفسية والقهرية.

أهم الحلول لاسترجاع المناطق الخضراء

وأجابنا الأستاذ (عامر الحمداني)، كاتب صحفي، بكلوريوس قانون، أجابنا قائلا:

تتمتع المناطق الخضراء بأهمية خاصة في تخطيط المدن لتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كونها تمثل رئة المدن (متنزه الزوراء نموذجا)، وأن الانحسار الحالي للمناطق الخضراء في العراق من خلال التجريف المستمر للبساتين والمناطق الخضراء له تداعيات اجتماعية خطيرة في ظل غياب التخطيط العمراني والرقابة المختصة، وأن اهم ما يحققه وجود المناطق الخضراء هو الاستقرار النفسي واكساب الأهالي مزاج متجدد ونفسية من شأنِها أن تساهم في كسر حاجز الملل والروتين، ومن ثم شحن الطاقات الذاتية للانطلاق في ايام عمل رصينة، كما لا يخفى دورها في تجديد الاجواء وحماية المدن من العواصف الترابية والغبار، كونها مصدات جيدة لذلك اضافة الى المساعدة في تماسك التربة وعدم انجرافها، تشكل المنافع الاقتصادية للمناطق الخضراء المتمثلة في تكوين السلة الغذائية أمنا غذائيا يساهم في خلق الاستقرار الاجتماعي.

يمكن المساهمة في إعادة نسب المناطق الخضراء ببعض الإجراءات منها:

- تشديد الإجراءات الرادعة للمتجاوزين على المناطق الخضراء والبساتين.

- القيام بحملات استزراع في داخل المدن.

- التركيز على عمل الأحزمة الخضراء حول المدن.

- الاهتمام بالحدائق العامة والمتنزهات وإنشاء اخرى جديدة.

- توزيع الاراضي الخالية من الزراعة بمساحات مناسبة للذين يستطيعون زراعتها بعقود لمدد مناسبة ووفق شروط ومتابعات جدية تخدم عملية الاستزراع وتقديم التسهيلات اللازمة لتامين المكائن والمعدات وتأمين المياه.

- زيادة اسعار شراء المنتجات الزراعية والمحاصيل الإستراتيجية للتشجيع على الزراعة.

- إعادة العمل بالمزارع الحكومية الكبيرة ودعمها بمشاريع ري وبزل مناسبة.

وأخيرا التقينا الاستاذ (حسن المعموري)، موظف في إحدى دوائر البلدية، فأجابنا بالقول:

حقيقةً إن المسؤولية الكبيرة في ظاهرة انحسار المناطق الخضراء تقع على المواطنين لتخريب هذه المساحات التي نعمل عليها بشكل دوري، وبعد فترة قليلة نرى ترك النفايات في الحدائق وتلف الزرع في هذه الأماكن، وايضا قد يكون المسؤول عن المشاريع بهذا الخصوص ذو نفسية ضعيفة ومتغطي بالفساد والرشوة، وعدم وجود رقابة على هذه العملية تعمل بشكل صحيح ونزيه، وهذه كلها تؤثر على الحياة الاجتماعية من حيث المناخ والنفسية المواطنين، لأن المناطق الخضراء هي العنصر النفسي والتغير نحو الافضل في البيئة والأجواء، لذا أن اردنا استرجاع المناطق الخضراء علينا أن نعمل على المواطنين ووضع ارشادات وعقوبات تحاسب من يعمل على تخريب هذه الاماكن، وبعدها تقوم الدولة بوضع رقابة وقوانين صارمة على المسؤولين في هذا المجال، ومحاسبتهم من وقت لآخر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2