فالذكاء الاصطناعي قد يكون الثورة الصناعية المقبلة فعلًا، غير أن الثورات الصناعية لا تُقاس بقدرة الآلات وحدها، وإنما بما تفعله بالبشر، وبمن يربح منها، وبمن يدفع ثمنها، وبما إذا كانت القوة الجديدة ستخضع للمساءلة أم تتحول من أداة تخدم الإنسان إلى سلطة تعيد تشكيل حياته من دون موافقته.

لم تعد المعركة الدائرة حول الذكاء الاصطناعي مقتصرة على قدرته على كتابة النصوص أو إنشاء الصور أو اختصار الوقت، بعدما انتقلت هذه التقنية في غضون سنوات قليلة من كونها أداة مساعدة يمكن استخدامها أو الاستغناء عنها، إلى منظومة متسعة الحضور تعيد ترتيب علاقات العمل وصناعة المعرفة واتخاذ القرار، وتدفع الحكومات إلى التعامل معها باعتبارها موردًا استراتيجيًا يمس الأمن القومي وموازين القوة الدولية.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات على إطلاق نماذج أكثر قدرة واستقلالية، تظهر في الجامعات وأماكن العمل والمجتمعات المحلية علامات مقاومة لا تستهدف التقنية بالضرورة بقدر ما تعترض على السرعة التي تُفرض بها، وعلى غياب المشاركة العامة في تحديد شروط استخدامها، وعلى احتمال أن تتركز مكاسبها وسلطتها في أيدي عدد محدود من الشركات والمديرين التنفيذيين والمؤسسات الحكومية.

بهذا المعنى، لا يدور السؤال الحاسم حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، لأن عملية التغيير بدأت فعلًا، وإنما حول الجهة التي ستقرر شكل هذا التغيير، وكيف ستوزع مكاسبه وتكاليفه، وما إذا كان الإنسان سيبقى صاحب القرار النهائي أم يتحول تدريجيًا إلى منفذ لاختيارات تصنعها الخوارزميات ومن يمتلكها.

صيحات استهجان تختصر اتساع الفجوة

ظهرت واحدة من أكثر صور هذا الانقسام وضوحًا في الثامن من مايو/أيار 2026، خلال حفل تخرج كلية الآداب والعلوم الإنسانية وكلية الاتصال والإعلام في جامعة وسط فلوريدا، عندما وصفت المتحدثة غلوريا كولفيلد صعود الذكاء الاصطناعي بأنه «الثورة الصناعية المقبلة»، فقوبلت عبارتها بصيحات استهجان من الخريجين، قبل أن يصرخ أحد الحاضرين معلنًا رفضه للتقنية.

لم يكن المشهد استطلاعًا علميًا للرأي العام، ولا يمكن التعامل معه بوصفه دليلًا على رفض جيل كامل للذكاء الاصطناعي، لكنه مثّل لحظة كاشفة عن المسافة المتنامية بين الخطاب المتفائل الذي تتبناه المؤسسات والشركات، وبين مخاوف خريجين يدخلون سوقًا مضطربة ويستمعون بصورة شبه يومية إلى توقعات تتحدث عن تقلص وظائف الكتابة والإعلام والتسويق والتصميم والبرمجة وغيرها من المهن المعرفية.

كانت المتحدثة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتدادًا لتحولات تاريخية سابقة، مثل الثورة الصناعية وانتشار شبكة الإنترنت، وهي مقارنة يتبناها كثير من قادة الصناعة الذين يرون أن المخاوف الراهنة ستتراجع عندما تظهر الوظائف الجديدة ويرتفع مستوى الإنتاجية. أما الخريجون، أو قسم منهم على الأقل، فبدوا وكأنهم يستقبلون الرسالة بصورة مختلفة؛ إذ لا يرون في الثورة الموعودة فرصًا مؤكدة بقدر ما يرون احتمال تراجع قيمة المهارات التي أمضوا سنوات في اكتسابها.

وتؤكد مؤشرات أوسع أن حادثة الجامعة لم تكن معزولة عن مزاج اجتماعي متغير؛ فقد أظهر استطلاع لمؤسسة «غالوب» أن نسبة المنتمين إلى الجيل الجديد الذين عبّروا عن شعورهم بالأمل تجاه الذكاء الاصطناعي تراجعت خلال عام واحد بتسع نقاط مئوية إلى 18 في المئة، في حين ارتفعت نسبة من عبّروا عن الغضب إلى 31 في المئة، وظل القلق عند مستوى مرتفع بلغ 42 في المئة.

هذه الأرقام لا تعني أن الشباب توقفوا عن استخدام الأدوات الجديدة، بل تكشف مفارقة أكثر تعقيدًا؛ فالاستخدام قد يتسع في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه الثقة، لأن كثيرًا من الطلاب والعاملين يشعرون بأنهم مضطرون إلى تعلم التقنية حتى عندما يخشون نتائجها، وأن رفض استخدامها قد يضعهم في موقف مهني أضعف أمام من تبناها.

عالم يتحرك بسرعة يصعب فهمها

تكمن إحدى سمات طفرة الذكاء الاصطناعي في أن تطورها لا يصل إلى المجتمع على هيئة مراحل متدرجة تمنحه فرصة للفهم والتكيف، بل على شكل موجات متلاحقة من الإعلانات والمنتجات والتوقعات؛ فما يُقدَّم في أسبوع باعتباره اختراقًا تاريخيًا قد يتراجع بعد مدة قصيرة أمام نموذج أحدث، وما يُسوَّق باعتباره المهارة المستقبلية الأهم قد يُعلن بعد أشهر أن الأدوات الجديدة جعلته أقل أهمية.

وتصف مجلة «ذا أتلانتيك» هذه الحالة بأنها بيئة تقوم على مزيج من المنفعة الحقيقية والتهويل والغرابة، حيث يتغير الخطاب من برامج المحادثة إلى أدوات البرمجة ثم إلى الوكلاء الرقميين القادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بصورة شبه مستقلة. وترى المجلة أن صعوبة فهم ما يحدث ليست مجرد عيب عابر، لأن الإيقاع المتسارع يخدم الجهات المطورة للتقنية؛ فهو يضع المستخدم والشركة والحكومة أمام رسالة دائمة مفادها أن التردد يعني التخلف عن الآخرين. ذا أتلانتيك

ويقدم منشور لحساب «بريدج مايند» على منصة «إكس» مثالًا على هذا التحول، من خلال عرضه قدرة أحد نماذج «كلود» على استخدام الحاسوب وفتح التطبيقات والتنقل في المتصفح وملء الجداول وتنفيذ المهام، وهي قدرات تشير إلى انتقال الذكاء الاصطناعي من تقديم إجابة أو اقتراح إلى القيام بأفعال مباشرة داخل البيئة الرقمية للمستخدم.

ورغم ما يمكن أن توفره هذه الأدوات من وقت وجهد، فإن انتقالها إلى مستوى التنفيذ يوسع دائرة الأسئلة المتعلقة بالخصوصية والأمان والمسؤولية، لأن الخطأ الذي يرتكبه برنامج يكتب مسودة يظل محدودًا نسبيًا، بينما يمكن أن تكون عواقب الخطأ أكبر عندما يمتلك البرنامج قدرة على فتح التطبيقات أو تعديل الملفات أو إرسال المعلومات أو تنفيذ معاملات من دون مراجعة بشرية كافية.

كما يعكس منشور آخر يتحدث عن تقدم تنزيلات «كوديكس» على «كلود كود» طبيعة المنافسة التي تتحول فيها أرقام الاستخدام إلى مادة لإعلان فائز جديد بصورة شبه يومية، إلا أن هذه الادعاءات لا يمكن اعتمادها مقياسًا حاسمًا من دون معرفة الفترة الزمنية والمنصات المشمولة وطريقة احتساب التنزيلات، ولذلك تبقى قيمتها الأساسية في إظهار شدة السباق التجاري وسرعة تبدل اتجاهات الاهتمام. 

وفي السياق نفسه، تنتشر مواد تروّج لمستودعات برمجية ووكلاء يُقال إنهم يحققون أرباحًا من التداول أو ينفذون مشروعات مدرة للدخل بصورة آلية، وهو خطاب يعيد إنتاج وعود «الثراء السريع» في قالب تقني جديد. ولا تشكل هذه المنشورات دليلًا على ربحية حقيقية أو مستدامة، لكنها توضح كيف جرى ربط الذكاء الاصطناعي بوعد اقتصادي يتجاوز زيادة الإنتاجية إلى تحقيق المال أثناء النوم، بما يزيد من ضغط الاندفاع نحو التجربة قبل تقييم المخاطر. منشور عالم الذكاء الاصطناعي

مدير جديد لا يظهر في الهيكل الإداري

إذا كان الخطاب العام عن الذكاء الاصطناعي يدور غالبًا حول الوظائف التي قد تختفي في المستقبل، فإن تأثيرًا أقل ظهورًا يحدث حاليًا داخل المؤسسات، حيث تدخل الأدوات الجديدة تدريجيًا في عمليات المراجعة والتقييم وصنع القرار، حتى عندما لا تكون لها صفة رسمية داخل الهيكل الإداري.

وتعرض مادة نشرتها راشيل كارتن في «لينك إن بايو» شهادات لعاملين في التسويق قالوا إن مديرين باتوا يمررون النصوص والأفكار والحملات عبر أدوات الذكاء الاصطناعي قبل اعتمادها، ويطلبون من الموظفين تشغيل كل مسودة من خلالها، أو يحيلون أسئلة العاملين إلى البرامج بدلًا من تقديم توجيه مهني مباشر. وروى بعض الموظفين أن هذا الأسلوب جعلهم يشعرون بأن الإدارة تثق بالآلة أكثر من ثقتها بخبرتهم، وأن العمل الذي أعدوه بأنفسهم لا يكتسب قيمته إلا بعد أن يعاد إنتاجه أو المصادقة عليه بواسطة نموذج رقمي.

ولا يمكن تعميم هذه الشهادات على جميع المؤسسات، كما أنها تمثل تجارب ذاتية لا دراسة شاملة لسوق العمل، لكنها تكشف مشكلة إدارية لا تتعلق بكفاءة النموذج وحدها، وإنما بطريقة إدخاله إلى المؤسسة. فعندما يستخدم المدير الذكاء الاصطناعي من أجل مراجعة كل فكرة أو اختبار مدى طرافة إعلان أو تقييم أسلوب الكتابة، فإنه لا يوفر الوقت فقط، بل ينقل جزءًا من سلطة الحكم المهني من الإنسان إلى نظام لا يتحمل مسؤولية قراره.

وتزداد المفارقة عندما تُستخدم الأدوات لأتمتة أكثر أجزاء الوظيفة إبداعًا، مثل التفكير والكتابة والعصف الذهني، بينما تبقى الأعمال الروتينية والإدارية على عاتق الموظف؛ إذ تتحول الأتمتة عندها من وسيلة لتحرير الإنسان من العمل المتكرر إلى وسيلة لتقليص الجزء الذي يمنحه الشعور بالاستقلال والإنجاز.

وتدعم بيانات «غالوب» المخاوف المتعلقة بغياب التخطيط، بعدما أظهر استطلاع أن 44 في المئة من الموظفين قالوا إن مؤسساتهم شرعت في دمج الذكاء الاصطناعي، بينما قال 22 في المئة فقط إن مؤسساتهم شرحت خطة أو استراتيجية واضحة لهذا الدمج. كما أفاد 30 في المئة بوجود إرشادات عامة أو سياسات رسمية للاستخدام، بما يعني أن انتشار التقنية سبق في حالات كثيرة وضع القواعد التي يفترض أن تنظمها.

ومن هنا، لا تعود المشكلة محصورة في احتمال فقدان الوظيفة، بل تمتد إلى إعادة تعريف الوظيفة نفسها؛ فقد يبقى الموظف في موقعه، لكنه يصبح مسؤولًا عن تزويد النظام بالمعلومات، ومراجعة مخرجاته، وتصحيح أخطائه، ثم تحمل مسؤولية قرارات لم يصنعها بالكامل.

فجوة بين الخبراء والجمهور

ينظر المدافعون عن الذكاء الاصطناعي إلى الصورة من زاوية مختلفة، فهم يرون أن الأدوات الجديدة لا تلغي الخبرة البشرية بالضرورة، بل تمنح العامل قدرة على إنجاز مهام كانت تتطلب فريقًا كاملًا، وتساعد الشركات الصغيرة على الوصول إلى إمكانات تحليلية وإبداعية كانت حكرًا على المؤسسات الكبرى، وتفتح مجالات مهنية جديدة مرتبطة بتصميم الأنظمة والإشراف عليها والتحقق من مخرجاتها.

ولا يخلو هذا الطرح من أساس واقعي، لأن الذكاء الاصطناعي أظهر قدرة فعلية على تسريع البرمجة وتلخيص الوثائق وتحليل البيانات ودعم البحث وإعداد المسودات، كما أن تاريخ التحولات الصناعية يبين أن التقنية تستطيع إلغاء بعض المهن وخلق مهن أخرى. غير أن الخلاف يدور حول سرعة الانتقال وتوزيع المكاسب، وما إذا كان عدد الوظائف الجديدة وجودتها سيعوضان الوظائف المتراجعة، ومن سيتحمل كلفة المرحلة الفاصلة.

ويكشف تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد فجوة واسعة في توقعات المستقبل؛ إذ توقع 73 في المئة من خبراء الذكاء الاصطناعي الذين شملتهم البيانات أثرًا إيجابيًا على طريقة أداء الناس لوظائفهم، مقابل 23 في المئة فقط من الجمهور الأميركي، كما ظهرت فجوات مشابهة في تقييم أثر التقنية على الاقتصاد والرعاية الصحية.

وقد تعكس هذه الفجوة اختلافًا في مستوى المعرفة التقنية، لكنها قد تعكس كذلك اختلافًا في موقع كل طرف من التحول؛ فالخبير يرى فرص الابتكار والاستثمار والإنتاجية، في حين ينظر الموظف إلى أجره واستقراره المهني وقدرته على المنافسة. ولا يعني تفاؤل الخبراء أنهم يتعمدون تجاهل المخاطر، كما لا يعني قلق الجمهور أنه يرفض التقدم، لكنه يشير إلى أن الطرفين لا يعيشان التجربة الاقتصادية والنفسية نفسها.

من الشركات إلى الأمن القومي

لا يتوقف اتساع نفوذ الذكاء الاصطناعي عند حدود سوق العمل، لأن تطور قدراته في تحليل المعلومات والعمليات السيبرانية والتخطيط يجعل الشركات المطورة له أقرب إلى كيانات استراتيجية تمتلك موارد يمكن أن تؤثر في الأمن القومي، وهو ما يدفع الحكومات إلى التساؤل عن مدى قبول بقاء هذه القوة تحت السيطرة المنفردة لشركات خاصة.

وتناقش «ذا أتلانتيك» مجموعة من السيناريوهات التي يمكن من خلالها للحكومة الأميركية توسيع نفوذها على الصناعة، بدءًا من العقود العسكرية وضوابط تصدير الرقائق والتقنيات المتقدمة، مرورًا باستخدام قوانين الطوارئ والإنتاج الدفاعي، ووصولًا إلى فرض رقابة تشبه الرقابة المفروضة على المرافق العامة أو، في أكثر الاحتمالات تطرفًا، الاستحواذ المباشر على قدرات الشركات.

لكن التأميم الكامل، بمعنى انتقال ملكية الشركات وإدارتها إلى الحكومة، يبقى احتمالًا ضعيفًا في الظروف العادية، بسبب العقبات الدستورية والكلفة المالية الهائلة واحتمال مغادرة الباحثين الأجانب وتراجع الكفاءة التجارية. كما أن تركيز التطوير على الاستخدامات الدفاعية يمكن أن يضعف المنتجات المدنية، ويجعل الحكومة أقل قدرة على الابتكار من الشركات التي تتنافس في سوق مفتوحة.

أما الاحتمال الأكثر واقعية فهو ما يمكن وصفه بـ«التأميم الناعم»، حيث تبقى الملكية خاصة، لكن الدولة تكتسب قدرة متزايدة على توجيه الصناعة من خلال التمويل والعقود والتصنيفات الأمنية والرقابة على الصادرات وتحديد شروط الوصول إلى القدرة الحاسوبية، إضافة إلى التعاون المباشر بين الباحثين والشركات والمؤسسات العسكرية.

وتظهر هنا معضلة يصعب حلها بأداة واحدة؛ فترك تقنية عامة وقوية في أيدي عدد محدود من الشركات يمنح مديرين غير منتخبين سلطة واسعة على مستقبل الاقتصاد والمعلومات والأمن، بينما يمكن أن يؤدي إخضاعها الكامل لحكومة تمتلك أجهزة عسكرية واستخبارية إلى توسيع المراقبة وتقييد الحريات وتحويل الابتكار إلى أداة للسيطرة السياسية.

هل يبدأ المجتمع تمردًا على التقنية؟

لا تكفي صيحات الاستهجان في جامعة أو شهادات موظفين لإعلان بداية تمرد عالمي على الذكاء الاصطناعي، لكنها، إلى جانب استطلاعات الرأي والاعتراضات على مراكز البيانات، تشير إلى تشكل مقاومة متعددة الأسباب لا يمكن اختزالها في الخوف من الجديد.

فهناك من يعترض على فقدان الوظائف، ومن يقلق من استخدام أعماله وبياناته في تدريب الأنظمة، ومن يخشى أن تؤدي الأتمتة إلى إضعاف قيمة الإبداع البشري، في حين تركز مجتمعات أخرى على استهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه، ويطالب باحثون بضمانات تمنع توظيف النماذج في المراقبة والأسلحة والتمييز الآلي.

وفي المقابل، يمكن أن يؤدي الرفض غير المنظم إلى حرمان قطاعات واسعة من أدوات مفيدة، أو إلى إبطاء دول ومؤسسات في سباق دولي لا ينتظر توافقًا عالميًا. ولذلك لا يبدو الاختيار الواقعي قائمًا بين تبني الذكاء الاصطناعي بالكامل أو منعه بالكامل، بل بين أشكال مختلفة لإدارته وتوزيع سلطته.

يتطلب المسار الأقل صدامًا أن تحدد المؤسسات المهام التي يجوز إسنادها إلى الآلة، والقرارات التي يجب أن تبقى خاضعة لمسؤولية بشرية، وكيفية إبلاغ الموظفين باستخدام بياناتهم، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع الخطأ، وما إذا كان العامل يمتلك حق الاعتراض على تقييمه بواسطة نظام آلي. كما يتطلب أن توزع مكاسب الإنتاجية على العاملين والمجتمع، بدلًا من أن تتحول إلى أرباح مركزة مقابل خسائر وظيفية واجتماعية واسعة.

ثورة بلا استفتاء

تكشف المصادر والتجارب المتاحة أن الخلاف حول الذكاء الاصطناعي لم يعد خلافًا تقنيًا على دقة النماذج أو سرعة تنفيذها، بل أصبح نزاعًا على السلطة؛ ففي مكان العمل يقرر المدير متى تُستدعى الآلة للحكم على إنتاج الموظف، وفي السوق تحدد الشركات سرعة التطوير وشروط الوصول إلى الأدوات، وفي نطاق الأمن القومي تحاول الحكومات تحويل القدرة الحاسوبية إلى مورد استراتيجي، بينما يظل الجمهور الطرف الأقل مشاركة في رسم مستقبل ستطال نتائجه عمله وخصوصيته وتعليمه وعلاقته بالدولة.

وقد تنجح الشركات والحكومات في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن الاقتصاد والحياة العامة، لكن نجاح الدمج تقنيًا لا يضمن قبوله اجتماعيًا. فإذا استمر تقديم المستقبل بوصفه أمرًا محسومًا لا يملك الناس سوى التكيف معه، فمن المرجح أن تتسع فجوة الثقة حتى بين من يستخدمون الأدوات يوميًا.

أما إذا انتقل النقاش من سؤال كيفية تسريع الذكاء الاصطناعي إلى سؤال الغاية من تسريعه، ومن يملك قراره، وكيف توزع منافعه ومخاطره، فقد يصبح من الممكن بناء نموذج لا يعامل الإنسان باعتباره عقبة أمام الابتكار، ولا يمنح الشركات أو الحكومات تفويضًا مفتوحًا لتقرير شكل الحياة المقبلة.

لهذا لم تكن صيحات الاستهجان في حفل التخرج مجرد رفض لعبارة متفائلة، بل إنذارًا بأن المجتمع بدأ يطالب بمكان على طاولة القرار. فالذكاء الاصطناعي قد يكون الثورة الصناعية المقبلة فعلًا، غير أن الثورات الصناعية لا تُقاس بقدرة الآلات وحدها، وإنما بما تفعله بالبشر، وبمن يربح منها، وبمن يدفع ثمنها، وبما إذا كانت القوة الجديدة ستخضع للمساءلة أم تتحول من أداة تخدم الإنسان إلى سلطة تعيد تشكيل حياته من دون موافقته.

اضف تعليق