تتجلى الفلسفة الأخلاقية للإسلام في تحريم الابتداء بالقتال وضبط الحروب الدفاعية بالرحمة والفضيلة. يرفض الإسلام النصر بأي ثمن إن خلت الساحة من القيم؛ لتبقى السيرة المعصومية دستوراً إنسانياً فريداً يحمي الكرامة والبيئة والأسرى، ويقدم النبل الأخلاقي على التفوق المادي في تاريخ الصراعات...
(لم يبدأ رسول الله صلى االله عليه وآله الحرب، وهذه ميّزة لا تكاد تجدها في غير الإسلام)
سماحة المرجع الشيرازي
يقوم الدين الإسلامي في جوهره على فلسفة أخلاقية متكاملة تجعل من الفضيلة والرحمة والعدل الركائز الأساسية التي تنبثق منها كافة الأحكام والتشريعات.
فقد جاء الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ليعلن أن غاية الرسالة هي إتمام مكارم الأخلاق، مما يعني أن الأخلاق ليست مجرد نافلة أو خيار جانبي، بل هي المقياس الأول والأخير لكل سلوك ينتهجه المسلم، فردياً كان أم جماعياً، ومن هذا المنطلق الأخلاقي الصلب، ينظر الإسلام إلى السلم بوصفه الأصل والهدف.
بينما تُعد الحرب حالة استثنائية طارئة لا يُلجأ إليها إلا في أضيق الحدود ولضرورات قصوى، مع تجريدها الكامل من أهواء السيطرة والرغبة في التوسع أو سفك الدماء، لذا فإن البدء بالقتال والمبادرة بالعدوان أمر يتنافى تماماً مع مقاصد الفضيلة والقيم الإسلامية، ولهذا يرفض الإسلام بشكل قاطع شن الحروب الهجومية التي تستهدف البغي أو استعراض القوة.
وقد جاء النص القرآني صريحاً في ضبط هذه القاعدة حين أمر بالقتال للرد على المعتدين فقط مع النهي الصريح عن الاعتداء، مذكّراً بأن الله لا يحب المعتدين، فالقتال في المنظور الإسلامي ليس أداة لإكراه الناس على العقيدة، إذ ينص القرآن على أنه لا إكراه في الدين، ولا هو وسيلة لنهب الخيرات أو استعباد الشعوب، بل هو تشريع صيانة ودفاع يُشرع لدرء الظلم وحماية حريات الناس ودفع الأذى عن المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلةً.
وحتى عندما تُفرض الحرب فرضاً كوسيلة أخيرة لاسترداد الحقوق أو دفع العدوان، فإن الإسلام لا يتركها ساحة مفتوحة للانتقام أو العبث، بل يخضعها لمنظومة ضوابط أخلاقية صارمة لم تشهد لها البشرية نظيراً، فالحرب في الإسلام مقيدة بأخلاق السلم ذاتها؛ حيث يحرم حرمة قاطعة استهداف غير المقاتلين من النساء والأطفال والشيوخ، كما يحرم الغدر، والتمثيل بالجثث، وتدمير العمران، وقطع الأشجار، أو إفساد البيئة.
إن هذه القواعد التكليفية تؤكد أن القوة في الإسلام مجرد أداة لخدمة الحق وحماية السلام، وليست غاية بحد ذاتها، وأن الشرف في الخصومة والالتزام بالنبل الأخلاقي يقدمان على أي نصر مادي مجرد من القيم، وأن الفضيلة يجب أن تكون حاضرة في ساحات الوغى.
هذا المفهوم الإسلامي للحرب يبرهن على أن الأخلاق هي الحاكم الأعلى للسياسة والسلاح، وأن البدء بالعدوان يُجرّد صاحبه من الفضيلة ويضعه في خانة المرفوض إنسانياً وشرعياً. فالدين الذي جعل السيرة الحسنة والكلمة الطيبة والرحمة أساساً للعلاقات الإنسانية، لا يمكن أن يقبل بالحروب إلا حين تكون وسيلة أخلاقية لا بديل عنها لردع الظلم وإعادة بناء السلام.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها (فضيلة حربية عظيمة):
(في منطق الحروب بالدنيا، قديماً وحديثاً، نِسَب الانتصار بالنسبة لمن يبدأ بالقتال أكثر، ونِسَب عدم الانتصار بالنسبة لمن يتأخّر في شروع القتال ويكون مدافعاً فقط، أكثر. وهذا الأمر كان يعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه جيّد جدّاً، ولكن لأنّ الإسلام مبني على الأخلاق، أولاً وأخيراً، وأنّ الشروع بالقتال بعيد عن الفضيلة وعن الأخلاق، ولذا دأبت سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما في كل الحروب المفروضة عليهما، أن لا يبدءا بالقتال).
الفلسفة الأخلاقية للوصايا النبوية في الحرب
وبخصوص ما أوصى به الرسول الكريم المسلمين حول الحرب، حيث تتجلى الفلسفة الأخلاقية للإسلام في وصايا الرسول صلى الله عليه وآله، فقد وضع دستوراً إنسانياً فريداً يُخضع الحرب وقواعد القتال للمنظومة الأخلاقية والرحمة، مؤكداً أن القوة وسيلة لدفع الظلم وليست أداة للبطش والعدوان.
وتتلخص هذه الوصايا النبوية الشريفة في حماية دماء غير المقاتلين وحفظ الكرامة الإنسانية وحظر الإفساد في الأرض، والوصايا تتضمن بذلك حظراً قاطعاً لاستهداف النساء والأطفال والشيوخ، وكل من لا يشارك بصورة مباشرة في الأعمال القتالية كالأجراء والمزارعين.
ولم تقتصر هذه الوصايا على الجانب البشري فحسب، بل امتدت لتشمل حماية البيئة والعمران ومنع التخريب العشوائي، إذ نهى صلى الله عليه وآله عن قطع الأشجار المثمرة، أو حرق النخيل، أو هدم البيوت والمحاريب، أو ذبح المواشي والحيوانات إلا لما يُحتاج إليه للأكل.
أما في مجال التعامل مع الأسرى، فقد أرسى الرسول الكريم قواعد غير مسبوقة في تاريخ الصراعات، حيث أوصى بالإحسان إليهم وإطعامهم مما يأكل المسلمون وتجنب تعذيبهم أو إهانتهم. ورغم التأكيد على الجاهزية العسكرية، كان يؤكد دائماً على عدم تمني اللقاء أو السعي خلف الدماء.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(كان أول ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله الجيش الإسلامي بأن لا يبدؤوا هم بالقتال مع أنّ المشركين هم الذين هجموا وبدأوا ونقضوا وجاؤوا من مسافات طويلة. فكما في الأحاديث الشريفة وفي مختلف التواريخ أنّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله كان قد خرج دفاعاً، وكان من حقّه أن يبدأ الحرب، لأنّ المسلمين لم يخرجوا هم لحرب المشركين، وإنّما المشركون هم الذين جاؤوا لحرب المسلمين حرب إبادة كما كانوا يقولون ويتصوّرون).
ومما تم تدوينه في سجلات التاريخ، أن أئمة أهل البيت عليهم السلام ساروا في المنهج نفسه، وجعلوا الملاك في الحرب السلوك الإنساني والرحمة حتى مع الأعداء، والتركيز على الفضائل حتى في ميادين القتال، والتحلي بالأخلاق العالية.
وهناك تركيز على قواعد الفضيلة والرحمة والتعامل الأخلاقي حتى في حالة خرق العدو لهذه القواعد، مع عدم التصرف بأسلوب إنساني مع المسلمين، فالمهم في هذا الجانب هو أن يلتزم المسلمون بما أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي المقدمة من ذلك الرحمة والسلوك الإنساني والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
تعميم النموذج الدفاعي في خوض الحروب
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: (إنّ الملاك عند المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم أجمعين، في كل شيء هي الفضيلة، وهي الأخلاق، وهي الإنسانية، حتى في الحروب التي يدوس فيها البشر على كل القيم، وعلى كل الفضائل، وعلى كل الأخلاق، ويجعلوها تحت أقدامهم، وكل همّهم الانتصار بأي ثمن كان. ولكن ليس هكذا الإسلام، لأنّه دين الإنسانية، ولا يدوس على أيّة فضيلة للانتصار).
حتى الانتصار على العدو يجب أن يكون في إطار الفضيلة والرحمة والأخلاق والتعامل الإنساني، لآن الإسلام لا يريد نصرا بلا فضيلة، ولا يريد تفوقا على العدو بلا رحمة أو بلا أخلاق، فالمهم هو أن يلتزم المقاتلون المسلمون وهم يخضون حربا دفاعية مع العدو، بالوصايا النبوية التي تمنعهم من أية خطوة أو إجراء حربي لا رحمة فيه.
وهذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي في قوله:
(الإسلام لا يريد الانتصار بأي ثمن كان، بل يريد الانتصار بكامل الفضيلة وبكامل الأخلاق وبكامل الإنسانية. ولهذا قال مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه (َأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه) في دفاعه يوم عاشوراء وقبل عاشوراء).
وعندما نتعمق في سيرة الحروب التي خاضها المسلمون في زمن الرسول الأعظم وفي عهد الإمام علي عليه السلام، سوف نجد حضور الفضيلة بقوة في ساحة الحرب، وهذا ما لا نجد له شبيها في تاريخ الحروب عبر تاريخ البشرية.
إذن هي ميزة عظيمة تميز بها المسلمون في حروبهم الدفاعية في حكومتيّ الرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي عليه السلام، والحقيقة يجب التركيز على هذه الميزة العظيمة ونقلها لجميع الأمم لكي يستفيدوا منها في الحروب التي تدور رحاها على الأرض منذ نشوء البشرية وحتى يومنا هذا، فالبشر يريد أن يحقق النصر على عود بأي ثمن كان، يريد الإسلام النصر بالاعتماد على الفضيلة والأخلاق والرحمة والتعامل الإنساني حتى مع العدو.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إنّ ترك الابتداء بالقتال، سيرة دائمة ومتواصلة في كل المواجهات، من المعصومين صلوات الله عليهم. وهذه الفضيلة في ساحة الحرب، لا يجد التاريخ لها نظيراً. ولذا علينا أن ندعوا العالم إلى هذه الفضيلة الفريدة التي هي غير مقبولة من الناحية العسكرية، لأنّ البشر يريد الانتصار في الحروب دائماً بأي ثمن، وهذا ما لا يريده الله تعالى، ولا يريده الإسلام، ولا يريده رسول الله، ولا يريده أمير المؤمنين، ولا يريده الإمام الحسين صلوات الله عليهم).
لذا فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، تمتلئ بالأمثلة التي تؤكد على حضور التعامل الإنساني بقوة مع الأعداء، حتى لو انتهجوا أساليب حربية لا إنسانية، فالنموذج الذي قدمه المسلمون في الحروب الدفاعية التي خاضها الرسول صلى الله عليه وآله، يؤكد أن الأخلاق والرحمة والفضيلة هي أركان التعامل الإنساني مع العدو، وهذه ظاهرة فريدة من نوعها من الأفضل أن يتم تعميمها على البشرية كلها، لكي تكون جميع الحروب (التي لا مفر منها) ذات طابع إنساني وأخلاقي قبل كل شيء.



اضف تعليق