من عَذَرَ ظالماً بظلمه، سلط الله عليه من يظلمه، فان دعا لم يستجب له، ولم يأجره الله على ظلامته"، فالمظلوم لا تفيده ظلامته اذا برّر للظالم ظلمه في كلمة او موقف، ومن ثم فإن الظلم والجور يكون حالة طبيعية في المجتمع كما نعيشه اليوم في عموم البلدان الإسلامية...

من هو في حالة ضعف من حيث العدّة والعدد أمام عدو غاشم همّه إلحاق الأذى به وتصفيته، يستبد به التفكير بالرد العنيف لاستعجال النتيجة والتشفّي به.

إنها حالة نفسية، و رد فعل طبيعي لا يُلام عليه صاحبه في كل الأحوال، وهذا كان حال شيعة أهل البيت، عليهم السلام، في عهد الإمام الصادق، عليه السلام، فقد كان الغضب يتجدد يوماً بعد آخر منذ واقعة عاشوراء سنة 61للهجرة على يد الحكم الأموي، ثم جاء الحكم العباسي ليشعل نار الغضب أكثر بممارساتهم القمعية والدموية منذ أيامهم الأولى، حالات الغضب كانت تتجلّى احياناً بالسيف، واحياناً أخرى بكلمات الشعر الحماسي، وفي أضعف الإيمان كان بالاعتراض قلباً ولساناً. 

وفي عهد الإمام الصادق، عليه السلام، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى مولده السعيد، كان الشيعة يستبشرون به خيراً لاستثمار فرصة الفترة الانتقالية من الحكم الأموي الى الحكم الجديد والسيطرة على مقاليد الحكم تحت المسوّغ الشرعي بأن الحكم والخلافة من حق الامام الصادق، عليه السلام، دون غيره مستندين الى وافر الاحاديث والروايات عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، المؤكدة هذا الحق. 

بيد ان الامام الصادق كان يتطلع الى أفق أبعد من هذا بكثير لالتزامه بخطّين متوازيين؛ الاحتفاظ بالمنهج الثابت لأهل بيت رسول الله، و مراقبة الوضع القائم اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ايضاً، وعدم استخدام الامام الصادق للسلاح والعنف لتحقيق الأهداف الرسالية كان ناشئاً من هذا المسار المميز دون سائر من تصدوا للظلم والطغيان والانحراف الأموي والعباسي

الإمام الصادق يحارب بصمت قاتل

في مقالات سابقة عن سيرة حياة الامام الصادق، عليه السلام، أشرنا الى الحقائق التاريخية التالية: في وقت كان العباسيون يفكرون ببناء القصور، كان الامام الصادق يفكر ببناء الجامعات والمدارس العلمية، وفي الوقت الذي كان أولئك يفكرون بالتسلّط على رقاب الناس، كان، عليه السلام، يتطلع الى بناء الانسان والمجتمع والأمة، ثقافياً وفكرياً وعقدياً، أما ملف الظلم والانحراف فهو مفتوحٌ منذ أول ساعة لرحيل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، عندما تعامل معه أمير المؤمنين بحكمة عالية، وتدبير فائق، حقق فيه أكثر من هدف استراتيجي؛ الحفاظ على كيان الدين والأمة من التصدّع في حال نشوب حرب أهلية، والحفاظ على دماء المسلمين، وايضاً؛ ديمومة الرسالة السماوية الى اليوم، والى يوم القيامة، طبعاً؛ هذا لم يتم بالراحة والانبساط، وإنما بأن يكون "في العين قذى والحلق شجى"، و ربما كانت عند الإمام الصادق أشد من مسك الجمر باليد في عهده.

من هنا كان إحجام الامام الصادق عن قيادة الثورة المسلحة ضد الأمويين رغم هشاشة وضعهم السياسي في أيامهم الأخيرة، فقد كان صمته، عليه السلام، على مسار الاحداث والتطورات المتسارعة مثار استغراب الشيعة بشكل عام، وأهل بيته، من أبناء الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، بل وحتى من قبل العباسيين انفسهم ممن كانوا يخططون للاستيلاء على الحكم بقوة السيف، فهؤلاء كانوا يتّسمون بالانتهازية والنفاق وكل ما يرتبط بالحالة التكتيكية في ساحة المواجهة، بينما الامام الصادق في الجانب الآخر البعيد كل البعد عن ذلك، كان يفكر استراتيجياً رغم معرفته بأنه لن يحصل على المكاسب السياسية. 

إن المنهج العباسي قائمٌ على السيف والدم بكل اختصار، بينما منهج الإمام الصادق قائمٌ على الأخلاق والفضيلة والاحتكام الى شريعة السماء، ولذا جاءت نصيحته لأبناء عمومته من أبناء الامام الحسن المجتبى، وتحديداً لعبد الله بن الحسن المثنى، و لولديه؛ إبراهيم ومحمد ذي النفس الزكية في تفاصيل ذكرناها في مقال سابق، بعدم الانسياق وراء عهود و وعود العباسيين بالتحرك المشترك ضد الأمويين ثم تقاسم السلطة، مؤكداً لهم أن هؤلاء القوم ليسوا كما يعتقدون، ثم حصل ما حصل من فتك مريع بالعلويين واستشهاد ولدي عبد الله وهزيمة حراكهم العكسي ضد العباسيين. 

بمعنى؛ أن السيف لا يعصم صاحبه بالمرة وإن كان صاحب الحق، إنما هو من يجب توفير العصمة والحكمة والاتزان لهذا السيف والسلاح بأن يكون في الطريق الصحيح، وأن لا يُخطئ مقدار شعرة، وإلا تسيل الدماء وتنتهك الحرمات على حين غفلة، كما حصل مع ثورة زيد بن الامام زين العابدين، عليهما السلام، عندما قام بالسيف نصرة لأهل بيت رسول الله صدقاً وحقّاً، ولكن العدد الغفير لأنصاره البالغ خمسة وعشرين الفاً من الكوفة والبصرة والمدائن كان يفترض ان يطبقوا على الشام ويقضوا على الدولة الأموية، كان عبارة عن مائتي مقاتل فقط مع زيد في المعركة الفاصلة حسب المصادر التاريخية، وكانوا من أهل الكوفة المفترض ان يكون عدد أنصاره فيها أربعة آلاف، وكان الموقف المحرج بالنسبة لزيد حتى هتف: "أين الناس"؟! 

لقد ارتكب الكوفيون خطأ مريعاً في توقيت الانطلاق خارج التوقيت المقرر لهم من قبل قائدهم زيد ليكون الخروج من المناطق الثلاث بشكل موحد، وليرتكبوا خطأ جسيماً وفادحاً مرة أخرى بعد واقعة الطف، ويتعرض قائد الثورة؛ زيد بن علي لسهم مسموم كانت روحه فيه، بينما السيف الذي كان بيد الامام الحسين، عليه السلام، لم يُخطئ ابداً في توقيت المعركة ظهراً أمام الملأ العام، وفي طريقة بدء القتال من جانب العدو وليس من جانبه لتثبيت وصمة العدوانية والبغي عليهم، الى جانب مشهد الحجج البالغة الملقاة على جيش ابن سعد قُبيل المعركة، علماً أن الإمام الصادق، عليه السلام، رثى عمّه زيد، وبكى عليه بكاءً مراً، وقال: "إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، عند اللّه أحتسب عمي إنّه كان نعم العم. إنّ عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى واللّه عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول اللّه وعلي والحسين صلوات اللّه عليهم". 

ثقافة المعارضة

إن عدم حمل الامام الصادق السيف والسلاح شيء، وامتلاكه شيء آخر، وفي اعتقادي فان الأئمة الاطهار لم يتخلوا عن السيف لحظة واحدة، مع الفارق في كيفية الاستخدام والظروف الموضوعية المحيطة به، فالامام الصادق كان يحثّ المؤمنين في المرحلة الاولى على معارضة الظلم ومواجهة الانحراف في المجتمع والدولة، وإن تهيأت لهم الفرص والامكانات حملوا السلاح ضد السلطة الظالمة، ولم يرد في سيرته المباركة، أنه، عليه السلام، اتخذ موقفاً سلبياً إزاء أي حراكٍ مسلح في أي منطقة من البلاد الاسلامية ضد الطغاة والظلمة، لا هو، ولا أي من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وجاء في كتاب "ذلكم الإمام الصادق"، المجلد الاول لمؤلفه آية الله السيد هادي المدرسي أن "من دأبه الاهتمام بعوائل الشهداء والمسجونين ظلماً، ومن كان منهم يتعرض لمضايقة السلطات، ومعلوم ما لهذا الدور من أثر كبير في مساندة الثوار ودعمهم، وإعطاء الشرعية لهم بشكل غير مباشر".

السلطة العباسية كانت غير شرعية في نظر الامام الصادق، عليه السلام، ومن أجل نشر ثقافة المعارضة كان لابد من تأسيس القاعدة الفكرية لصناعة القناعة بأن السلطة الحاكمة على باطل، وفي المصدر المشار اليه آنفاً، روايات عديدة عنه، عليه السلام، حول هوية الظالم وكيف يكون؟ ثم التحذير من مغبة الركون الى الظالم تحت أيّ عذر كان، ومما روي عنه: "العامل بالظلم والمُعين له، والراضي به شركاء ثلاثتهم". وفي حديث له، عليه السلام، ذو دلالة عميقة يفيد واقعنا اليوم: "من عَذَرَ ظالماً بظلمه، سلط الله عليه من يظلمه، فان دعا لم يستجب له، ولم يأجره الله على ظلامته"، فالمظلوم لا تفيده ظلامته اذا برّر للظالم ظلمه في كلمة او موقف، ومن ثم فإن الظلم والجور يكون حالة طبيعية في المجتمع كما نعيشه اليوم في عموم البلدان الإسلامية.

ليس هذا وحسب؛ بل كان يحذر من عواقب ركون العلماء والفقهاء والشريحة المثقفة الى الحاكم الظالم، يقول، عليه السلام: "اذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا الى السلاطين فاتهموهم"، وكان ينهى الناس عن التقرّب الى الظالمين بالعمل معهم او قضاء حاجة لديهم مهما كانت الضرورة رغم معرفة الامام بحاجات الناس اليومية والضرورية، بيد أن هذه الثقافة المعارضة تمثل حرباً صامتة من جماهير الأمة للحاكم الظالم وانتزاع الشرعية الدينية والجماهيرية منه، ولا أقرب مثالاً من مركز تسوّق ضخم يفتتحه مستثمر في منطقة سكنية ثم يجد عزوف الناس عنه وإحجامهم عن الدخول فيه، هل يستمر في عمله؟!

وبهذه الطريقة تكون المعارضة الجماهيرية واعية، ويكون التغيير واعٍ، ثم يكون البديل عن وعي ايضاً، ولا يكون ثمة مجالاً للخديعة والتضليل ما أمكن، وهذا طموح أئمة أهل البيت، عليهم السلام، ورسالتهم في حياة الأمة.

اضف تعليق