تكشف تجربة الاحتجاجات الكينية أن غياب القائد العلني لا يعني غياب القيادة، فقد أتاح التنظيم اللامركزي تنسيق التعبئة ومقاومة الاحتواء السياسي، لكنه واجه صعوبات في اتخاذ القرار والمساءلة وبناء مؤسسات دائمة. وبعد سحب مشروع قانون المالية، استمر القمع وتراجعت قدرة الحركة على الحفاظ على زخمها، ما أبرز الحاجة...
بقلم: كينوثيا ندونغو و وانجيرا وانجيرو
أظهرت احتجاجات كينيا أن الحركة التي لا تمتلك قائدًا علنيًا واحدًا يمكن أن تكون منظمة ومنسقة، وأن تحقق مطالب مباشرة، لكنها قد تواجه صعوبات في الحفاظ على مكاسبها وبناء مؤسسات تدوم بعد انحسار الاحتجاجات. ويستعرض كينوثيا ندونغو ووانجيرا وانجيرو، في مقال نشرته مجلة «جورنال أوف ديموكراسي» (Journal of Democracy)، تجربتهما بوصفهما من منظمي الانتفاضة الكينية، موضحين كيف ساعد توزيع القيادة على مواجهة محاولات الاحتواء والقمع، وما كشفته التجربة من تحديات تتعلق باتخاذ القرار والمساءلة وتحويل التعبئة الرقمية إلى تنظيم مستمر.
عندما أجبرت انتفاضة الجيل «زد» في كينيا الرئيس ويليام روتو على سحب مشروع قانون المالية المثير للجدل لعام 2024، انتبه العالم إلى ما حدث. وفي غضون أسابيع، أصبحت القصة في كل مكان: حركة أفقية، بلا قائد ظاهر، ويبدو أن الشباب يقودونها، حققت ما عجز قادة المعارضة التقليديون عن تحقيقه. ورأى معلقون أن هذا دليل على أن التنظيم المتجذر في وسائل التواصل الاجتماعي يمكنه أن يضاهي قوة الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني المنظم رسميًا، بل ربما يتجاوزها.
لكن وصف الحركة بأنها «بلا قائد» أصبح إطارًا يحجب أكثر مما يكشف. فالانتفاضة لم تكن من دون قيادة؛ بل نُظمت عمدًا من دون قائد علني واحد يمكن نسبتها إليه. وهذا التمييز مهم، ونريد توضيحه صراحة منذ البداية: يمكن للحركة أن تكون لامركزية بحق ومنسقة بحق في الوقت نفسه. أما السؤال الأصعب، الذي نتناوله هنا بوصفنا منظمَين شاركنا في الانتفاضة من داخلها، فهو ما إذا كان هذا الجمع كافيًا ليس فقط لانتزاع تنازلات من الحكومة، بل أيضًا للحفاظ على ما تحقق، وبناء القدرة على خوض المعركة التالية من موقع أقوى.
وهذه ليست مسألة كينية حصريًا. فقد أجبرت حركات يقودها الشباب حكومات على تقديم تنازلات في بنغلاديش، وتحدت سلطة الدولة في إندونيسيا، وبدأت تتشكل في الهند. وقد انتظمت هذه الحركات جميعًا عبر الشبكات الرقمية، وتواجه جميعًا المشكلة نفسها التي تظهر في صباح اليوم التالي للاحتجاج: كيف تتحول طاقة الاحتجاج إلى قوة سياسية مستدامة؟ ونحن نكتب هذا السرد بوصفنا ممارسَين، لا منظّرَين؛ فما يأتي هو نظرة واضحة إلى ما حققه نموذج غياب القائد الواحد على مدى ثلاث سنوات، والثمن الذي ترتب عليه، وما كنا سنفعله بصورة مختلفة.
حرمان الدولة من أدواتها
شكّل يونيو/حزيران 2024 نقطة تحول في تاريخ كينيا بعد الاستقلال. وعلى الرغم من أن الانتفاضة أصبحت تُعرف باسم «احتجاجات الجيل زد» ــ وهو وصف لا نستخدمه هنا إلا للاختصار، لأن الانتفاضة لم تكن يومًا مجرد قصة جيل واحد ــ فإن هذه التسمية تقدم صورة غير دقيقة عما جرى. فهي تختزل صراعًا ضد الديون والفساد والإمبريالية وعنف الدولة في قصة جيل واحد، وتحجب القضية الأعمق: الأسس الاستعمارية للاقتصاد السياسي في كينيا، ومشروع التحرر الوطني الذي لم يكتمل بعد. وقد اقترح مشروع قانون المالية لعام 2024 ضرائب جديدة مرتفعة لمساعدة الحكومة على إدارة دينها العام المتزايد. وأجبرت الاحتجاجات الحكومة على سحبه، لكن الضغط المالي الكامن وراءه لم يختفِ؛ فقد أُقر مشروع قانون مالية جديد في عام 2025. ولم يتسبب مشروع القانون في أزمة ديون كينيا أو في انعدام المساواة الذي يقف خلفها، بل دفع الأمرين إلى الظهور أمام الرأي العام، وأشعل مواجهة مع النظام السياسي والاقتصادي نفسه الذي سبق أن خذل ملايين الكينيين.
دخل كلانا الاحتجاجات بوصفنا منظمَين مجتمعيَّين ضمن حركة العدالة الاجتماعية في كينيا، وهي شبكة تنظيم قاعدي كنا جزءًا منها منذ سنوات. واعتدنا أن توصمنا الدعاية الحكومية وأجزاء من وسائل الإعلام بأننا «ناشطون تجاريون»، مع اتهامنا بالتظاهر من أجل المال. لكن الحقيقة هي أن الغالبية العظمى من المنظمين المجتمعيين يعيشون يومًا بيوم، ويعملون بدافع القناعة الأخلاقية والسياسية، لا مقابل أجر.
سبق أن شاركنا في مظاهرات، لكننا لم نشهد قط انتشار الوعي السياسي بهذه السرعة. ففي غضون أيام، تطور شعار «ارفضوا مشروع قانون المالية» إلى «يجب أن يرحل روتو» و«ارفضوا صندوق النقد الدولي». كانت تلك السرعة حقيقية، لكنها لم تكن عفوية. فما بدا انتفاضة اندلعت بين ليلة وضحاها كان ثمرة سنوات من التنظيم القاعدي والتثقيف السياسي، لم تتجمع من قبل على هذا النطاق الوطني.
وكانت عقود من التكيف الهيكلي والخصخصة المدفوعين بسياسات صندوق النقد الدولي قد أضعفت النقابات العمالية والتعاونيات والمؤسسات المدنية التي نظمت النضال الشعبي في كينيا سابقًا، أو جرّدتها من طابعها السياسي، أو أدت إلى حلها. ولذلك واجه جيلنا مهمة مزدوجة: مقاومة الدولة، وبناء مساحات جديدة يمكن أن يحدث فيها التنظيم السياسي، وكان كثير من تلك المساحات رقميًا.
ركز جانب كبير من التعليقات الدولية على الغياب الظاهر للقادة. لكن القيادة، في الواقع، كانت موزعة عمدًا. واستخدمنا التنظيم الأفقي لتجاوز التسلسلات الهرمية السياسية في كينيا، التي تقودها النخب. ومن خلال تقديم الحركة بوصفها حركة بلا قائد، وبلا انتماء قبلي، وبلا حزب، حرمنا الدولة من أدواتها المعتادة: الاستيعاب والاحتواء، والتعبئة العرقية، والصفقات التي تُعقد خلف الأبواب المغلقة مع حفنة من القادة.
وجرى التنسيق عبر منصات رقمية مترابطة. فقد استضافت المساحات الصوتية على منصة «إكس» النقاشات الاستراتيجية والتنسيق الآني، وتولت مجموعات واتساب وتلغرام إدارة الجوانب اللوجستية للاحتجاجات ومسارات التنقل مع تحرك الشرطة، بينما حوّل صناع المحتوى على تيك توك وإنستغرام السياسات المالية المعقدة إلى شروح بلغة بسيطة يستطيع الملايين فهمها. وأصبحت المنصات التي كانت تُستخدم سابقًا لتداول الصور الساخرة والحديث عن الرياضة بنيةً تحتية للتثقيف السياسي والعمل المنسق.
ولم يُموَّل أي من ذلك بأموال المنظمات غير الحكومية. فقد موّله الكينيون العاديون مباشرةً، من خلال حسابات إم-بيسا (M-Pesa)، وهو نظام الأموال عبر الهاتف المحمول في كينيا، يديرها منظمون موثوقون. وغطت هذه الأموال فواتير المستشفيات والكفالات ودعم الأسر المفجوعة، مع تقديم حساب علني عن كل شلن أُنفق. كما قدم أطباء وممرضون ومحامون متطوعون الرعاية الطبية الطارئة والدفاع القانوني مجانًا.
ومع إغراق الدولة المنصات نفسها بالمعلومات المضللة والمسارات الاحتجاجية المزيفة، واختطاف منظمين بارزين، أصبحنا نعتمد على منظمين اكتسبوا مصداقيتهم على مدى سنوات، لا على من يمتلك العدد الأكبر من المتابعين. وعندما كانت الشرطة تغلق طريقًا، كان المحتجون يغيرون مسارهم خلال دقائق، مسترشدين بنصائح الشبكات الموثوقة. وعندما كان أحد المنظمين يُعتقل أو يختفي، كان آخر يتقدم ليتولى دوره.
لكن تلك القدرة على الصمود جاءت بثمن فادح. فقد سجلت الهيئة الكينية للرقابة على الشرطة 62 وفاة مرتبطة باحتجاجات عام 2024. ووثقت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان 60 وفاة و601 إصابة خلال شهر واحد. وسجل فرع منظمة العفو الدولية في كينيا 83 حالة اختطاف وأكثر من ألفَي اعتقال تعسفي. وبعد مرور ما يقرب من عامين، لم تصل إلى قاعة المحكمة سوى ثلاث قضايا من قضايا القتل خارج نطاق القضاء تلك.
ولم يتوقف العنف مع سحب مشروع القانون؛ فقد شهدت الذكرى السنوية في عام 2025 سقوط 27 قتيلًا إضافيًا، وأسفرت احتجاجات «سابا سابا» في يوليو/تموز 2025، التي تحيي ذكرى مظاهرات كينيا المؤيدة للديمقراطية في عام 1990، عن 38 وفاة أخرى. وعُثر لاحقًا على ثماني عشرة جثة انتُشلت من مكب نفايات في إحدى مستوطنات نيروبي. ولم تُربط هذه الجثث رسميًا بالاحتجاجات قط، لكن السكان اعتبروها على نطاق واسع دليلًا إضافيًا على عنف الدولة. وبحلول الذكرى الثانية في يونيو/حزيران 2026، لم يكن القمع قد خفّ؛ فقد واجهت الشرطة أمهات القتلى اللواتي كن يضعن الزهور خارج البرلمان بالحواجز والقوة. كما اختطف عناصر خارجون عن القانون من مديرية التحقيقات الجنائية أحد أكثر منظمي الاحتجاجات شهرة، واحتجزوه خمسة أيام قبل الإفراج عنه بعدما هدد زملاؤه المنظمون بالعودة إلى الشوارع.
وقلبت حركتنا أيضًا افتراضات راسخة منذ زمن طويل بشأن القيادة. فتاريخ كينيا السياسي مليء بصفقات النخب التي أُبرمت من وراء ظهور الحركات الشعبية؛ منها حكومة الائتلاف التي تشكلت عام 2008 بعد أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات، و«المصافحة» التي جرت عام 2018 بين زعيمين متنافسين. وقد تركت تلك الصفقات المطالب الأساسية بتحقيق العدالة من دون حل. وكنا نخشى أن يعيد التاريخ نفسه: أن يمتص السياسيون طاقة الانتفاضة أو يستولوا عليها، وأن يقايضوا الغضب الشعبي بمناصب حكومية، تاركين المظالم الحقيقية من دون معالجة.
وثبتت، في تجربتنا، وجاهة ذلك الخوف، وتعرضت الحركة لاختبارين. جاء الأول عندما توصل زعيم المعارضة رايلا أودينغا إلى تفاهم خاص مع روتو، انتهى بانضمام شخصيات من المعارضة إلى الحكومة. ورفضنا الصفقة رفضًا قاطعًا، وأصبح الحفاظ على الاستقلال السياسي أحد أهم مبادئنا الجماعية. أما الاختبار الثاني فجاء عندما أعلن أحد أفراد حركتنا، وهو منظم شاب يتمتع بمكانة حقيقية داخلها، اصطفافه علنًا مع أودينغا وحكومة روتو، فسحبت الحركة ثقتها منه ببساطة. وفقد منصته خلال ليلة واحدة تقريبًا، بينما تولى آخرون مسؤولياته. وكان الدرس أن الشرعية كانت ملكًا للجماعة، لا لأي فرد، وأن الحركة لم تكن مضطرة إلى الانهيار لمجرد استيعاب شخصية شديدة الظهور.
حدود نموذج «غياب القائد»
لكن للتنظيم الأفقي حدودًا حقيقية أيضًا. فبعد الحدث التاريخي المتمثل في احتلال البرلمان يوم 25 يونيو/حزيران 2024، انتقل التحدي من حشد الناس في الشوارع إلى بناء شيء مستدام، من دون إعادة إنتاج التسلسل الهرمي الذي رفضناه. فالهياكل نفسها التي منحتنا القدرة على الصمود في وجه القمع جعلت من الصعب حل الخلافات الاستراتيجية، أو مساءلة أي شخص، أو تأمين التمويل، أو بناء مؤسسات تستطيع الاستمرار بعد رحيل أي منظم بمفرده.
وكانت محاولتنا الأولى لحل هذه المشكلة هي اللجنة الوطنية التنسيقية للمجالس الشعبية (NCCPA)، وهي ائتلاف من المنظمات القاعدية والأحزاب السياسية والمنظمين، تشكّل لنقل دروس الانتفاضة إلى المرحلة التالية. وانطلقت حجته التأسيسية من أن استقلال كينيا لم يُنهِ السيطرة الاقتصادية الأجنبية فعليًا؛ بل سلّم الإدارة اليومية للدولة إلى نخبة محلية تخدم رأس المال العالمي. ونجحنا لفترة وجيزة في تنسيق تعبئة وطنية أخرى، لكن التجربة تصدعت تحت وطأة احتكاكات أيديولوجية عميقة، إذ جمعت اللجنة خليطًا متقلبًا من الليبراليين والفوضويين والماركسيين، فضلًا عن خصومات شخصية تاريخية. ودفع ذلك كثيرين إلى التصرف بسوء نية، عبر رفضهم النشط للتعريف بالمجالس أو بنائها داخل مجتمعاتهم المحلية. وزادت الانتهازية من استغلال هذا الضعف البنيوي، إذ تنازع ممثلون رئيسيون على الموارد المالية الشحيحة التي جُمعت للمجالس المحلية، بينما انضم عدد قليل من الأعضاء البارزين إلى معسكرات سياسيين تقليديين رجعيين. وكان الدرس قاسيًا: ثبت أن الاتفاق على ما نعارضه أسهل بكثير من الاتفاق على ما نبنيه معًا.
ولم ينتج عما تلا ذلك تنظيم واحد يخلف الحركة، بل تجارب متوازية عدة، راهنت كل منها على بنية مختلفة. فقد شرع المجلس الشعبي الوطني، عقب فعاليات إحياء ذكرى الاحتجاجات عام 2025، في بناء مجالس للسلطة الشعبية انطلاقًا من القواعد. وجمع عددًا من المنظمين القاعديين، لكننا تحركنا بسرعة مفرطة من دون ترسيخه في نقاشات القواعد الشعبية، فتوقف بعد مؤتمر واحد. أما تحالف اليسار الكيني، الذي يجمع منظمات مناهضة للرأسمالية وأخرى اشتراكية ديمقراطية، فما يزال يحاول بناء قدرة سياسية مستدامة متجذرة في صفوف العمال والعاطلين عن العمل. ويقدم التحالف الاشتراكي الأفريقي الشامل، الذي تأسس قبل عام 2024 بسنوات، درسًا تحذيريًا خاصًا به: كيف تنقلب السياسة الثورية على نفسها من الداخل عندما لا تظل متجذرة باستمرار في النضال اليومي.
وانضممنا أيضًا إلى حملة «نيكو كادي» (Niko Kadi)، وهي حركة جماهيرية لتسجيل الناخبين يقودها الشباب، بهدف تحويل الوعي الذي أوجدته هذه الانتفاضة إلى كتلة تصويت شبابية منظمة قبل عام 2027، وممارسة أبسط سلطة دستورية متاحة، وهي انتخاب قادة يحترمون حقوق الإنسان وسيادة القانون. فقد قُتل كثير من الشباب الكينيين أو اختُطفوا أو اعتُقلوا لمطالبتهم بذلك تحديدًا؛ ونحن بحاجة إلى قادة لا نضطر إلى الموت كي يسمعوا أصواتنا. وقد سجلت «نيكو كادي» بالفعل أكثر من مليوني ناخب جديد.
وترك غياب أي قائد واحد ظاهر فراغًا في السياسة الوطنية، بدأت شخصيات فردية الآن تملؤه. وأصبح عضو مجلس الشيوخ عن نيروبي إدوين سيفونا، الأمين العام المُقال لـالحركة الديمقراطية البرتقالية (ODM)، مصدر أمل. فقد عارض بشدة اصطفاف حزبه مع إدارة الرئيس ويليام روتو وإطار الحكومة «واسعة القاعدة». وبينما تبنت القيادة المركزية للحركة الديمقراطية البرتقالية الائتلاف، وقف سيفونا إلى جانب المحتجين بدل الانضمام إلى التفاهم الذي توصل إليه رايلا أودينغا مع روتو، وكان ينتقد الحكومة باستمرار بسبب حالات الاختطاف المرتبطة باحتجاجات الجيل «زد» والإفراط في فرض الضرائب على المواطنين. وقد انضم كثير من الشباب إلى «ليندا مواناينتشي» وتجمعاته الحاشدة في أنحاء البلاد.
ماذا تعلمنا كينيا؟
الحركة التي ملأت الشوارع في عام 2024 لم تعد موجودة اليوم بالشكل نفسه. فقد خمد نشاط كثير من مجموعات واتساب وتلغرام. وانسحب بعض المنظمين بعدما أنهكهم العمل ماليًا وعاطفيًا ونفسيًا. لكن البنية التحتية الرقمية لم تختفِ. فما زلنا نستخدم المساحات الصوتية على «إكس» وتيك توك للتنظيم والنقاش، وعاد معظم المنظمين إلى العمل القاعدي، مع الاستعداد للدورة الانتخابية المقبلة؛ بعضهم بوصفه مرشحًا، وآخرون بوصفهم ناخبين.
كانت انتفاضة كينيا حالة واحدة من أزمة أوسع بكثير في أنحاء الجنوب العالمي: الديون، والتقشف، وتقلص الحيز الديمقراطي، والحكومات التي تواجه المقاومة بالقوة، بينما يواصل المقرضون الدوليون وصف إصلاحات السوق نفسها.
وتختبر تجربة كينيا ادعاءات محددة بشأن ما يستطيع التنظيم الموزع فعله وما لا يستطيع فعله، والإجابة مهمة لكل حركة تواجه الآن المشكلة نفسها التي تظهر في صباح اليوم التالي للاحتجاج. لقد فعل النموذج بالضبط ما صُمم لفعله: حرم الدولة من أدواتها المعتادة للاحتواء، ومنع السياسيين المعارضين من امتصاص طاقة الانتفاضة، وأثبت بصورة ملموسة كيف يبدو الأمر عندما تكون الشرعية ملكًا للجماعة بدلًا من الفرد.
لكن التصدع نفسه الذي أدى إلى تفكك اللجنة الوطنية التنسيقية للمجالس الشعبية يمثل حدًا يتكرر عبر تاريخ الحركات في كل مكان: الاتفاق على ما ينبغي معارضته أسهل بكثير من الاتفاق على الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه المستقبل، وكيفية تحقيقه. وتواجه الانتفاضة التي قادها الطلاب في بنغلاديش، وأطاحت بحكومة في عام 2024، السؤال نفسه الآن، لكن في مرحلة أكثر تقدمًا. أما الحركات في إندونيسيا والهند، التي ما تزال في مراحل أبكر من مساراتها، فلديها تجربة كينيا الممتدة ثلاث سنوات لتتعلم منها قبل بلوغ تلك المرحلة.
وما تضيفه كينيا إلى هذه الصورة هو الثمن المحدد الذي يُدفع مقابل البقاء في حالة من ضعف التنظيم مع استمرار القمع. فعندما تؤدي 127 وفاة إلى غياب شبه كامل للمساءلة، وعندما يختفي المنظمون لأيام في كل مرة، تتوقف المسألة التنظيمية عن كونها مسألة مجردة. وتاريخيًا، فإن الحركات التي حلت هذه المشكلة، مثل الجبهة الديمقراطية المتحدة المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أو الشبكات الإقليمية الاتحادية السرية لحركة التضامن في بولندا، لم تفعل ذلك من خلال تسلسل هرمي صارم، بل من خلال هياكل اتحادية: مجالس شعبية وهيئات محلية توزع السلطة من دون تبديدها. وتمثل تجاربنا الكينية، المتمثلة في المجلس الشعبي الوطني، وتحالف اليسار الكيني، و«نيكو كادي»، رهانات مختلفة على الشكل الذي ينبغي أن تتخذه تلك البنية. ولم تنجح أي منها نجاحًا كاملًا. لكن استمرار المنظمين في خوض هذه التجارب، بعد عامين من خلو الشوارع، هو بحد ذاته شكل من أشكال القدرة على الصمود.
لقد علمتنا ثلاث سنوات من ممارسة نموذج «غياب القائد» قوته وحدوده. ولو أعدنا التجربة، لبنينا في وقت أبكر آليات لاتخاذ القرار الجماعي والمساءلة، وعززنا الصلة بين التعبئة الرقمية وبنية قاعدية دائمة، ووضعنا أنظمة رعاية فعلية للمنظمين الذين يواجهون القمع والصدمات النفسية.
تغيرت الحركة، لكن الأسئلة التي دفعت الناس إلى الشوارع لم تختفِ؛ فما يزال الغضب من الديون والفساد وانعدام المساواة وعنف الدولة قائمًا. ونحمل معنا ذكرى الذين قُتلوا وعُذبوا واختُطفوا، والذين لم يعودوا قادرين ببساطة على مواصلة الطريق. ونكرّمهم من خلال بناء القوة السياسية اللازمة لولادة كينيا عادلة ومنصفة.



اضف تعليق