يرسخ المقال حق رد الاعتبار الرقمي بوصفه امتدادًا لحماية الكرامة والحقوق بعد الإساءة أو العقوبة أو الاتهام غير الثابت. ويدعو إلى تشريع ينظم محو البيانات المضرة، ونشر التوضيحات والاعتذارات، والتعويض عن الأضرار، مع منح القضاء والجهات المختصة صلاحية إزالة الوصم الرقمي، بما يعيد للفرد مكانته ويمنع استمرار العقوبة الاجتماعية...

من الواضح من طبيعة الحياة المعاصرة أن غالبية الأفراد يتواجدون بشكل رقمي على المنصات العامة والخاصة لساعات طويلة يوميًا، ما يفتح الباب واسعًا نحو السؤال الجوهري القائل: هل يجوز رد الاعتبار لمن أُسيء إليه في تلك المنصات بشكل علني من جهات رسمية أو غير رسمية، أو أفراد رسميين أو غير رسميين؟

ففي الكثير من الأحيان تصدر بيانات أو تصريحات تخص شخصًا ما، أو جهة حكومية أو أهلية عامة أو خاصة، تُسند إلى أيٍّ منهم تهمة من نوع ما، وتتضمن تلك التصريحات بالضرورة إساءة لنشاطه أو مركزه القانوني. وقد يكون الاتهام موجهًا إلى فرد أو طائفة من الأفراد فيما يخص سلوكياتهم، أو معتقداتهم، أو نشاطهم الشخصي، أو حرياتهم الأسرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وتتضمن تلك المنشورات إساءة فيما لو ثبتت، وضررًا محتمًا بمن كان محلًا لها. 

فإن تبين فيما بعد عدم دقة الاتهام أو الاعتقاد، هل يحق للمتهم المطالبة برد الاعتبار الرقمي؟ بنشر توضيح أو اعتذار يصحح الصورة لدى الأغيار، وهل يمكن أن يمتد ذلك إلى المطالبة بمحو البيانات غير الدقيقة والتعليقات السلبية التي قالها البعض أو اعتقدها خطأً؟ والسؤال الأكبر: هل يمكن المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي، التجاري مثلًا، والمعنوي، الأدبي الذي مس المشاعر؟ والأمر ذاته بمن صدر بحقه حكم أو عقوبة وتم نشرها وانقضت، ثم مضت مدة بعدها، ألا يستحق رد الاعتبار؟ ليعود إلى حياته ومجتمعه بلا وصم سلبي يلاحقه رقميًا؟

فرد الاعتبار يعني، فيما يعنيه، محو الآثار الجزائية التي رتبها الحكم القضائي على المحكوم عليه بعد انقضاء المدة التي رسمها المشرّع، وإزالة الآثار التي امتدت إلى الحقوق والحريات، كالحقوق المتصلة بالجانب المدني أو السياسي، كحق الانتخاب أو الترشح أو الحق في السفر أو التنقل أو الحق في ممارسة مهنة معينة، وغير ذلك كثير. كما يعني رد الاعتبار الرقمي الحق في محو البيانات والمعلومات المضرة بالاعتبار الشخصي للفرد أو الشخص المعنوي من المنصات الرقمية، بما يمنع الإساءة إلى مركزه أو نشاطه.

ويتنوع رد الاعتبار بين التشريعي والقضائي والإداري، ويبرز رد الاعتبار الرقمي بوصفه متفرعًا من الأنواع المتقدمة ومكملًا لها، ولا يقل أهمية عنها، فبه تُحفظ الحرمات وتُصان الكرامة. وفي الغالب يكون رد الاعتبار بعد صدور حكم قضائي، أو مضي مدة معينة على ارتكاب الجريمة، بينما النوع الذي نتحدث عنه قد يكون بلا حكم ولا حاجة لصدور الحكم، إنما يمثل توضيحًا للرأي العام وتعويضًا عن الضرر الذي أصاب الضحية، لا سيما الضرر الأدبي، فهو مقرون بالضرورة بحالتين محتملتين:

الأولى: أن الفرد ارتكب مخالفة من نوع ما، وتلقى العقاب، ومضت مدة على فرض العقاب، قام خلالها بسلوك جيد وأظهر شعورًا بالندم وتعهد بحسن السلوك، فلا تبقى العقوبة إلى الأبد تتجدد في طيات مواقع التواصل والمنصات الرقمية، لما تمثله من إيلام للفرد ولأسرته.

الثانية: أن الفرد أصلًا لم تصدر بحقه عقوبة، وإنما كان متهمًا بجرم أو جريرة، وبما أن دستور جمهورية العراق 2005 ينص في المادة (19) على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، فإن لم يصدر مثل هذا الحكم نتيجة تبرئة المتهم أو عدم كفاية الأدلة المتحصلة ضده، فمن مصلحة المجتمع والجميع نسيان الواقعة بحذفها من مواقع التواصل والمنصات الرقمية، للدخول بحالة النسيان الرقمي.

إذن، رد الاعتبار تارة يكون وقائيًا لمنع الإساءة إلى كرامة الفرد، وتارة يكون علاجيًا لمنع الانتقاص من الكرامة الإنسانية في المستقبل بلا حدود، لا سيما بعد مضي مدة معينة أظهر خلالها الفرد سلوكًا منضبطًا ورغبة مؤكدة بالاستفادة من العودة إلى الحالة الطبيعية بعيدًا عن الوصم الرقمي السلبي الذي لاحقه لمدة محددة، لربما طويلة نسبيًا. 

ولو أن مما يؤسف له أن التشريع العراقي يكاد يكون متخلفًا إلى حد كبير عن ركب التطور التقني والرقمي الذي يعيشه العالم، فإلى الآن نفتقد إلى قانون ينظم الحريات الرقمية وصلتها بالحقوق والحريات العامة، ويعيد الكرامة الرقمية والواقعية للأفراد ضمن ضوابط محددة، لا سيما إذا تذكرنا أن العراق امتلك في الماضي العديد من القوانين التي تخص إعادة الاعتبار للفرد، منها القانون رقم 30 لسنة 1934، والقانون الخاص برد الاعتبار رقم 93 لسنة 1963، الذي أُلغي بقانون رد الاعتبار رقم 3 لسنة 1967، الملغى بالقرار 997 لسنة 1978 الصادر عن مجلس قيادة الثورة سيئ الصيت المنحل.

 ونقترح أن يكون رد الاعتبار الرقمي وفق تنظيم قانوني محكم وفق الخطوات الآتية:

أولًا: رد الاعتبار الرقمي قانونًا: بأن يتضمن القانون الخاص بالحريات الرقمية المزمع تشريعه نصًا صريحًا بالصياغة الآتية: «تلتزم هيئة الإعلام والاتصالات ووزارة الاتصالات والجهات ذات العلاقة كافة برد الاعتبار الرقمي لمن ارتكب جرمًا رقميًا أو واقعيًا، وحُكم عليه بعقوبة مقيدة للحرية، برد اعتباره الرقمي بعد مضي سنة من انتهاء العقوبة، إذا أظهر خلالها التزامًا بالقوانين والأنظمة والتعليمات، ولم يرتكب فعلًا يعد مخالفة لما تقدم»، على أن يتم ذلك بطلب يقدم من الشخص ذاته أو من يقوم مقامه قانونًا إلى الجهات ذات العلاقة، وعلى تلك المؤسسات الرد على الطلب خلال خمسة عشر يومًا، ويُعد انقضاؤها رفضًا للطلب، يخول الفرد اللجوء إلى القضاء الإداري المختص للطعن بقرار الرفض الحكمي.

كما نعتقد أن شمول المحكوم عليه بقانون العفو العام يبرر تقديم هذا الطلب مباشرة؛ لكون الحكمة التشريعية من العفو العام هي إعطاء فرصة للفرد للعودة إلى المجتمع كفرد عادي من أفراده، وليخطو في الحياة من جديد خطوات واثقة ملؤها النظر إليه بوصفه فردًا أخطأ فسامحه المجتمع، ليمكنه من العودة إلى حياته المعتادة كأي فرد من أفراد المجتمع. أضف لذلك أن لأي فرد لم يسبق أن حُكم عليه، بيد أنه كان محلًا لمنشور أو بيان أو تداول لمعلومة عامة، أن يطلب ذلك من الجهات المذكورة أعلاه لحفظ كرامته ورد اعتباره الرقمي.

ثانيًا: رد الاعتبار الرقمي قضائيًا: نعتقد جازمين أن القضاء ساحة الحق والعدل والركن العتيد لحماية الحقوق والحريات، ولذا يلجأ الفرد إلى القضاء طلبًا للحماية من الاضطهاد الذي يكون مصدره بقية الأفراد أحيانًا أو السلطات العامة أحيانًا أخرى. فما المانع أن يلجأ الفرد إلى القضاء لطلب الحماية من الوصمة الرقمية السلبية، ويطلب شموله برد الاعتبار الرقمي بإلزام الجهات المسؤولة عن الشبكات والمنصات الرقمية بإزالة كل المنشورات والأخبار القديمة المرتبطة بواقعة مضى عليها زمن طويل، وقد يصل الأمر إلى إلزامها بنشر توضيح أو اعتذار إن اقتضى الأمر؟

 لذا نقترح أن يتضمن مشروع القانون الخاص بالحريات الرقمية نصًا بهذا الخصوص مقتضاه: «للمتضرر من استمرار عرض الأخبار والبيانات المتعلقة به، وبعد مرور مدة سنة تقويمية على تداولها، أن يطلب إلى المحكمة رد اعتباره الرقمي، وللمحكمة، إن تبين لها أن سلوكه قد استقام ولم يرتكب مخالفة رقمية تمس المصالح العامة أو الخاصة، أن تأمر هيئة الإعلام والاتصالات ووزارة الاتصالات والجهات ذات العلاقة برفع البيانات التي من شأنها الإساءة لاعتباره».

على أن يكون رد الاعتبار لمرة واحدة عن الأفعال المتماثلة، فإن عاد إلى ارتكاب الفعل ذاته أو ما يقترب منه، فللمحكمة أو الجهات ذات العلاقة إعادة البيانات المحذوفة لمنع الجاني من إساءة استعمال الفضاء الرقمي في الإيقاع بضحايا جدد لا يعرفون عنه وعن ماضيه الإجرامي.

كما نرى أن بعض الأفعال المخلة بالثقة الرقمية تتطلب أن تكون مدة رد الاعتبار أكبر لمنع إساءة استعمال هذه الرخصة من البعض ممن ارتكبوا أفعالًا رقمية خطيرة، كجرائم التهديد والابتزاز الإلكتروني، والاتجار الرقمي غير المشروع بالبشر أو الأعضاء البشرية أو المخدرات والمؤثرات العقلية، وغيرها من الجرائم ذات الخطر العام. كما نعتقد أن المشمول برد الاعتبار لا يُحكم له بذلك ما لم يرد أو يسدد ما بذمته من أموال أو تعويضات أو أجور مستحقة للأفراد الآخرين أو للدولة.

وفي السياق ذاته، نرى ضرورة شمول مخالفات النشر والتعبير عن الرأي برد الاعتبار الرقمي وبشكل مبكر؛ لكون القانون العراقي، ومن خلال المادة (433) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، التي تتناول جرائم القذف، ينص على أن «القذف هو إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية، من شأنها لو صحت أن توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه». وما سواها قد يُساء استعماله من قبل السياسيين والمتنفذين لإسكات صوت المدونين والناشطين والإعلاميين الوطنيين، فتكون مقدمة للاستبداد وشيوع الفساد والانتفاع على حساب الوطن والمال العام، فهي من باب أولى أن تكون سببًا لرد الاعتبار الرقمي.

 وختامًا، نؤكد أن الحق في النسيان الرقمي لا يكتمل من دون الإقرار بحق رد الاعتبار رقميًا، وإلى ذلك نسترعي انتباه ممثلي الشعب في البرلمان العراقي والمهتمين بحقوق الإنسان العراقي.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق