للمواطنة في أدبيات نهضة الحسين معنى أشمل إذ تعني الانتماء إلى الجنس البشري، والسعي الجاد لإعلاء شأن الكرامة الإنسانية، وبلوغ حالة المساواة التامة أمام القانون، والحرص الشديد بالمقابل على المصلحة العامة بكل تجلياتها الدينية أو الدنيوية. فهو لا يرى الوطن ذلك الجزء من الأرض الذي تحده حدود صنعها الإنسان...
انتهى التطور القانوني في العالم أجمع إلى التأسيس للدول لتكون أداة قانونية ضامنة لسعادة المواطن، وتم تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة بموجب القانون على اختلاف تسمياته، أو تدرج قواعده القانونية، وتباين مصدر تلك القواعد، وكان لا بد من تنظيم العلاقة بين الأفراد بعضهم ببعض، والعلاقة بالدولة، وهذه العلاقات لها طابع قانوني بالدرجة الأساس، ولها أهمية كبيرة لكونها تضمن العيش الكريم، والاستقرار، والشعور الكامل بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
ومجرد كلمة المواطنة تعني الكثير من المفاهيم السامية التي ترتبط بحب الوطن والأرض والآخرين، والمواطنة تعني الانتماء والعمل للوطن، ووجود رابطة قانونية وسياسية ومعنوية تصل بين الفرد والوطن. وهي تكون إيجابية حين يكون الفرد مبادرًا سباقًا إلى الخير والإصلاح، فاعلًا وإيجابيًا في الشأن العام، وعلى العكس تكون سلبية حين يكتفي الفرد بالتفرج والوقوف على التل في المسائل التي تترك أثرًا في حياة المجتمع ومستقبله، أو يشترك في الفساد أو الإفساد بأي شكل من الأشكال.
إذن، المواطنة في معناها الأدق تعني التفاعل الإيجابي بين الفرد وقضايا الوطن، والشعور بالانتماء والفخر بهذا الانتماء، ويكمل ما تقدم التفاعل بين الطرفين، حيث يحصل الفرد على الحقوق والحريات، ويمنح للوطن كل ما من شأنه علو شأنه من خلال النهوض بالواجبات، لا سيما في أوقات الأزمات كالحروب والكوارث الطبيعية وغيرها. وينسحب الأمر إلى التكاليف العامة كالوظائف، إذ ينهض الفرد بها ليس لكونها تكليفًا قانونيًا فحسب، أو خشية الرقابة والمساءلة، إنما يقوم بالواجبات لشعوره بالمسؤولية، فيبدع في القيام بها أولًا، ولا يكتفي بتعقب روتينها اليومي، إنما يسعى وبشكل حثيث لتطويرها وتحقيق مقتضاها وهدفها المتمثل في الخدمة العامة، بمعنى آخر أنها تتجلى بالإخلاص في العمل والحرص على مقوماته المادية لاستمراره بشكل دائم.
وللمواطنة في أدبيات نهضة الحسين معنى أشمل مما تقدم؛ إذ تعني الانتماء إلى الجنس البشري، والسعي الجاد لإعلاء شأن الكرامة الإنسانية، وبلوغ حالة المساواة التامة أمام القانون، والحرص الشديد بالمقابل على المصلحة العامة بكل تجلياتها الدينية أو الدنيوية. فهو لا يرى الوطن ذلك الجزء من الأرض الذي تحده حدود صنعها الإنسان، بل الوطن هو الإنسان ذاته، فصلاحه صلاح للدين والمجتمع، وفساده يعني فساد القيم الأخلاقية العليا.
ومصداق ما تقدم أنه (عليه السلام) أرسل إلى أهل الكوفة كتابًا مع مسلم بن عقيل (عليه السلام)، جاء فيه: ((فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائر بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام)). وما تقدم قراءة حية لمعنى الانتماء للإسلام والمواطنة الحقة التي تجعل الحاكم أمام اختبار حقيقي، فلا يصح أن يكون فاسقًا أو فاجرًا أو خائنًا أو فاسدًا بعيدًا عن المجتمع المسلم الذي بُني بالدرجة الأساس على الفضيلة والقيم الحقة.
فالمواطنة عند الحسين (عليه السلام) عمليًا هي تفاعل ثقافي قائم على أسس حضارية قوامها الإنسان، فلا معنى للمواطنة الضيقة التي تصل الإنسان بمسقط رأسه، بل هي الصلة بين الفرد والقيم الأخلاقية، فحين يحترمها الفرد يكون مواطنًا صالحًا للعيش مع الآخرين. يقول تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ".
ومما تقدم يمكننا أن نرصد بعضًا من سمات المواطنة وفق الرؤية والقيم التي نادى بها أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، وهي:
أولًا: الإيمان المحض بالله تعالى
فالإيمان الحقيقي معيار استقامة الفرد في سلوكه الاجتماعي، ومن شأنه أن يحرك الهمة، ويصقل العزيمة، ويحمل على الإخلاص في تحمل الأمانة، والقيام بالواجبات تجاه المجتمع والأفراد الآخرين. ونستفيد هذا المعنى من كلام الإمام الحسين وهو يخاطب أخته الحوراء زينب يوم العاشر قبيل مصيبة مقتله، إذ يقول لها: (يا أخية، اتقي الله، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأنّ أهل السماء لا يبقون). وهذا الكلام ينم عن الإيمان الصلب الذي تحلى به الإمام يوم عاشوراء؛ لأنه يرى الموت في سبيل المبدأ حياة، والعيش مع الفاسدين برمًا.
ثانيًا: صيانة الأمانة
يقول الله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا". والمفيد أن الحسين (عليه السلام) انطلق بحفظ الأمانة من منطلق القوة والتمكين، والتنشئة الإسلامية التي تربى عليها منذ صباه في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فصار هذا السلوك عنده منهج حياة، وأورثه إلى أولاده من بعده. فالإمام السجاد ابن الحسين (عليهما السلام) يُسأل عن الأمانة، فيجيب: لو أن قاتل الحسين ائتمنني لأديت له الأمانة. وفي ما تقدم درس تربوي عميق ناشئ من تراكم تربوي نهله من أبيه وجده (عليهم السلام).
ولعل من أجلى مظاهر الأمانة أن تجهر بالحق والصدق، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لذا ورد في رسالة الحسين (عليه السلام) إلى أخيه محمد، حيث جاء فيها: ((وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد (صلى الله عليه وآله)، وسيرة أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين)).
ثالثًا: القناعة والزهد عما حرم الله
قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه يومًا: ((ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقًا حقًا)). ومن الثابت أن الإنسان المتقي الورع عن محارم الله يلزم القناعة والزهد، ولا يطمع بالقليل أو الكثير، فيعيش السعادة الحقيقية التي تتمثل في اليد البيضاء التي طالما امتدت للآخرين لتعطي لا لتأخذ. لهذا، ورد في خطبته (عليه السلام) يوم العاشر من المحرم: ((الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالًا بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها)). وقال تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
رابعًا: الحلم والأناة
عُرف عن الحسين (عليه السلام) الحلم، وكان لا يقابل مسيئًا بإساءة قط، ولا يعيب على أحد شتمه أو ظلمه، بل كان يغدق على مثل هؤلاء بالبر والمعروف. يُروى عنه أنه قال: ((لو شتمني رجل في هذه الأذن -وأومأ إلى اليمنى- واعتذر لي في اليسرى، لقبلت ذلك منه، وذلك أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حدثني أنّه سمع جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: لا يرد الحوض من لم يقبل العذر من محق أو مبطل)).
ولازمته هذه الصفة الحميدة حتى في ساحة المعركة، فقال (عليه السلام) في خطبته: ((أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، وَلَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ لَكُمْ عَلَيَّ، وَحَتَّى أُعْذِرَ إِلَيْكُمْ، فَإِنْ أَعْطَيْتُمُونِي النَّصَفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ، وَإِنْ لَمْ تُعْطُونِي النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)).
خامسًا: الشجاعة
إذ ورث الحسين (عليه السلام) عن جده وأبيه أسمى معاني الشجاعة، حيث وقف وحيدًا في يوم العاشر من المحرم سنة 61 هجرية ليقارع قوى الشر والطغيان، ولم تأخذه في الله لومة لائم. وقف وحيدًا يوم تقاعس الكثير من المسلمين عن تكليفهم الشرعي والأخلاقي بالوقوف بوجه قوى الشر والفساد.
ويُذكر أن مساجلة بينه وبين الحر في الطريق إلى كربلاء ورد في خبرها: ((سار الحسين وسار الحر في أصحابه يسايره، وهو يقول: يا حسين! إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن. فقال له الحسين: "أفي الموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله، فخوّفه ابن عمه، وقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى --- إذا ما نوى خيرًا وجاهد مسلمًا
وواسى الرجال الصالحين بنفسه --- وفارق مذمومًا وخالف مجرمًا
أُقدِّم نفسي لا أريد بقاءها --- لتلقى خميسًا في الوغى عرمرمًا
فإن عشت لم أُلم، وإن مت لم أُذم --- كفى بك ذلًا أن تعيش مرغمًا)).
وما تقدم مصداق لقول الله تعالى: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".
سادسًا: الرحمة بالناس
عُرف عن أبي عبد الله الحسين الرحمة المتناهية بالناس، بل كان عنوان الرحمة، يعطف على الصغير، ويحترم الكبير، ويرعى قرابة الأرحام، وشهد له بذلك الأعداء والأصدقاء. يُروى أن الحسين حين قدم إلى العراق اعترض طريقه ألف فارس ممن يطلبون قتله، أو أسره إلى عبيد الله بن زياد، وعلى رأسهم الحر بن يزيد الرياحي، وقد التقوا في الصحراء بعد أن أخذ العطش منهم مأخذًا عظيمًا، حتّى كاد العطش أن يرديهم، فأمر الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه أن "اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفًا".
وإن أحد جنود ذلك الجيش يروي أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) خاطبه بقوله: "يا ابن أخي، أنخ الجمل"، فأنخته، فقال: "اشرب"، فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين (عليه السلام): "أخنث السقاء، أي اعطفه"، فلم أدر كيف أفعل، فقام فخنثه، فشربت وسقيت فرسي. وكان بإمكان الإمام (عليه السلام) القضاء عليهم وإبادتهم عن آخرهم وهم على تلك الحالة من العطش والتعب، وخصوصًا على ما عزموا عليه من قتل الإمام أو إحضاره أسيرًا إلى عبيد الله بن زياد، ولكن أخلاق الإمام (عليه السلام) ورحمته بالناس دعته لأن يسقيهم ويستنقذهم من الموت.



اضف تعليق