اختلال التوازن بين هذه الأركان هو السبب الكامن وراء شقاء البشرية، والفقر، والمرض، والبطالة، والتضخّم، وخواء الروح، وتفكّك العوائل؛ لذلك كان لا بدّ من إيجاد الحل، والحل يكمن في العودة إلى الله تعالى، الذي تضمّنت قوانينه في السياسة والاقتصاد والاجتماع تحقيق ذلك، وأدعية أشهر رجب، وشعبان، ورمضان، تستبطن معارف...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيماناً وَعَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[1].

المقدمة: حيث أنّ الإنسان مركّب من أركان خمسة، وحيث أنّ اختلال التوازن بين هذه الأركان هو السبب الكامن وراء شقاء البشرية، والفقر، والمرض، والبطالة، والتضخّم، وخواء الروح، وتفكّك العوائل؛ لذلك كان لا بدّ من إيجاد الحل، والحل يكمن في العودة إلى الله تعالى، الذي تضمّنت قوانينه في السياسة والاقتصاد والاجتماع تحقيق ذلك، وأدعية أشهر رجب، وشعبان، ورمضان، تستبطن معارف عميقة تشير إلى متطلبات إصلاح الأركان الخمسة: الروح، النفس، الجسم، القلب، والعقل.

فتلك هي عناصر البحث الأساسية التي حاول الكاتب أن يستعرض قصصاً وشواهد حيّة، كي يكون البحث أقرب إلى فهم مختلف أطياف المجتمع، ليختم البحث بمسؤوليات الحكومة الإسلامية – الإنسانية – أو المدنية في هذه الحقول الخمسة، منوّهاً إلى أنّه ليس مقياس الحكومة الإسلامية مدى السعي لإقامة الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، ونظائرها من العبادات فقط، بل ومدى إعمارها للأرض، وقضائها على البطالة، والتضخّم، والفقر، والمرض؛ فإنّ الدين جاء لإسعاد الناس في الدنيا قبل الآخرة والجنة.

بصائر قرآنية

من البصائر في الآية الكريمة:

مراتب الإيمان لا تتسقّف بسقف

أ- قد يتوهم أنّ الإيمان دائر أمره بين الوجود والعدم، وأنّه إمّا موجودٌ، أو لا، لكنّ الصحيح أنّه من الحقائق التشكيكية ذات المراتب، بل أنّ مراتبه لا تتسقّف بسقف، ولا تقف عند حدّ، إذ أنّ الله تعالى لا منتهى لعظمته وجلاله وجماله، فلا نهاية للإنسان في مدارج الكمال والقرب منه، إلّا بسقف الحدّ الإمكاني للممكن نفسه.

وهذا يعني أنّه يمكن للمؤمن، بل وينبغي له، أن يستمرّ في رحلة العروج إلى الله تعالى طوال حياته، وفي كلّ ثانية، وآن آن من آنات عمره، وعلى مختلف مستويات مفاصل حياته أيضاً.

وجلت قلوبهم من عقوباته أو استعظاماً له؟

ب- قال بعض المفسرين إنّ المقصود من (الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي ذكرت عقوباته، فإنّ أدنى عقوباته الأخروية أعظم من أية عقوبة من عقوبات الدنيا، مهما كانت عظيمة، بل بما لا يصل إليه الخيال، مهما جنّح، وقالوا: أي إذا ذكرت مثوباته وعطاياه في الجنة وجلت قلوبهم.

أقول: لكنّ الظاهر أنّ الأولى عدم التقدير، بل الظاهر أنّ معنى الآية الكريمة من دون تقدير هو أكمل، وأجمل، وأعلى، وأبهى، وأفضل، فإنّ المؤمنين حقاً هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، فإنّ الله تعالى أعظم من كلّ عظيم، وأجل من كلّ جليل وأعلى من كل عال، فـ: (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي استعظاماً له، وإكباراً، وإجلالاً، ورهبةً؛ ألا ترى أنّ بعض الناس إذا رأى الملك هابه واستعظمه، مع أنّ الملك لا شيء أمام عظمة الله بل هو لا شيء أمام بعض مخلوقات الله؟ وألا ترى أنّ بعض الناس إذا رأى جيش العدو وأبطالهم هابهم، أو إذا رأى، فرضاً، بعض عفاريت الجن، خاف منهم أشدّ الخوف، مع أنّ صناديد العالم كلّهم، وعفاريت الجنّ ومردتهم بأجمعهم، لا يُقاسون بأيّ وجه، بأدنى شعاع من أشعة أنوار عظمته جلّ اسمه.. فالمؤمنون حقاً هم الذين إذا ذكر الله استشعروا الرهبة والعظمة والجلال، فوجلت قلوبهم لما يستشعرونه من مهابته وجلاله.

وكان الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عظيم الخوف والخشية من الله عز وجل، ومن شدة خوفه وخشيته من الله عز وجل، أنه كان يتغير لونه عند الوضوء والتهيؤ للصلاة، وكانت فرائصه ترتعد عند وقوفه للصلاة، لأنه يقف بين يدي الملك الجبار - كما قال الإمام (عليه السلام) -.

أ‌- يتغير لونه عند الوضوء: كان الإمام الحسن بن علي (إِذَا تَوَضَّأَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: حَقٌّ لِمَنْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ أَنْ يَصْفَرَّ لَوْنُهُ وَيَرْتَعِدَ مَفَاصِلُه)‏[2]

ب- وروي عن الإمام زين العابدين أنه قال: إنَّ الحسن بن علي (عليهما السلام)... (كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ اضْطَرَبَ اضْطِرَابَ السَّلِيمِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ...)[3].

قال الصادق (عليه السلام)، حدثني أبي، عن أبيه (عليه السلام): (أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ، وَأَزْهَدَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ، وَكَانَ إِذَا حَجَّ، حَجَّ مَاشِياً، وَرُبَّمَا مَشَى حَافِياً،

وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ بَكَى،

وَإِذَا ذَكَرَ الْقَبْرَ بَكَى،

وَإِذَا ذَكَرَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ بَكَى،

وَإِذَا ذَكَرَ الْمَمَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ بَكَى،

وَإِذَا ذَكَرَ الْعَرْضَ‏ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، شَهَقَ شَهْقَةً يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْهَا،

وَكَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ اضْطَرَبَ اضْطِرَابَ السَّلِيمِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَيَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ...)[4].

والفرق بين ارتعاد المفاصل والفرائص كبير، لأنّ الإنسان عند شدة الخشية أو الخوف، والوجل، أو المصيبة، ترتعد مفاصله، كمفاصل الرِجْل، فلا يعود يقوى على الوقوف، ولكنّ ارتعاد الفرائص أعظم، وأشد، وأندر، فإنّ الخوف إذا كان شديداً جدّاً، وإلى أبعد الحدود، أو كانت المصيبة مذهلة، فإنّ فرائص الإنسان ترتعد أيضاً، والفريصة هي العضلات التي تمتدّ من كتف الإنسان (والكتف لوح عظمي عريض خلف منكب الإنسان – أي في ظهره)، وتمرّ بجنبه لتصل إلى ثديه، بعبارة أخرى: ترتعد عضلات صدره وظهره، وهي حالة نادرة.

وقد شاهدتُ بعض من أصيب بفاجعةِ عزيزٍ له، فارتعدت مفاصله، ولم يعد يقوى على الوقوف، لكنه لم يصل إلى درجة ارتعاد المفاصل أبداً.

وهكذا كان الإمام المجتبى (عليه السلام) إذا قام إلى الوضوء، ارتعدت مفاصله، وأمّا إذا قام إلى الصلاة، فإنّ ارتعاده كان يشتدّ حتى ترتعد فرائصه أيضاً، فهذا هو معنى الوجل من الله تعالى، وأنّ علينا أن نسعى لنبلغ مراتب من ذلك.

قصة فرّار الذي قطع مسيرة سبعين سنة في ليلة

وفي قصة فرّار عبرة من أعظم العبر، فقد نقل أنّ رجلاً قبضاتياً (وباللهجة الدارجة يُسمّى بالشلايتي) كان يرعب الناس في النجف (أبان الحكم العثماني)، وحيث كانت السلطة المركزية ضعيفة في كثير من البلاد، كانت العصابات تقوى، وكان القبضاتيون يتحكّمون في الناس، كلٌّ في دائرة واسعة أو ضيّقة.

وكان فرّار يؤذي هذا، ويتحرش بذاك، ويستعدي ذاك، ويظلم، ويغصب... إلخ، وكان الناس يخافون منه ويتجنّبونه.

وذات يوم جاء إلى الصحن العلوي الشريف، فلما رآه الناس فرّوا منه، وكان أحد العلماء، واسمه الشيخ حسين، داخلاً، فرأى المنظر، ولعلّه استغرب منه، ولكنه مضى في سبيله هادئاً، غير مبالٍ بالقبضاتي أصلاً، فاستثاره ذلك، إذ القبضاتي يعيش على خوف الناس منه، بل ويستلذّ بذلك.

فجاء إلى الشيخ حسين، وقال له بلهجة محذّرة منذرة: لماذا لم تهرب مني كما هرب الناس؟

قال: لماذا أهرب؟

قال: ألَا تعرفني؟

قال: لا.

قال القبضاتي: أنا فرّار القبضاتي الشهير.

وهنا قال له الشيخ حسين بهدوء الواثق المطمئن: أنت فرّار، صحيح، ولكن هل تفرّ من الله تعالى، أم تفرّ من رسوله؟ هزّت هذه الكلمات، الصادرة من نفسٍ مؤمنة قوية، فرّار من الأعماق، وكأنّ صاعقة أصابته، فرجع إلى البيت، ودخل حجرته باكياً.

يقول أهله: أنّه استمرّ في البكاء حتى الصباح، وفي الصباح قال الشيخ حسين لأصحابه، ولعلّه كان قد رأى في المنام أمراً، أذهبوا بنا إلى منزل فرّار، فإنّ الظاهر أنّه قد مات من خوف الله تعالى.. ولما وصلوا إلى داره سمعوا الضجة، ولما دخلوا وعزّوا أهله، قالت لهم بعض أهله: لا نعلم ما الذي حصل له، لقد جاء باكياً واعتزل في غرفته، ولقد سمعنا بكاءه حتى الصباح، ثم خمد وسكن، فتصوّرنا أنّه نام، ولما جئنا إليه وجدناه ميتاً، وهكذا تفعل الموعظة البالغة بأهلها (الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ).

والبحث يقع في فصول:

العودة إلى الله رحلة مستمرة متواصلة

الفصل الأول: العودة إلى الله تعالى مسيرة عُمْر ومسار متواصل.

انّ العودة إليه تعالى ليست لحظة واحدة، ولا قراراً واحدًا، وإنما هي مسار ورحلة تستوعب جميع محطات حياة الإنسان ومختلف مناحيها، وأبعادها، وزواياها، ومفاصلها.. كلّ ساعة ساعة.. وكلّ لحظة لحظة.. في السرّ والعلن.. في الغيبة والشهود.. في القضايا الشخصية.. والأسرية.. والاجتماعية.. في علاقة الإنسان بنفسه.. وبزوجته وأولاده وجيرانه وموظفيه: هل يظلمهم أم لا؟.. وفي علاقته بمجتمعه: هل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. هل يتعاون معهم على البرّ والتقوى والإحسان أم بالعكس يعضدهم في الإثم والعدوان.. هل يغتاب هذا ويتهم ذاك وينمّ على ذا وذاك.. هل يغشّ ويختلس ويخادع ويمكر.. هل يمنع الماعون، والخمس، والزكاة، والصدقات؟ وألف هل وهل؟

المواصفات الأربع للمؤمن، في المناجاة الشعبانية

وهذا المقطع من المناجاة الشعبانية يعطينا صورةً ناصعةً عن العودة إلى الله تعالى باعتبارها مساراً ومسيرة متكاملة ولا تنقطع ولا تتوقف أبداً:

(وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ

وَأَنْ تَجْعَلَنِي مِمَّنْ يُدِيمُ ذِكْرَكَ

وَلَا يَنْقُضُ عَهْدَكَ

وَلَا يَغْفُلُ عَنْ شُكْرِكَ

وَلَا يَسْتَخِفُّ بِأَمْرِكَ)[5].

فـ 1- دوام ذكر الله لا باللسان فقط بل وبالجِنان أيضاً، بأن يستحضر وجود الله تعالى وهيمنته ورقابته عليه ليل نهار، وإذا كان كذلك، فهل يعقل أن يعصي الله تعالى ولو بنظرة، أو حركة، أو سكنة، أو بكلمة، أو موقف، مهما بدا صغيراً حقيراً، لأنّ كلّ معصيةٍ هي كبيرة ما دامت عصياناً للربّ الجليل.

2- عدم نقض عهد الله أبداً (وَأَوْفُوا بِعَهْدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[6]، وعندئذٍ تفتح له أبواب السماء وتنهمر عليه البركات (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً)[7].

3- عدم الغفلة عن شكر الله سبحانه، فإنّ نِعَمَه تحيط بنا من كلّ جانب، وهي بالألوف، بل بمئات الألوف، بل بالملايين، إذ هي بعدد كلّ نَفَسٍ، وبعدد خليةٍ تنبض (وهي في المخّ فقط مائتا مليار خلية!)، وبعدد كلّ صديقٍ وصداقةٍ، وبعدد كل أكلةٍ وشربةٍ، وأخذةٍ وبسطةٍ، و...

4- عدم الاستخفاف بأمر الله تعالى، وإنّ أحدنا ليخاف من الشرطي مثلاً، أو من رجال العصابات أو الاستخبارات وأجهزة الأمن، فلا يستخفّ بأمرهم، خوف غضبهم وانتقامهم وعقوبتهم، فكيف نستخفّ بأمر الله تعالى وهو القاهر فوق عباده بيده مقاليد السماوات والأرض.

قصة العالم الذي شاهد عزرائيل... فطلب مهلة

ومن أورع القصص في العودة إلى الله تعالى، في درجاتها العليا، قصة العلامة المحقق الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره)، فقد نقل[8] السيد العمّ (دام ظله)، وكانت بينهما علاقة وثيقة، وصداقة، وتزاور مستمر:

أنّ الشيخ مرتضى مرضَ مرضاً شديداً، ولما عُدْتُه وجدته سليماً، فسألت عن صحته، فأجاب: لي مع هذا المرض قصة غريبة، فقد هاجمني المرض بضراوة، واشتدّ يوماً بعد يوم، ولم تنفع الأدوية، وأنحاء العلاج، وكان وضعي يزداد تدهوراً.

وذات مرة، خرج أهلي لإعداد دواء ونحوه، فبقيت وحدي، والآلام شديدة، وإذا بالمرض يشتدّ، ثم وصلت إلى حالة الاحتضار، وإذا بي أجد شخصاً جميلاً بهيّ الطلعة يدخل من الباب مبتسماً، تفوح منه رائحة عطر لا نظير لها، والعجيب أنّه كان ستيراً، رغم أنّه لم يكن يلبس أية ملابس (لعلّ نوره حجبه)، وأنه كان يمشي على الهواء، ورغم أنّ محياه كان جميلاً، وكل شيء كان رائعاً، إلا أنّني لما عرفت أنّه عزرائيل، أحسست برهبة شديدة وخوف شديد؛ كيف لا، وهو عزرائيل؟

إضافة إلى أنّني فجأت استشعرت أنّني لم أعدّ نفسي لآخرتي (مع أنّه كان مربّياً وأستاذاً، وزاهداً وورعاً تقياً، لكن المؤمن هكذا: على وجل من أنّ لا يقبل منه أيّ عمل).

وهنا يقول الشيخ مرتضى: توسّلت، لعله قال بالصديقة الطاهرة (عليها السلام)، بأن يُنسأ في أجلي كي أعدّ نفسي لآخرتي. وفجأة، رأيت عزرائيل قد توقف هنيئة، وكأنه يستمع إلى أمر موجه له، ثم قال لي: قد أُنسأ في أجلك ثلاث سنين، وغاب عنّي. فعرقتُ عرقاً غزيراً، وشفيت تماماً.. ثم فكرت في نفسي: ما الذي عليّ أن أعمله في هذه الثلاث سنوات؟ فوجدت أنّ أفضل عمل هو (تصحيح الاعتقاد) بالرجوع إلى الروايات المذكورة، في مثل: توحيد الصدوق، وعيون أخبار الرضا، والبحار، ونحوها. وهكذا.

يقول السيد العمّ: سجلتُ لديّ التاريخ الذي ذكره الشيخ مرتضى أنّ عزرائيل قال له: "قد أنسأ في أجلك ثلاث سنين..." ثم إنّ الشيخ المرتضى عندما توفّي راجعت دفتري، فوجدت أنّه قد مضت ثلاث سنوات بالضبط!

والشاهد في الأمر أنّ الإنسان عليه أن يرى نفسه دوماً في رحلة العودة إلى الله تعالى دوماً، وأن يعدّ نفسه للآخرة، وأن يتزود ويزداد تزوداً من العلم النافع، والعمل الصالح، والطاعة، والعبادة دوماً، إذ يندر أنّ يوجَد محذِّر، ومُنذِر، يحدد للإنسان أنّه سيموت بعد كذا سنة، إذ لعله سيموت بعد أشهر، أو أسابيع، أو أيام، أو حتى بعد لحظات، وقد يعيش عشرات السنين.

الأشهر الثلاثة أشهر عبادة وإنابة

الفصل الثاني: الأشهر الثلاثة، رجب، وشعبان، ورمضان، هي أشهر دعاء وعبادة وإنابة، وهي أشهر إعادة التوازن لأركان الإنسان الخمسة.

المكوِّنات الخمسة لكل إنسان

توضيح ذلك: إنّ الناس يتصوّرون عادةً أنّ زيداً مثلاً هو أمر واحد يشار إليه بـ (زيد)، أو بـ (أنا)، و(أنت) و(هو)، لكنّ الواقع هو أنّ كلّ إنسان مركّب من خمسة أشياء وأركان: الجسم، والروح، والنفس، والعقل، والقلب.

أمّا الجسم فواضح، وأمّا اختلاف الروح عن النفس فلأدلة عديدة، منها أنّ الروح خيرٌ محضٌ، أمّا النفس فذات جنبتين، وقد قال تعالى عن الروح: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلاً)[9]، وقال: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي‏ فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ)[10]، وقال عن النفس: (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها)[11]، وقال: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي)[12]، بينما الروح لا تأمر بالسوء (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)[13]، و(وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة)[14]، و(فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ)[15]، و(كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينَةٌ)[16].

وأمّا العقل فالظاهر من مثل الحديث الآتي: عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ، إِيَّاكَ آمُرُ وَإِيَّاكَ أَنْهَى، وَإِيَّاكَ أُثِيبُ وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ)[17]، هو كونه مخلوقاً مستقلّاً، على أنّ في المراد به خلافاً، وأنّ المراد به عقل كلّ إنسانٍ إنسان، أو المراد منه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لكنّ ظاهر هذا الحديث هو الأول (عقل كل إنسان).

وقد ذهب بعضٌ إلى أنّه مرتبةٌ من مراتب الروح، أو هو قوّةٌ من قواها لكنه أيضاً خلاف ظاهر هذا الحديث، وليس هذا المقام مقام تحقيق ذلك.

وأمّا القلب فالظاهر من مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)[18]، (أَفَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي‏ فِي الصُّدُورِ)[19]، هو كونه غير العقل، غاية الأمر أنّ محلّه ومنزله القلب الصنوبري، عكس العقل الذي محلّه ومنزله المخّ، لكنّه غيره، كما أنّ القلب الذي يفقه غير القلب العنصري.

وقد أثبت العلم الحديث وجود خلايا في القلب، قدّرت بأربعين ألفاً، تشكّل عقل القلب، وأنّها تحكم، إلى درجةٍ ما، على المخّ، والعقل.

التوازن بين المكونات الخمسة

وعلى أيٍّ، فإنّ التوازن بين هذه الأركان أو الأجزاء الأربعة أمرٌ أساسيٌّ في سلامة دنيا الإنسان ودينه، وهو ما تضطلع به الأدعية، والعبادات في هذه الأشهر المعنوية.

وفي المناجاة الشعبانية، كغيرها، العديد من المقاطع التي تشير إلى العديد من أركان الإنسان ومكوّناته وأجزائه، أو إلى كلّها، ومنها هذا المقطع من المناجاة:

(الهِي هَبْ لِي قَلْباً يُدْنِيهِ مِنْكَ شَوْقُهُ،

وَلِساناً يَرْفَعُهُ إلَيْكَ صِدْقُهُ،

وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ)[20].

1- فالقلب هو المحطّة التي تحتضن الاشتياق إلى الربّ، والشوق كما هو معلوم هو القوّة الجاذبة الكبرى نحو المتشوّق إليه، ألا ترى أنّ أحدنا يتشوّق إلى المال، أو الشهرة، أو الرئاسة، فينطلق نحوها بكلّ قوّة، ويجنّد كلّ طاقاته عشرات السنين كي يصل إليها، لكن شوق قلبه إلى مليك السموات والأرض ضعيف، أو هو واقعٌ تحت شعاع سائر أنحاء اشتياقه، لذلك تجده يرجّح غير الله على رضوان الله.. ولذلك كان لا بد من اللجوء إلى الأدعية التي تعتبر من أهم مصادر إشراب القلب الشوق إلى الله تعالى.

2- (وَلِساناً يَرْفَعُهُ إلَيْكَ صِدْقُهُ)، والفرق بين اللسان الصادق فيما ينطق والكاذب كبير، فمن يقول (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)[21] لو كان صادقاً في قوله (إِنَّا لِلَّهِ) لما رأى لنفسه المحورية، ولا حكمته الأنا، ولا تحكّم فيه حبّ الرئاسة، والشهرة، والمال، والجمال، ومن يصدق في قوله (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) لا ينسى الموت ولا يفرّط في الآخرة.

3- (وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ)، وحقّ النظر يختلف عن النظر، وعميق التفكير يختلف عن سطحي التفكير.

وفي الدعاء إشارة إلى الأركان الخمسة: (القلب)، و(العقل) الذي يعتمد عليه النظر، و(الجسم) الذي يمثّله اللسان، ثم إنّ قوام القلب والعقل بالروح والنفس.

ما هو الجهاز الذي يتحكم في نمو خلايا الإنسان وأعضائه؟

والمثال التالي شاهدٌ طريفٌ على مدى أهمّية إقرار التوازن بين مكوّنات الإنسان وأركانه وعناصره وأجزائه، فقد سمعت السيّد الوالد (قدس سره) ذات مرّة يقول: إنّ من عجائب صنع الله تعالى أنه خلق في داخل الإنسان برنامجاً، أو جهازاً، أو جيناً وراثياً، (أو فليكن اسمه ما يكون) يتحكّم في حدود نموّ كلّ عضوٍ، وجزءٍ، وخليةٍ من أعضاء الإنسان وأجزائه، كما يتحكم في الموازنة بين رشده ورشد سائر الأعضاء والأركان.. ولذا تجد أنّ اليدين تستمران بالنموّ حتّى حدٍّ معيّن، ثم يتوقّف نموّهما، والرجلان تنموان حتّى حدٍّ أكبر، والأنف حتّى حدٍّ أقلّ، وبقدرٍ مضبوط موزون.. وهكذا.

ولولا هذا البرنامج لأمكن أن تطول يده إلى مترين، ولا تنمو اليد الأخرى إلّا شبراً مثلاً، أو لطالت الأنف إلى حدّ متر، والأذن صارت كأذن الفيل أو الحمار، أو اتّسعت العين إلى قطرٍ ودائرةٍ أوسع جدًّا أو أضيق جدًّا.

إنّ هذا التوازن بين أعضاء البدن هو الذي يسيطر عليه برنامجٌ أو جهازٌ دقيقٌ له حسابٌ وميزان (مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ)[22]، ولو اختلّ ذلك البرنامج لوجدتم أمامكم خلقاً مشوّهاً عجيباً، فتفسد حياته، ويفسد المجتمع كلّه، وتصور لو أنّ إحدى الرجلين طالت خمسة أمتار، والأخرى سنتيمتراً واحداً، أو أنّ إحدى العينين اتّسعت لتحتلّ مساحة الوجه كلّه، أو أنّ يديه كانتا بطول مليمترٍ واحدٍ.. وهكذا.. أيّة حياةٍ كانت ستكون تلك؟

وكذلك الأمر تماماً في التوازن بين المكونات الخمسة للإنسان: الروح، النفس، الجسم، العقل، القلب، إذ للجسد متطلباته، وللنفس مشتهياتها، وللعقل تطلعاته، وللقلب رغباته، وللروح إشراقاتها.. والكلّ يجب أن يُغذّى ويُزوّد، ولكن لا على حساب الآخر، بل بما لا يُجحف بغيره، بل بما ينهض به، ومن هنا ننطلق إلى الفصل الثالث، وهو:

مسؤولية الحكومات تجاه مكونات الإنسان الخمسة

الفصل الثالث: مسؤولية الحكومات تجاه مكونات الإنسان الخمسة.

إنّ الحكومة التي تدّعي الإسلام، أو تدّعي الإنسانية، أو تدّعي الجماهيرية وأنها من الناس وإلى الناس لا بدّ أن توفّر كافّة العناصر الضرورية لرشد المكونات الخمسة للإنسان، وإلا لم تكن إنسانية ولا إسلامية ولا مدنية مهما حملت من شعارات:

مسؤولية الحكومة الإسلامية – الإنسانية تجاه فقر الناس والبطالة و...

1- الجسد، عبر توفير فرص العمل، والقضاء على البطالة، وعلى الفقر والتضخّم، حتّى يصل الناس إلى مرحلة الغنى.. فإذا فعلت ذلك كان ذلك إحدى مؤشرات إسلاميتها وإنسانيتها، وإلّا دلّ على العكس، ألا ترى قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ)[23]، فهذه علامة إقامة التوراة الأصلية غير المحرّفة، والإنجيل.

فهو برهان إنّي: إذا رأيت النِعم متوفرة والبلاد عامرة مزدهرة فتلك علامة إقامة بعض أحكام الله والعمل ببعض قوانينه، وإلا فإنها حكومة كاذبة معرضة عن أحكام الله وتعاليمه الاقتصادية.

ويؤكّد ذلك قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)[24].

وأيضاً: إنّنا نجد في أحاديثنا أنّ الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف يعمّر الدنيا إلى درجةٍ مذهلةٍ، حتّى إنّ المرأة إذا خرجت من بيتها تحمل زنبيلها على رأسها، فإنّه سرعان ما يمتلئ بالفواكه المتساقطة من الأشجار المثمرة التي تملأ البلاد.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (لَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا لَأَنْزَلَتِ السَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَلَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَذَهَبَتِ الشَّحْنَاءُ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ، وَاصْطَلَحَتِ السِّبَاعُ وَالْبَهَائِمُ، حَتَّى تَمْشِيَ الْمَرْأَةُ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، لَا تَضَعُ قَدَمَيْهَا إِلَّا عَلَى نَبَاتٍ، وَعَلَى رَأْسِهَا زَنْبِيلُهَا، لَا يُهَيِّجُهَا سَبُعٌ، وَلَا تَخَافُهُ.

لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي مُقَامِكُمْ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ وَصَبْرِكُمْ عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الْأَذَى لَقَرَّتْ أَعْيُنُكُمْ...)[25].

هذه الحكومة هي الحكومة الإسلامية حقّاً، لكنّ حكوماتنا ضربت المثل في إفقار الناس، وفي زيادة نسبة التضخّم في البلاد، والفقر، ومن ثمّ الجريمة الناجمة عنهما.

بل تجد نسبة التصحّر في إيران، والعراق، وغيرهما، في ازدياد، والمساحات الخضراء في انحسارٍ، ومنابع المياه في تناقص، مع أنّ ذلك كلّه ناشئ من تقصيرٍ مذهلٍ للحكومات في حفظ مياه الأمطار والسيول من أن تذهب هدراً، عبر صنع السدود الاستراتيجية، وعبر صناعة مسارٍ للسيول في الصحراء وغيرها، يوجّهها نحو خزّانات طبيعية، ومضايق جغرافية أو صناعية، وعبر تثبيت التربة بالأشجار والنباتات وغيرها.

بل نجد في نعيم الجنة نِعم المثال على ما يستهدفه الربّ الجليل للإنسان المؤمن، فإلى جوار (ورضوان من الله أكبر) هنالك أيضاً: (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ)[26]، (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)[27].

ويقول في آية أخرى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ)[28].

وقال تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ)[29].

وفي تفسير هذه الآية ما رُوِيَ عن الإمام الباقر (عليه السلام)، فيما سأل به أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنه: (فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ (غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ)، بِمَاذَا بُنِيَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، تِلْكَ غُرَفٌ بَنَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَوْلِيَائِهِ بِالدُّرِّ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، سُقُوفُهَا الذَّهَبُ، مَحْبُوكَةٌ بِالْفِضَّةِ، لِكُلِّ غُرْفَةٍ مِنْهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، فِيهَا فُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَحَشْوُهَا الْمِسْكُ وَالْكَافُورُ وَالْعَنْبَرُ...)[30].

مسؤولية الحكومة في توفير فرص الزواج لجميع الشباب و...

2- القلب، عبر توفير فرص الزواج الكريم الذي يهفو إليه قلب كل شاب وشابة، والذي تحول دونه مشاكل العجز عن توفير المهر، والجهاز، والمنزل، ونحو ذلك، وأيضاً عبر توفير العوامل التي تزيد محبة الشعب بالحكومة وبالعكس، بينما نرى بلادنا بالعكس، إذ كلّما طال الزمن ابتعد الناس عن الحكومة أكثر فأكثر، وكرهوها أكثر فأكثر، كيف وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)[31].

وهل يستشعر حكّامنا الرحمة في قلوبهم للرعيّة؟ ولو ادّعوا ذلك، نسأل: هل تُحبّون الرعيّة حقّاً؟ ولو ادّعوا ذلك نقول: للمحبّة علامات، فأين هي منكم؟

ألا ترى إنّ الأب الذي يحبّ ابنه، يوفر له كل مستلزمات العيش السعيد الهنيئ الرغيد، من تعليم جيد، ومأكل، ومشرب، وملبس، ومركب لائق، ثم زواج، وعمل.. إلخ، وهل تفعل حكوماتنا ذلك؟ ألا ترى أنّ ابن أحد المسؤولين إذا ابتلي بمرضٍ، فإنه سيرسله إلى أفضل الأطباء، والمستشفيات للعلاج؟ وهل يفعل ذلك لكلّ آحاد أفراد الشعب؟

مسؤولية الحكومة تجاه تطوير المدارس والمعاهد والجامعات

3- والعقل، بتوفير أفضل المدارس والجامعات في البلاد، وأفضل المعاهد ومراكز الأبحاث وباحترام المعلم وإكرامه، وإعطاء المعلمين أعلى الأجور، والاستعانة بأفضل النظم التعليمية، والمناهج التربوية، والأجهزة العلمية المتطورة، التي تساعد على التعلّم الفعّال.

وهل تفعل دولنا ذلك؟ إذا كانت إسلامية، فلتفعل، وإلا لم تكن إسلامية.

ألم يقل تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ)[32].

وألم يقل الرسول (صلى الله عليه وآله): (اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ)[33] إلى عشرات الآيات والروايات...

وألا ترى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، يُسَمَّوْنَ بِهِ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ.

مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ، وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ، شَرُّ فُقَهَاءَ، تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، مِنْهُمْ خَرَجَتِ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ)[34].

الخاتمة

وصفوة القول أنّه يلزم أن يملأ الإنسان جميع أيام حياته بهذه الأربعة:

(وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَجْعَلَنِي مِمَّنْ يُدِيمُ ذِكْرَكَ وَلَا يَنْقُضُ عَهْدَكَ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ شُكْرِكَ وَلَا يَسْتَخِفُّ بِأَمْرِكَ).

وان يتحلّى دوماً بهذه الثلاثة (الهِي هَبْ لِي قَلْباً يُدْنِيهِ مِنْكَ شَوْقُهُ، وَلِساناً يَرْفَعُهُ إلَيْكَ صِدْقُهُ، وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ).

وبذلك يصل الإنسان إلى الحياة الطيبة التي وعد بها الله تعالى في قوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)[35]، وعبر إعطاء كل من العقل والروح والنفس والقلب والجسد، مقتضاته وحاجاته وجميع ما يوفر للناس حياة كريمة طيبة تنعم بالرخاء والغنى والسعادة والسلام إضافة إلى الإيمان والحرية والازدهار.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.............................................

[1] سورة الأنفال: 2.

[2] تاج الدين الشعيري، جامع الأخبار، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف: ص65.

[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، كتابجى ـ طهران: ص178.

[4] المصدر.

[5] السيد ابن طاووس، إقبال الأعمال، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص687.

[6] سورة البقرة: 40.

[7] سورة الطلاق: 2-3.

[8] ما مضمونه أو ما يقرب منه.

[9] سورة الإسراء: 85.

[10] سورة الحجر: 29، سورة ص: 72.

[11] سورة الشمس: 7-8.

[12] سورة يوسف: 53.

[13] سورة الفجر: 27.

[14] سورة القيامة: 2.

[15] سورة النجم: 32.

[16] سورة المدثر: 38.

[17] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1 ص26.

[18] سورة الأعراف: 179.

[19] سورة الحج: 46.

[20] السيد ابن طاووس، إقبال الأعمال، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص686.

[21] سورة البقرة: 156.

[22] سورة الحجر: 19.

[23] سورة المائدة: 66.

[24] سورة البقرة: 201.

[25] الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعية المدرسين بقم المشرفة: ص115.

[26] سورة الرحمن: 72.

[27] سورة الرعد: 35.

[28] سورة محمد: 15.

[29] سورة الزمر: 20.

[30] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج8 ص97.

[31] نهج البلاغة: الكتاب 53.

[32] سورة الزمر: 9.

[33] ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) للنشر ـ قم: ج4 ص70.

[34] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج8 ص308.

[35] سورة النحل: 97.

اضف تعليق