دعا السيد الشيرازي في مؤلفاته إلى التوادد والتراحم والوئام والمحبَّة والتوالف فيما بين المجتمع، لأنَّ المجتمع هو عبارة عن كتلة بشرية يعيشون في حيِّز مكاني معيَّن، وإذا ما التحمت أواصرهم وتكتلت اتجاهاتهم؛ صاروا وحدة واحدة بالتعامل والإنتاج. وكثيراً ما دعا إلى نبذ الفرقة وترك الخلافات والمجادلة بالتي هي أحسن...

تتعاقب الأجيال بارتشاف ما تجود به أنامل علمائها فتبني حاضرها وتسير في سبيل قد رسمه لها العلم المنتقى؛ لذا نجد الشعوب ترتقي بحواضر العلماء أو تتخلف بسببهم، وبسبب تجدد العلوم وحدوثها صار التطور ينقاس على أساس الاتباع الغربي منذ أن ابتُلي العالم بحكومات تُطبِّق القانون الغربي وتجعل التطور حكراً عليه.

 وطبيعة العالِم غير الإسلامي أنَّه ينظر إلى آنيَّة الأمور بسبب الفكر المادي الذي يهيمن على السواد الأعظم من الناس، أو ينظر إلى المستقبل بحسب المصلحة التي تقتضي الحصول عليها بأي شكل، في حين نجد العالِم الإسلامي يحدُّ بنظره إلى المستقبل؛ ضارباً لذلك أسساً من تخوم التاريخ، على الرغم من الصيحات والهجمات التي يواجهها وربما تعدُّ أفكاره ودعواه تفكيراً خارج الصندوق.

 فإذا ما ظهر مفكر حباه الله بالذكاء والإخلاص هاجمه أولئك الكتاب، ظنَّاً منهم بالحسد العلمي؛ فما بالك إذا كان ذلك العالِمُ فقيها إسلامياً يبني بفكره ورؤاه سُلَّماً، درجاته: السلم المجتمعي، الفكر السياسي، التطور الحضاري، اللاعنف، الاقتصاد، الصناعة، بالإضافة إلى العلوم المادية الأخرى؟!!، حتماً سيواجَه بسيل من الاتهامات والانتقادات، وكأنَّ أيَّ تقدّم تحققه الأمَّة الإسلامية على يد علمائها؛ يضر بمصالح هؤلاء، وهذا انحيازٌ غالباً ما تحكمه العاطفة، أو انسياق وراء مسلَّمات أثبت الواقع بطلانها.

 ونحن على أعتاب دنياً من الفكر المتجدد نقف على ساحل بحرها الزخَّار لنجني من جواهرها الثمينة التي كانت نتاجاً لسنين عجاف عاشها المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدِّس سرّه)، فقد كرَّس حياته في خدمة المجتمع الإنساني بعيدا عن العرقية والطائفية ليضع نظرياته لإنقاذ البشرية، فهو لم يدع علماً إلَّا وكتب فيه من منظور إسلامي حداثوي متجدد، وكأنَّه يريد القول: (الإسلامُ: حياةٌ دائمةٌ لكلِّ زمانٍ ومكان)، فصياغته الجديدة لهذا العالم جاء بها لترسيخ الحريَّة بالإيمان ليصل الإنسان بها إلى الرفاه والسلام لأنَّ عالم الغد يتطلب ذلك.

 فالفضيلة الإسلامية لم تكن بمنأى عن مواكبة التطور وهو الآخر لا يمنع من حصول السعادة بالدين، فكان نتاجه يصبُّ في مصلحة الفرد والمجتمع بدء من الطفل المسلم إلى إحياء الموات، وهو يستنبط من الآداب والسنن لبناء دولة إسلامية ذات إدارة وسياسة واقتصاد واجتماع وتجارة وصناعة...إلى آخره، وقد ركز على أسس بنائيَّة كثيرة وكبيرة لبناء الإنسان وما يُحيط به؛ منها:

الإدارة والحكم في فكر السيد الشيرازي

 يذهب السيد الشيرازي إلى عدم الفصل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق، فكل جانبٍ من هذه الجوانب هو أخلاقي قبل أي شيء آخر، فهو يُركز على مفهوم عام يدل على أنَّ هذه العلوم هي ركائز لكيفية إدارة الدولة وكل ما يتعلَّق بالشؤون العامَّة، ومن هنا يركز على دور الناس في الدولة؛ أي تكون الحكومة مشكلة -في الأساس- من المواطنين ذوي الكفاءات والمتمتعين بالوعي السياسي، وقتئذٍ سيشكل كل فرد من هؤلاء ركيزة سياسية تأخذ على عاتقها إدارة الدولة؛ مهما كان موضعها في الإدارة العامة للحكومة، أو بين فئات الشعب؛ لأنَّها ستكون على مساس مباشر وعلاقة على نحو ما بالقضية الاجتماعية العامة وتطوير الدولة.

 هذا ما نجده في بحوث السيد الشيرازي ورسائله، على سبيل المثال يقول في كتاب السياسة: "ليس للحاكم حق الدكتاتورية إطلاقاً، وكل حاكمٍ يستبد؛ يُعزل من منصبه في نظر الإسلام تلقائيّاً؛ لأنَّ من شروط الحكم العدالة، والاستبداد الذي معناه التصرّف خارج النطاق الإسلامي، أو خارج نطاق رضا الأمة في تصرّف الحاكم في شؤونها الشخصية؛ ظلم مسقط له عن العدالة"، وهذه الفكرة هي فكرة صالحة لكل زمان ومكان، ومتجددة لا نفاد لصلاحيتها، إذ ظلم الرعية يوجب عزل الحاكم، ولو أعدنا قراءة النص نجده نصَّاً ينطلق من الإسلام إلى آفاق العالمية ولا ينحصر في إطار ضيٍّق ينعزل عن الأطر الأخرى.

المجتمع في فكر السيد الشيرازي

 دعا السيد الشيرازي في مؤلفاته إلى التوادد والتراحم والوئام والمحبَّة والتوالف فيما بين المجتمع، لأنَّ المجتمع هو عبارة عن كتلة بشرية يعيشون في حيِّز مكاني معيَّن، وإذا ما التحمت أواصرهم وتكتلت اتجاهاتهم؛ صاروا وحدة واحدة بالتعامل والإنتاج.

 وكثيراً ما دعا إلى نبذ الفرقة وترك الخلافات والمجادلة بالتي هي أحسن، ودفع السيئة بالمسامحة، وحاول سماحته تطبيق ذلك على الواقع الخارجي لتكون سُنَّة يسير عليها المجتمع، وكان يؤكد على صلاح المؤسسات الاجتماعية التي تنبثق عبرها الدعاة إلى الإصلاح؛ فمتى ما صَلُحت صلُح المجتمع، لأنَّها -بالأساس- مكوَّنة من أفراد المجتمع، فصلاحها يجنّب المجتمع الانحراف والأمراض الاجتماعية، وهذه الفكرة فكرة متجددة قابلة لكل زمان ومكان.

حق الجنين بالشورى الانتخابية 

 من أفكار السيد الشيرازي الفذَّة التي لم يُسبق إليها؛ دعوته إلى مشاركة الجنين بالانتخابات عبر ولي أمره -الأم أو الأب- فكانت هذه الفكرة قد واجهت سيلاً من الانتقادات والرفض، إلَّا أنَّها الآن تُلاقي رواجاً والدعوة إليها تستحصل -شيئاً فشيئاً- الأرض الخصبة التي تدعو إلى بذرها، فلم يسبق السيد الشيرازي إليها أحد من الفقهاء.

تقديس الحريَّة

 دعا سماحته إلى تقديس الحريَّة ضمن بيان ماهيَّتها وحدودها بعدم التعدِّي على حريَّات الآخرين، فقد كانت ولا زالت الشعارات المنادية بالحريَّة براقَّة لا تعدو التنظير؛ إلَّا أنَّها في الواقع لا نجد حريَّة بما هي حريَّة،؛ لذا وضع السيد الشيرازي أطراً وحدوداً لكل مفهوم من المفاهيم التي تندرج تحتها الحرية؛ مثل: حرية العبادة، حرية البيع والشراء، حرية الرهن، حرية الاختراع الجديد، حرية الكفالة، حرية الصلح، حرية التأمين، حرية الجعالة، حرية الطباعة، حرية الصناعة ما لم تدخل في الإضرار في المجتمع... وغيرها من الحريات التي وضع لها أُطراً عامَّة ودعا إلى تطبيقها، وهذه الحريات تنظر إلى الإنسان على أنّه مخلوق له الحق في ممارسة حياته وفق الحرية التي يريدها ما لم تضر في غيره، وهذا صالح لكل زمان ومكان، فهي فكرة متجددة ورائعة.

الأسلوب الفذ

 اتخذ السيد الشيرازي أسلوباً فذَّاً في أفكاره عبر الدعوة إلى التحذير أو الترغيب في الأمور المراد بيانها، من ذلك ما نجده في دعواه إلى بناء حكومة عادلة منصفة تضم كل أطياف المجتمع، فهو يدعو إليها بوساطة بيان انحطاط الحكومات التي لم يكن الحكم عندها إلَّا وسيلة لتنفيذ مآربها والحصول على المصالح الشخصية، وقد أدَّت هذه الحكومات إلى انحرافات المجتمع وإمراضه من جهة؛ وسقوطها من جهة أخرى، فيريد القول: لا خلود للحكومات إلَّا بطريقين: العبرة بالماضي والعمل على حل المشكلات وجذب الآخر لبناء دولة تقوم على أساس المواطنة بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى تعاملها مع الشعب تعاملاً واحداً بلا تمييز ولا طائفية ولا قومية من باب (كلكم لآدم وآدم من تراب) وهذا الأسلوب صالح لكل عصر. 

الاحتكار آفة الاقتصاد

 من أفكاره الدعوة إلى نبذ الاحتكار وتفعيل قانون (من أين لك هذا)، فإذا توزعت الثروة من قبل الحكومة على سبيل المساواة والعدالة فسيزدهر الاقتصاد وستنتج الدولة، وبالتالي ستقضي على التمرد بالتي هي أحسن دون تسلط البطانة على الثروة مما يؤدي إلى الإجحاف بالعامَّة فيؤلبهم على حكومة، فدوامها بعدلها، وهذه الفكرة مستقاة من سيرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "ما جاع فقير إلَّا بما مُتِّع به غني".

 وغيرها من الأفكار التي دعا إليها سماحة السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) وكانت صالحة لكل زمان ومكان فهي متجددة بتجدد الحياة وهذا ينم عن نظر ثاقب إلى تخوم المستقبل وينفذ من خلالها إلى بناء دولة صالحة، ولم تستطع هذه الورقة إحصاء أفكار سماحته، إنَّما هذا نزر لبيان ما أودعه في مؤلفاته الكبيرة والكثيرة ركَّز فيها على بناء الإنسان قبل بناء الجدران.

 ورحل سماحته وبقت صدقته الجارية تُورِّد له رضا الله ورضا محمد وآل محمد والرحمة والغفران وقد وضع في كلِّ أرض وطأها؛ كربلاء، رافعاً راية الحسين (عليه السلام) في كل بلدان العالم اعتقاداً منه أنَّ الحسين وكربلاء حضارة متقدمة ضد التقهقر والرجعية والتسلط الهمجي.

 رحل سماحته وبقي علمه الذي نفع وينفع به الناس؛ حيث كتب حتى كلَّت أنامله المباركة، وتكلم حتى أتاه اليقين، فلم يألُ جهداً في سبيل المسيرة العلمية على جميع الأصعدة، فكان وقته كلُّه لله وفي الله وبالله.

 رحل سماحته وبقي الأولاد الصالحون الذين ارتشفوا منه العلم والمعرفة والأخلاق والجود والكرم، فكان دعاؤهم له بالكلمة والموعظة الحسنة والذكر العطر، فلم يمت وله صدقة جارية وعلم ينفع الناس وولد صالح يدعو له، فرحمه الله وقدس روحه الزكية.

 في ذكرى رحيل سماحة السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) 1446هــ 2025م.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2025

http://shrsc.com

اضف تعليق