"احتج الى من شئت تكن أسيره واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره و احسن الى من شئت تكن أميره".

أمير المؤمنين، عليه السلام

طالما سمعت هذه الكلمات المليئة بالحكمة والعبرة، والمفعمة بالجمال من سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في اكثر من محاضرة حضرتها في السنين الخوالي، وهو يشدد على ضرورة الاهتمام بالانتاج الداخلي وتشجيع الابداع والتطوير في المجالات كافة، والاكتفاء الذاتي من كل شيء، والاستغناء عن المنتجات الاجنبية بالقدر الممكن.

ولا أشك أن سماحته كان يتحدث عمّا يجول في اذهان الناس من همّ وغمّ بسبب ارتباطهم المجحف بالسلع المستوردة، فلا أحد يجهل ما للاعتماد على السلع الاجنبية من أضرار فادحة على الاقتصاد الوطني، ثم على دخل الفرد، وحتى على صحته بالنسبة للمواد الغذائية المستوردة، ومن أبرز افرازات هذه الظاهرة؛ البطالة في صفوف العمال بسبب تراجع الاقبال على المنتج الوطني، وفي صفوف المزارعين الذين يرون الفاكهة والخضار والرز والسكر وغيرها من المواد الغذائية تأتي من الخارج بأسعار مغرية، علماً إن سماحته كان يتحدث لنا في ثمانينات القرن الماضي –وربما قبل ذلك بكثير ولكن لما عاصرته شخصياً- في وقت لم تكن وطأة التبعية الاقتصادية بهذه القسوة التي هي اليوم في بلادنا الاسلامية بشكل عام، فمع تسارع التطور التكنولوجي في المنشآت الانتاجية، استحكمت قبضة الدول المصدرة اكثر على شعوبنا، وبات كل شيء يأتي من الخارج.

إنما الفارق في خطاب الامام الشيرازي؛ البديل الحضاري القريب من الواقع، بما كان يميزه –وما يزال- عن كثير من الطروحات الفكرية والثقافية في الساحة، ففي لا يجلد ابناء الأمة بمظاهر التخلف والتأخر عن الغرب، وإنما يقدم الحل في تشكيل "لجان الاستغناء عن الغرب والشرق في مختلف انواع البضائع لفكّ الأسر تدريجياً"، (من كتاب: كل فرد حركة وفلسفة التأخر) علماً أن المسألة ليست بهذه السهولة، فقد جرى الحديث المسهب وكتب الكثير بين بحث وتنظير في مسألة الاكتفاء الذاتي ودعم المنتج الوطني، لان تحقيق هذه الغاية العتيدة –الحلم عند كثير من الشعوب- يتطلب خطوات تتخللها فترات زمنية طويلة، تبدأ من التربية والتعليم، والتشجيع على الابداع والانتاج الأكثر مع القناعة بالأجر الأقل، ثم من ثقافة الاستهلاك، وتحسين العلاقة بين الشعب والنظام الحاكم بما يقلل من حواجز عدم الثقة والقلق بين الجانبين.

لذا يلفت سماحته الى مسألة التدرج في تحقيق الاكتفاء الذاتي مع خطوات عملية في العلمية الانتاجية تولي الاهتمام الأكبر بالنوعية والجودة، "فالناس لا يرغبون في بضائع غير كفء لبضائع الغرب"، ومن الطبيعي ميل الناس الى السلعة الجيدة لدفع المال مقابلها.

وفي هذا بحث طويل في ميدان الاقتصاد وتفاصيل الانتاج و مواصفاته العالمية المدعوم بالتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما تفتقده معظم البلاد الاسلامية، ومنها العراق طبعاً؛ بيد أن بالامكان العمل على الانتاج الجيد بما يتناسب المستهلك في الداخل، وليس بالضرورة أن يكون وفق المعايير الدولية الخاصة بالتصدير ومنافسة البضائع الاجنبية، فالمشكلة لدينا ليست في المنافسة على التصدير لكسب العملة الصعبة كما هي محنة الكثير من الدول الفقيرة المعتمدة على الزراعة بأصناف خاصة، مثل الموز او السكّر، والصناعة التجميعية من السلع المنزلية والسيارات وأشباهها.

بلد مثل العراق يحظى بثروات هائلة بامكانه الاستغناء عن العالم في سلع ومنتجات عديدة، ما خلا بعض المجالات مثل؛ تكنولوجيا المعلومات، واستخراج وتكرير النفط، وصناعة الآلات الثقيلة وأشباهها، مما يجعل تشكيل لجان خاصة يتوزع مهامها في خطين متوازيين؛ خط الانتاج، وخط الاستهلاك، يكون أمراً عملياً جداً، على شرط الإرادة والعزيمة في هذا المضمار.

فتكون لدينا لجان خاصة تتابع المنشآت الانتاجية وطريقة عملها لتقديم ما هو أفضل، وتكون مستقلة من أية ضغوط سياسية، وهو الشرط الأكبر، حتى يتسنّى لها بعث الحياة في جميع المعامل والمصانع المعطلة لتشغيل مصانع ومعامل وراء الحدود يجني من خلالها الآخرون مليارات الدولارات يتم استنزافها من جيب المواطن العراقي.

وبموازاة هذا العمل، يكون ثمة لجنة خاصة تتابع حركة التسويق الاستهلاك بأسعار منصفة للبائع والمشتري، وتكون لهذه اللجان صلاحيات مدعومة من الحكومة ومن المؤسسة القضائية معاً، لفرض العقوبات على المخالفين.

وكما أسلفنا فان المهمة ليست سهلة، اذا لم نقل بوجود آلاف العقبات والعراقيل امام من يتجرأ على تحمّلها، بيد أن السهل البداية الصغيرة في هذا الطريق الطويل، فان نجاحها يعد بريق أمل كبير نحو المستقبل، لاسيما وأن الدعم الأكبر لهذه المهمة سيأتي من جمهور المستهلكين انفسهم ممن سيجدون أن التقليل من الاعتماد على السلع الاجنبية يصب في مصلحتهم بالدرجة الاولى، فالبطالة تنخفض، ثم تتراجع الجريمة والاعمال العبثية، بل وحتى ظواهر خطيرة من الادمان الى الكحول والمخدرات، والتسوّل، وأن التوزيع العادل للثروة سيكون بنسبة كبيرة، ومن ثم النتيجة الأكبر؛ تحقيق الأمن والاستقرار لجميع افراد الشعب.

اضف تعليق