توصف المجتمعات التي ترتفع بها نسبة اعمار الشباب عن غيرهم من الفئات الأخرى بالمجتمعات الشابة او الحية، لأنها مجتمعات يافعة وطموحة ونشطة ومتحركة نحو الامام، وهي صفات الشباب التي غالبا ما تنهض بمجتمعاتها وتحول طاقاتها البشرية الكبيرة الى حركة من النهضة والعمران والتنمية والتقدم.

في مجتمعاتنا الإسلامية، ورغم ارتفاع نسبة الشباب العالية بين السكان، وهي نسب لا توجد حتى في أكثر المجتمعات تقدماً في اوربا واسيا وغيرها، الا ان هذا المجتمعات تعاني من:

1. تراجع مستمر في مختلف المجالات.

2. مساهمة الشباب شبه معدومة، خصوصاً في المجالات الحيوية والاساسية لنهضة المجتمع.

3. انعدام او ضعف الحريات العامة مع تركيز السلطة والقرار بيد طبقة معينة، فضلا عن ميل اغلب الأنظمة الى الاستبداد والدكتاتورية في الحكم.

4. انحدار مستوى التعليم والثقافة وارتفاع مستوى الامية والتخلف وما يرافقه من انتشار لآفات وامراض مجتمعية.

5. ضعف الإنتاج، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، وتحول المجتمع نحو الاستهلاكية وضعف الانتاج.

6. هجرة العقول والايدي العاملة الشابة خارج الحدود.

ان الشباب في أي مجتمع هم الثروة الحقيقية والمكسب الأهم الذي يمكن استثماره في تغيير واقع الامة لو تم الامر بالطريقة الصحيحة، اما تجاهل هذه الشريحة النابضة بالحيوية والطاقة والعمل والابداع، فسيؤدي حتما الى التراجع والانحدار، وهذا ما يحدث في واقع الامر في اغلب المجتمعات التي اهملت شبابها وحولتهم الى جيوش من العاطلين عن العمل او مجرمين او محرومين من ابسط حقوقهم وحرياتهم.

وقد شخص المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي هذه المشكلة في وقت مبكر، وحث القادة والمصلحين والحكام وأصحاب الشأن من المثقفين والكتاب والمنظمات وغيرهم على التركيز على الشباب ومشاكلهم وإيجاد الحلول الواقعية التي تعالج مكامن الخلل بدلاً من تفاقم المشاكل وتحولها الى امراض مزمنة تنخر جسد المجتمع والأمة، ودعا الى عدم تجاهل الطاقات الهائلة التي يتمتع بها الشباب والاستفادة منها في تطوير المجتمع ونهضة الامة.

وحدد الامام الشيرازي عددا من الأسباب التي تدفع باتجاه اعتماد الشباب وجعلهم في صدارة العمل، مثلما فعل الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) من قبل: "لقد كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله) يختار الشباب المؤمنين الصالحين، ويجعلهم في بعض المناصب والوظائف الحساسة، لإدارة ما يرتبط بالأمة الإسلامية، والسبب في ذلك الاختيار يرجع إلى عدة أمور:

أولا: لأن الشاب في بداية شبابه يشعر بأن له قوة عظيمة تمكنه أن يكون مؤثراً في العالم، وله القابلية على العمل والإبداع، وهو ذو حب كبير للنشاط والخدمة، واستعداد دائم للتضحية من أجل أفكاره وآرائه، ويحاول أن يضحي بنفسه من أجلها، فإنه عادة لا يتشبث بالحياة كثيراً كالرجل الكبير، لأن طبيعة الإنسان كلما طال بقاؤه في الدنيا ازداد حرصاً وطمعاً فيها، وكما جاء في حديث الرسول (صلى الله عليه واله) حيث قال: (ويهرم ابن آدم وتشبّ فيه اثنتان: الحرص وطول الأمل).

أما كثير من الشباب فتقل فيهم هذه الحالات عادة.

ثانياً: في مرحلة الشباب يشعر الشاب بتفتح عقله، وكذلك يشعر بأن مواهبه تتفجر، حيث يبدأ بالتفكير الدقيق، فتشخص في ذهنه الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام عن الحياة والمجتمع، والتي لابد له من تحصيل الإجابة عليها، لذلك نراه يقوم بالبحث عن الأجوبة، ولو كلّف ذلك حياته أحياناً، فتراه مستعداً لأن يعتنق الفكرة الجديدة التي ينسجم معها أحياناً مهما كانت خطورتها ومصاعبها".

عندما يمر الإنسان بمرحلة الشباب تتفجر طاقاته العقلية والبدنية وتتفتق مواهبه، وكل ذلك يؤهله ويشجعه لكي يقوم بدور ما في المجتمع، فإذا فسحنا المجال للشاب لأن يمارس دوراً اجتماعياً، ووجهناه الوجهة المناسبة والملائمة له للقيام بدور صالح مفيد في المجتمع، يساعده على بناء شخصيته، وينمي فيه كفاءاته، ويزوده بالخبرة الاجتماعية، نكون قد أحسنا الاستفادة من ملابسات مرحلة الشباب ومميزاتها.

وحذر الشيرازي (رحمه الله) من النتائج العكسية لإهمال الشباب وعدم منحهم الدور الاجتماعي المتناسب ورغباتهم وحاجاتهم المادية والمعنوية بقوله: "وإن لم نهتم بهذه المسالة، ولم نفسح المجال للشباب في ممارسة رغبته المشروعة بأداء دور اجتماعي ضمن توجيه صالح، فستكون النتيجة أحد أمرين: إما أن تخمد طاقات الشاب وتقتل مواهبه وتدفن طموحاته، وإما أن يبادر إلى ممارسة أدوار منحرفة ويقوم بأعمال فاسدة، لذا يلزم تعليمهم وتوجيههم الوجهة الصحيحة".

ان الخطوة الأولى بالاتجاه الصحيح، كما يراها الامام الشيرازي، تكمن في كسب الشباب من خلال احتوائهم في تنظيمات صالحة: "لابد للمسلمين من التنظيم، إذ عليهم أن يؤسسوا تنظيمات صالحة لكي تقوم بتنظيم الشباب ورعايتهم، لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك فسيأتي غيرهم من مروجي الأحزاب الفاسدة والمنحرفة، فينظمهم ويرسخ في أذهانهم أفكار منحرفة ومزيفة، وقد تكون أساساً أحزاباً ضد الإسلام، وهذا ما شاهدناه بالفعل في بعض بلادنا"، وهذه التنظيمات تقوم على أسس صحيحة ومبادئ إنسانية وإسلامية سامية، بعيداً عن الانحرافات الفكرية والعقائدية الفاسدة التي تدمر الشباب وتحولهم الى طاقات هدامة في أي مجتمع، وقد حدد الامام الشيرازي جملة من الأمور التي ينبغي تحققها في أي تنظيم صالح منها:

1. من الضروري أن نهتم بتنظيم الشباب تنظيماً حسب الموازين العلمية والشرعية، وحسب متطلبات العصر: "فإن الشاب يمتلك أماني وطموحات وأهداف كبيرة، وهو يحث الخطى في أغلب الأحيان لتحقيقها، وكذلك عنده حاجيات ومتطلبات، يحاول ويجهد نفسه أن يقضيها".

2. يلزم أن يكون التنظيم عملياً بكل أبعاده، في خلاياه الحزبية والسياسية والثقافية والاجتماعية، فمثلاً: يلزم التأكيد على أهداف ومبادئ مهمة أكد عليها الإسلام، منها:

مبدأ الحرية، حيث قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

ومبدأ الأمة الواحدة، حيث قال سبحانه: (إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

ومبدأ الأخوة، حيث قال "عز وجل": (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).

3. يجب التأكيد على ترسيخ مبدأ اللاعنف والرفق، الذي هو من صميم الإسلام، في صفوف التنظيم وبين الشباب المسلم، فقد قال الله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

4. من اللازم على التنظيم أن يقدم للشباب قادة صلحاء فيلزم أن يكون التنظيم بيد القادة الناضجين الذين يخافون الله (عز وجل) واليوم الآخر، ويحبون الناس شيوخاً وشباباً، ويسعون في هدايتهم إلى الخير.

والتنظيم الصالح لا يأتي من فراغ او كسل او فرد، بل من العمل والجد وتكاتف المجتمع ككل من اجل النهوض وتغيير الواقع: "فإن هذا من أهم ما يلزم تأسيسه لإدارة أمور الشباب، وبذلك يتمكنون من اطراد العمل الصالح باستقامة وتقدم وعلو، فإن: (يد الله مع الجماعة)، والقوى إذا اجتمعت بعضها إلى بعض تأتي بشبه المعجز في السعة والعلو والعمق".

فاللازم على المجتمع الإسلامي أن يسعى بكل جهده للاهتمام بمتطلبات الشباب ورغباتهم المشروعة، والتي منها إيجاد التنظيمات الصالحة، إذ أن الشاب إذا لاحظ أن مجتمعه عاجز عن تلبية طموحاته وأهدافه، فربما سيقع في المحرمات والمعاصي، كالجائع الذي لا يستطيع الحصول على ما يسد جوعه، فتراه يسعى في الحصول على رغيفه حتى إذا كان عن طريق السرقة في بعض الأحيان، فكذلك الشاب لابد له من إيجاد وسائل وطرق تؤدي لحل مشاكله، وطرق تقوم بتلبية أمانيه، كي لا ينجرف إلى تيار الفساد والعصيان، وأفضل وسيلة لذلك هي التنظيم الصالح.

وكما اشار الامام الشيرازي الى ضرورة ان تكون التنظيمات صالحة لتحمي الشباب من الانحرافات والأفكار الفاسدة، فقد دعا الى الاهتمام بعقائد وقيم ومبادئ الشباب لأنها الركيزة التي يستند اليها الشباب في مختلف مراحل حياته، وبالأخص في مرحلة الشباب: "يلزم الاهتمام بعقائد الشباب ومبادئهم وقيمهم، فإن العقيدة هي التي تحمي الإنسان في مختلف المراحل الحياتية، فالعقيدة الصحيحة بشكل كامل هي الضمان لعدم الانجراف في مختلف المفاسد، أما العقيدة المنحرفة بشيء من الانحراف فبقدر انحرافها يكون لها الأثر السلبي، وإذا بقي لها نوع من الصحة فبقدر صحتها تكسب الإيجابيات، إن العقيدة الصحيحة عصمة للإنسان وللمجتمع من الانحراف الفكري والعملي، وعلى هذا فاللازم على القادة والعلماء الاهتمام بعقائد الشباب كل الاهتمام، وإلا أصبح أمرهم مبعثراً".

وحث على تعليم الشباب وتطوير مهاراتهم العلمية والعملية من اجل تحقيق التطور والرقي داخل مجتمعاتهم، فإن اجتماع الطاقات الشبابية والعلم النافع في أي مجتمع سيؤدي بالنتيجة الى تطور هذا المجتمع: "كما على الشباب الالتفات إلى ضرورة تحصيل العلم والدراسة بما للكلمة من معنى، لا كالمتعارف في هذا الزمان حيث إنهم إذا اشتغلوا بدراسة العلوم، وأنهوا الجامعة ابتدأوا الحياة تاركين التقدم العلمي وتطوير معلوماتهم أو تنويعها من دون استفادات أخرى من الـتجارب والنظريات الجديدة، لذا يلزم المواظبة على طلب العلم دائماً".

والخلاصة يمكن ان ندرك حجم واهمية الاهتمام بالشباب ورعايتهم ومساعدتهم من اجل ضمان تقدم ورقي المجتمع، وهو ما أشار اليه الامام الشيرازي ودعا الى تطبيقه بصورة عملية، ويمكن تقديم جملة من التوصيات التي من شأنها دعم هذا التوجه:

1. اشراك الشباب في دورات وورش عمل مختلفة المجالات والتخصصات العلمية والإنسانية لتطوير المهارات وخلق جيل شبابي واعي ومثقف يمكن الاعتماد عليه في قيادة البلد الى مستقبل ناجح.

2. منح الثقة الكاملة للشباب من خلال السماح لهم بتولي المناصب القيادية في المجتمع ومساعدتهم في ابراز مواهبهم وصقلها وتطويرها بالشكل الذي يخدم الصالح العام.

3. منحهم الحرية في اختيار المجالات التي يمكنهم من خلالها ان يطوروا مهاراتهم ويكتسبوا المزيد من الخبرات، وعدم تهميشهم واهمالهم وابعادهم او اجبارهم على الهجرة او البطالة وغيرها.

4. دعم ورعاية التنظيمات والمنظمات الشبابية المستقلة بمختلف مجالاتها الثقافية والرياضية والاجتماعية والفكرية...الخ، من قبل الدولة ومؤسساتها، لأنها أحد الأبواب الرئيسية التي تمنح الرعاية والدعم للشباب في تشكيل مستقبل أفضل له، إضافة الى ضرورة تشكيل الدولة لمنظمات وتنظيمات شبابية مشابه من اجل احتواء المزيد من الشباب وتقديم الدعم والرعاية لهم.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق