يعد الوعي بالمستقبل واستشراف آفاقه وفهم فرصه وتحدياته من المقومات الرئيسة في صناعة النهضة والتقدم الحضاري، فلا يمكن لأي قائد أو زعيم أو مصلح أن يبني نهضة أو يساهم في صناعة التغير إلا إذا امتلك رؤية مستقبلية واضحة المعالم والأهداف.

وقد تزايد الاهتمام العالمي بعلم المستقبل، فهو يمثل أحد العلوم المهمة في العالم المتقدم، وتسخر له الإمكانيات الكبيرة من الأموال والأجهزة والباحثين ومراكز البحوث للاهتمام بالدراسات المستقبلية.

إن من لا يملك رؤية استشرافية للمستقبل لا يعرف بصورة صحيحة كيفية التعامل مع الحاضر، ففهم الحاضر يستلزم فهم المستقبل، وبناء الحاضر يجب أن يرتكز على استيعاب آفاق المستقبل؛ فالحاضر ما هو إلا فترة عابرة للوصول إلى المستقبل الذي يجب أن يكون هو الهدف.

والإعداد للمستقبل إنما يتم في الحاضر، أما من لا يفكر إلا في اللحظة الراهنة فإنه لن يكون قادراً على التكيف مع المستقبل، كما تنبع أهمية الوعي بالمستقبل من أهمية فهم العصر الذي نعايشه، فلا يمكن فهم العصر ولغته بدون فهم المستقبل وآفاقه وتحدياته، فلكي نفهم العصر علينا فهم المستقبل الذي ينتظرنا.

وقد كان من السمات البارزة في شخصية المرجع الراحل الإمام الشيرازي هو اهتمامه بقضايا وآفاق المستقبل، ولم يقتصر هذا الاهتمام على جانب دون آخر بل شمل مختلف الحقول المعرفية والحياتية، كالفقه والاقتصاد والاجتماع والسياسة والإدارة والإعلام والتربية... وغيرها.

فقد كان الإمام الشيرازي صاحب خيال علمي واسع وتفكير مبدع، ويمتلك رؤية مستقبلية نظراً لامتلاكه مشروعاً حضارياً للأمة، فلم يكن الإمام الشيرازي مجرد مرجع تقليد فحسب، بل كان -بالإضافة إلى ذلك- صاحب مشروع فكري وحضاري، لذلك كان ينظر للمستقبل ويُنظّر له، ويجيب على تساؤلاته، وهذا يحتاج إلى متابعة حثيثة للمتغيرات الجديدة، وفهم العصر وتحولاته، والاطلاع على الدراسات العلمية والفكرية لقضايا المستقبل وشؤونه.

وعن أهمية الاهتمام بعلم المستقبل وقضاياه يشير المستقبليون الى إننا ينبغي ألا نحصر تفكيرنا بالحاضر فقط، لأن الماضي والحاضر هما وسيلتنا للمستقبل، أما هدفنا فيجب أن ينصب على المستقبل، فالماضي قد مضى وانتهى، والحاضر فترة زمنية عابرة، وكل ما نفكر فيه أو نفعله في الحاضر يمكن أن يؤثر على مستقبلنا.

وفي إشارة مهمة يبين الإمام الشيرازي أهمية علم المستقبليات بدوافع الإنسان الفطرية حيث يقول (قدس سره): ((جُبل الناس على حب الاطلاع على ما يدور فيما حولهم كما جبلوا على حب الاطلاع على أخبار الماضين)). وفي مكان آخر يخصص (رحمه الله) أهمية علم المستقبل لجهة المسلمين على إنه ((يلزم العمل على استشراف آفاق المستقبل، ورسم صورة مستقبلية لموقع البلدان الإسلامية في المحيط الاقتصادي الإقليمي والدولي، وتحديد مفهوم معين للأمن الإسلامي، وتصوير إمكان قيام السوق الإسلامية المشتركة، وما يرتبط بها من الحرية الاقتصادية، والمنافسة، والحماية، والدعم)). مبيناً (قدس سره) أنه ((يلزم على القادة الإسلاميين أن تكون لهم رؤية كاملة للمستقبل، فإن المستقبل له موازين خاصة، إذا عرفها الإنسان، عرف المستقبل، وإذا لم يعرفها، لم يعرف المستقبل، فإذا عرف الإنسان المستقبل، تمكن من أن يضع الخطوط العريضة له، لكي يأمن من النكسة والتجمد والسقوط)).

ويمكن الإشارة إلى اهتمام الإمام الشيرازي بقضايا المستقبل في جوانب متعددة، ففي الفقه الإسلامي لم يقتصر الإمام الشيرازي في موسوعته الفقهية على الأبواب المتعارف عليها في الفقه والتي تبدأ من باب (الاجتهاد والتقليد) إلى باب (الديات) بل أضاف إلى ذلك العديد من الأبواب الجديدة. والتي يتجلى فيها إبداعه الفقهي، وعقليته المبتكرة، وذهنيته الوقادة، وعلمه الواسع؛ وقد كتب كتاباً قيماً بعنوان: (فقه المستقبل) يتحدث فيه عن رؤيته الاستشرافية للمستقبل.

وتكشف هذه الدراسة عن المستقبل التي كتبها الإمام الشيرازي عن قدرته على استشراف آفاق المستقبل وفرصه وتحدياته، وعن غزارة علمه، وشمولية فكره، وفهم زمانه، ومعايشة عصره بوعي وبصيرة.

كما يُعد كتابه (ألف مسألة متجددة) أكبر دليل على خياله العلمي الواسع ومتابعته الدقيقة لآخر نظريات الخيال العلمي؛ حيث تحدث في هذا الكتاب القيم عن مسائل علمية لم يكن العلم الحديث قد تَوَصَّل إليها في ذلك الوقت، بَيْدَ أنه كتب هذا الكتاب في كربلاء مما كان مدعاة للاستغراب من البعض، ولكن الكثير مما تحدث عنه قد أصبح واقعاً الآن؛ كمسألة زرع القلب في الإنسان، ومسألة زرع الرأس في الإنسان؛ حيث توصل الطب الحديث إلى زراعته في الحيوان وربما يصل في المستقبل القريب إلى زراعته في الإنسان أيضاً. ومثل مسألة الاستنساخ البشري، ومثل مسألة: لو خرج مخلوق نصفه إنسان ونصفه حيوان، وقد تحدثت الصحف قبل فترة يسيرة من الزمن عن تحقق ذلك. ومثل مسألة الوصول إلى القمر، والصلاة والصيام هناك حيث كان يرى البعض استحالة ذلك!!

لقد واكب الإمام الشيرازي قضايا العصر، ومشكلات الحاضر، وتحديات المستقبل؛ وهذا ما جعله يعالج في موسوعته الفقهية حتى القضايا الافتراضية في جميع أبواب الفقه، والتي تحول بعضها من مجرد افتراضات إلى حقائق علمية، وبعضها الآخر لا يزال محل بحث علمي، فكان (رحمه الله) صاحب خيال علمي واسع ورؤيهَ مستقبلية نافذه؛ إذ كتب في الافتراضات العلمية التي كانت بعيدة عن الأذهان في ذلك الزمان إذ كتبها وهو لا يزال في كربلاء في ستينياتِ القرن الميلادي الماضي وناقش بعض الافتراضات التي لم تصبح بعد حقيقة علمية وأعطى رأيه الشرعي حولها؛ كالمعدة المطاطية، وإمكانية إيقاف الشمس، وتقريب القمر إلى الأرض أو تبعيده عنها، وتحويل الدم إلى لبن، أو تغيير لونه إلى اللون الأزرق أو الأخضر، وحكم لبس النظارة التي ترى ما وراء الأشياء، وحكم إرجاع البالغ طفلاً أو جعل الطفل بالغاً، وتسريع العمر وإبطاؤه، وبناء المساجد المتحركة في الفضاء...وغير ذلك كثير.

وفي الجانب السياسي تنبأ الإمام الشيرازي بأمور كثيرة مستقبلية وقد تحققت بالفعل فيما بعد، فنراه يكتب كتاباً بعنوان (العراق ما بعد صدام) قبل سقوطه عام 2003م، في حين أن الإمام الشيرازي توفي سنة 2001م، وكتب كتاباً آخر بعنوان: (إذا قام الإسلام في العراق) وغيرها من الكتب التي تتحدث من مرحلة ما بعد نظام البعث في العراق.

وفي الجانب الاقتصادي ينظر للمستقبل، ويعطي أفكاراً مهمة لذلك، فقد كتب كتاباً بعنوان: (ما بعد النفط) للحديث عن مرحلة ما بعد نضوب النفط، وما يجب عمله الآن من أجل المستقبل الاقتصادي.

وفي الجانب الفكري والثقافي نرى للإمام الشيرازي الكثير من الكتب التي تتحدث عن التغيير الاجتماعي وصناعته، ونهضة المجتمع وتقدمه.

وفي الجانب الإعلامي عندما بدأ البث الفضائي للقنوات التليفزيونية فكر في تأسيس قناة فضائية إسلامية، ووجه بعض أصحابه بالعمل من أجل ذلك، لما للإعلام من تأثير في صناعة الرأي العام، والتأثير في الناس، وهذا ما حدث فعلاً، فتم تأسيس قناة الأنوار الفضائية، وكانت أول قناة فضائية تابعة لمرجعية دينية، حيث بثت بعد وفاة الإمام الشيرازي بفترة قصيرة، وتتالت بعدها عدة قنوات.

كما كتب الإمام الشيرازي عدة كتب عن الإعلام وأهميته وضرورته لنشر الإسلام، وتعريف العالم به، والتأثير في صناعة الرأي العام، فكتب (قدس سره) كتاباً قيماً ومفيداً بعنوان: (الإعلام والرأي العام).

وخلاصة القول: إن الإمام الشيرازي كان صاحب رؤية مستقبلية، وكان يستشرف آفاق المستقبل وفرصه وتحدياته، وكان يعمل للمستقبل لأنه يبقى الهدف الأهم لتحقيق ما تصبو إليه المرجعية الدينية الرشيدة.

* كلمة القاها العلامة الشيخ الدكتور عبدالله اليوسف (وكيل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي) في الحفل التأبيني الذي أقامته مؤسسة أبي طالب (ع) العالمية، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل المرجع الديني الراحل الإمام المجدد سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

اضف تعليق