إسلاميات - الإمام الشيرازي

كيف تزجّ طاقتك في البناء وليس الهدم؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(طاقة الإنسان الخلاقة أما أنْ تخلقَ الحياة، وأما أنْ تخلق الدمار)

الإمام الشيرازي

كل الكائنات على وجه الأرض، خُلِقت معها طاقاتها، فليس هناك كائن يخلو من هذه الميزة، فالنبات ينمو ويورق ويثمر، والحيوان ينمو ويتناسل وينتج، والإنسان أيضا له طاقاته المعروفة على المستويين الفكري والفسيولوجي، لكن يوجد فارق بين طاقات الإنسان من جهة، وبين طاقات النبات والحيوان من جهة أخرى.

الحيوان والنبات يفتقدان للعقل، وهذا النقص يحرمهما من التحكم بما يمتلكانه من طاقات، على العكس من الإنسان الذي وُهِب العقل، فصار قادرا على التحكم بتوجيه طاقاته، وإمكانية أن يستثمرها بما يصبّ في صالحه وصالح المحيط الذي يتحرك وينشط فيه، هذه الميزة بالذات جعلت الإنسان سيدا على الكائنات الأخرى (النبات والحيوان)، وسيدا على نفسه أيضا.

الإنسان قد لا يستخدم طاقاته بالطرق السليمة، وفي هذه الحالة، سوف تصبح وبالا عليه، بمعنى من غير الممكن تجميد الطاقة التي يمتلكها الإنسان، كونها غير قابلة للسكون أو التحييد، فهي متحركة منتجة من المحال تثبيتها أو حصرها في منطقة اللا حركة، حتى حين ينعزل الإنسان وينأى بنفسه عن الآخرين لأي سبب كان، فإن طاقاته لا تمكث ساكنة، ولا تقبل التجميد.

لهذا السبب عندما يلجأ الإنسان إلى العزلة القطعيّة عن الناس، فإنه يغامر بمواجهة طاقاته وجها لوجه، وسوف يكون أمام خطر توجيه طاقته بالشكل الصحيح ومنحها الحصانة عن الانحراف، ومحاربة النفس وتحجيمها، من خلال حمايتها من الاندفاع نحو علاقات منحرفة، لابد أن تنتج كرد فعل تجاه الانعزال، وما ينتج عنه من تداعيات اجتماعية خطيرة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة):

(إن الانعزال يزيد الإنسان انكماشاً حول نفسه، كما أن العلاقة المنحرفة سوف تسبب له عطباً وانحرافا).

لهذا السبب على الإنسان أن يعي طاقاته المخزَّنة في ذاته، ونعني بالطاقات هنا بشقّيها الفكري المعنوي من جهة، والعضلي من جهة أخرى، فالخطوة المهمة التي ينبغي على الفرد مراعاتها، كي يستثمر طاقاته في محلّها الصحيح، هي أن لا يحبس طاقاتهُ ولا يكبحها، وفي نفس الوقت لا يصح أن يُطلق لها العنان بعبثية وانحلال، إنما عليه أن يعرف كيف يتعامل مع طاقاته بشكل متوازن.

استحالة كبت طاقات الإنسان

الاعتدال والعقلانية هنا يلعبان دورا هامّا في قضية استثمار الطاقة الخلاقة لدى الإنسان، فالنقطة الأولى التي يجب أن يستوعبها الإنسان، هي استحالة كبت الطاقة، لأن الكبت والكبح سوف يؤدي بالنتيجة إلى الانفجار ومن ثم الذهاب في مسارات لا تسرّ أحداً سوى الأعداء أو المناهضين، فالفرد هو خلية المجتمع، وهدر طاقاته أو حرْفها عن الجادة الصواب، خسارة للمجتمع والفرد معا.

لذا عليك كإنسان يعي طاقاته، أن تعرف طاقاتك أولا، وأن تخطط بشكل جيد وسليم، لكيفية استخدامها، فإن نجحت في ذلك، إنما أنت تضيف علوّاً وقوة ومتانة للمجتمع، وإن حدث العكس، ولم تستطع صرف طاقاتك بطريقة صحيحة ومناسبة، فإنها سوف تنفلت من عقالك، وتتمرد على حصارك، وربما يكون طريقها الدمار والانحراف، لأن الطاقة في نهاية المطاف فعلٌ غير قابل للسكون.

الإمام الشيرازي يؤكد هذه النقطة فيقول:

(إن الإنسان إذا لم يصرف طاقته الخلاقة في البناء، لابدّ وأن يصرفها في الهدم، سواء في هدم نفسه أو هدم مجتمعه).

لا يستهِن الفرد بطاقاته المتنوعة، ولا يجب أن ينظر إليها باستخفاف، هذه هي النقطة المهمة الأخرى في كيفية استثمار الطاقات البشرية، فمن يستهين بطاقاته لا يمكنه الوثوق بنفسه، وبالتالي سوف يُصاب بالتردّد، وعدم القدرة على الإقدام في استثمار طاقاته، كونه يعجّز نفسهُ قبل أن يبدأ.

هذه مشكلة يعاني منها العاجزون، لكنهم في نفس الوقت، لا يدركون أن الإحجام عن استثمار الطاقات بشكل جيد، سوف ينتهي إلى الضد من ذلك، أي أن الفرد الذي لا يستثمر طاقته بشكل جيد، سوف لن ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل سوف تنحرف الطاقة إلى منحىً لا يخدم المجتمع، ويضرّ بالفرد نفسه، فيتم هدر الطاقة في الاتجاه المضاد للبناء.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه ذلك: (إن الإنسان بفطرته خلاق، وهذه الطاقة الخلاقة أما أن تخلق الحياة، وأما أن تخلق الدمار، لذا فالحياة التي تصنعها طاقة الإنسان، أما أن تكون حياة مستقيمة، أو حياة منحرفة).

ويضيف الإمام أيضا: (إن الإنسان المنعزل يستهلك طاقته في الانعزال واجتناب الناس، مما يسبب له الدمار).

خطوات لاستثمار الطاقات الإيجابية

من الخطوات الأخرى التي يجب أن يتَّبِعها الفرد، كي يصرف طاقاته كما يجب، عدم السقوط في فخ التناقض الداخلي والخارجي، بمعنى عليه أن يتحاشى - ما أمكنهُ ذلك- حالة التناقض بين ما يعيشه وما يؤمن به، هذه الازدواجية تحيل حياة الفرد إلى ضنك العيش، لأن ما يؤمن به شيء وما موجود في محيطه شيء مختلف.

كيف يمكن أن يتحاشى ذلك، حتى لا يكون ضحية التناقضات الداخلية والخارجية، لابد أن ينمّي في داخله الثقة بالنفس، والإيمان الذي سوف يساعده على العقبات التي يصنعها الخارج، كالنزعات المادية الاستهلاكية التي تطيح بالنفوس الضعيفة، أما من يمتلك السيطرة على داخله، ويمنع النفس من الانحدار، فهو الإنسان الذي يمكنه الموازنة والمواءمة بين داخله وخارجه.

في حالة عجز الفرد عن إنجاز هذا النوع من التوازن، فإنه سوف يتعرض لضنك العيش، لذا عليه أن يبادر باتخاذ الخطوة التي تنقذه من هدر طاقته، وعدم تمريرها باتجاه سلبيّ، لأن الطاقة الإيجابية إن تم حجْرها وتحجيمها، فإنها لن تبقى في حالة كمون، بل تتحول إلى طاقة سلبية مدمِّرة.

بالنتيجة سوف تحيل حياة الفرد والمجتمع إلى نوع من العيش المعمَّد بالفقر، كنتيجة حتمية لعدم استثمار الطاقة الإيجابية الخلاقة كما يجب، لذلك على الفرد أن يكون حريصا أشد الحرص على صنع حالة الانسجام الداخلي الخارجي، لأنه بخلاف ذلك سوف يُعاني من شظف العيش شاء أم أبى.

الإمام الشيرازي يؤكد هذا في قوله:

(يُبتلى الإنسان في الحياة بضنك العيش لأن داخله شيء وخارجه شيء آخر، فهنالك تمزق وانفصام بين الداخل والخارج).

حتى حالات الانتحار التي يُقدم عليها بعض الأفراد، هي نتيجة للطاقة المتأججة في أعماق الإنسان، فإن لم تجد ما يمتصها ويستوعبها، وإن فشل حاملها من إدارتها بطرائق إيجابية، فإنها سوف تنتهي به إلى ما لا يُحمَد عقباه، حيث يتربّص به الفعل السلبي، فيأخذ به إلى هاوية الانتحار.

النقطة الأهم التي يجب على الفرد التمسك بها، هي النأي بنفسه عن مشكلة قمع الطاقة، أو تحريكها في مسارات سلبية، وهو قادر على ذلك، إذ ينبغي عليه إنعاش الطاقة الخلاقة الإيجابية وليس العكس، من خلال زيادة الوعي والإيمان، والتمسك بالقيم الإنسانية النبيلة، والنظر إلى حياته على أنها رسالة أخلاقية يجب أن ينجح في توصيلها إلى الجميع على شكل طاقة إيجابية مذهلة.

يقول الإمام الشيرازي:

(ما نلاحظه من حالات تمنّي للموت أو الانتحار لدى بعض الناس، فإنما مبعثه النفس الخلاقة، لان ذلك الخلق قد يكون خلقاً للفناء والدمار فيما إذا انتحر انتحاراً محرّماً، أو تمنى الموت وهو لا يعتقد بالآخرة، وأما أن يكون خلقاً للحياة والاستقامة).

وهكذا يمكن للإنسان أن يجنح إلى النشاط الإيجابي، ويبتعد عن كبح أو تحجيم طاقاته، كونه العنصر الأساس في بناء القيم النبيلة، فضلا عن كونه المنتِج الرئيس ماديّا، وعليه يعتمد الخط البياني للنمو والضمور فيما يتعلق بتقدم أو تراجع الدولة والمجتمع، هذا هو دور الفرد إزاء الآخرين، بالإضافة إلى مسؤوليته تجاه شخصه وذويه، فهو المرتكز والمقوِّم الذي يعوَّل عليه في استثمار الطاقات الإيجابية.

انقر لاضافة تعليق
Layla omar
لبنان
مقال رائع جدا .توظيف طاقات الانسان في أمور نافعة هو مدام لبناء شخصية مستقلة قادرة على صنع فرق في اي مجال ..ومواضيع الصفحة بشكل عام قيمة بوركت جهودكم2020-11-21

مواضيع ذات صلة

11