ركز الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) خلال مسيرة حياته الحافلة بالعطاء على جملة من الأهداف التي ذكرها في مؤلفاته ومحاضراته ودروسه وفي مواسم الحج والزيارة ليثبتها كثقافة عامة داخل المجتمعات الإنسانية، ومن هذه الأهداف كانت:

1. تطبيق الشورى.

2. إطلاق الحريات الإسلامية.

3. الأمة الواحدة والإخوة الإسلامية.

4. السلام والتقدم والتطور والرفاه.

5. تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولم يكن المرجع الشيرازي (رحمه الله) يقصر هذه الأهداف على المجتمعات الإسلامية فحسب، بل أرادها ان تشمل جميع المجتمعات الإنسانية في العالم، لان رسالة الإسلام عالمية وغير محدودة المحتوى، لذلك تجد ان الامام الراحل كان ينادي بالشورى والاستشارية (الديمقراطية) والاخوة والحريات والسلام والتقدم والرفاه لكل البشرية وانما كان يخص المجتمعات الإسلامية بالحث على تطبيقها لأسباب منها:

1. ان الوحي نزل على نبيهم محمد (صل الله عليه واله وسلم) ووصفهم بأنهم (خير امة أخرجت للناس) لذلك فهم أولى من غيرهم بالأخذ بتعاليم الدين الحنيف ووصايا رسول الله وال بيته الكرام (عليهم السلام) لان لهم قدم السبق في هذا المجال.

2. الواقع المرير الذي يعيشه العالمان (العربي والإسلامي) من تفشي الجهل والتخلف وانتشار الفساد والظلم وسيطرة المستبدين والدكتاتورية على اغلب أنظمة الحكم في تلك الدول بواجهة وأحزاب إسلامية تمسكت بالقشور وتركت لب الإسلام الحنيف.

3. غالباً ما يقارن الامام الراحل طبيعة الأنظمة الغربية (رغم المأخذ والعيوب الكبيرة التي سجلها عليها) بطبيعة الأنظمة العربية والإسلامية في مجال الحريات العامة والاستشارية والشورى وطبيعة الحكم والشفافية والرفاه والتقدم والسلام ويتأسف لمقدار الهوة الواسعة بين الطرفين.

4. العودة الى الجذور والارث الحضاري والفكري والثقافي الراقي للإسلام وترك رواسب الجهل والتخلف التي فرضتها عليهم قرون من الاستعمار والسلطة الغاشمة وتعاقب الأنظمة الفاشلة في الحكم خصوصاً وان هذا الإرث جاء نتيجة لتجربة ثرية في التطبيق بدأها رسول الله (صل الله عليه واله وسلم).

ومن بين أكثر ما حث عليه الامام الراحل في اغلب توصياته ونصائحه (التي ذكرناها سابقاً) للامة والعالم هو تطبيق "الشورى" التي اعتبرها اهم مفاتيح التقدم والرفاه والسلام لكل المجتمعات البشرية على وجه العموم، والحل الأمثل لمشاكل الامة الإسلامية على وجه الخصوص، لكن قبل الاسترسال فيها علينا تثبيت بعض النقاط حتى لا يساء فهم الشورى وتطبيقها:

1. الشورى هي أسلوب حياة يعتاد على ممارستها الصغير قبل الكبير لتشكل بذلك نواة المجتمعات الاستشارية التي يسودها العدل والحرية والانصاف واللاعنف.

2. الشورى جاءت للقضاء على الاستبداد والدكتاتورية وليس لتكريسهما داخل المجتمعات، لأنها تركت حرية الاختيار لهذه المجتمعات في الاختيار ورفض جعلها منقادة للحاكم المطلق.

3. ان "شورى الفقهاء" لا تعني بالضرورة استئثار فرد او مجموعة افراد بالحكم، وانما هي طريقة لتقديم النصح والإرشاد من اهل الحكمة والمنطق للمجتمع والحاكم مع التشديد على احترام القانون والنظام وتطبيق العدالة على الجميع.

4. ان الحرية والانتخابات والأحزاب والعدالة والاستشارية هي من اساسيات الشورى ودعاماتها الرئيسية عند الامام الراحل، لأنها ببساطة جاءت لرفض الاستبداد والتسلط والدكتاتورية.

ان هدف الشورى هو الوصول الى المجتمعات التي تسود فيها الاستشارية "الديمقراطية" لتكون هي الفيصل والحكم بين الجميع والتي ينظر اليها المرجع الشيرازي (رحمه الله) باعتبارها المجتمعات: "الذي تربط أفراده علاقات روحية متبادلة، سواء العلاقات بين أعضاء الحكومة، أو بين الحكومة والشعب، أو بين الشعب والحكومة، في إطار الواقعية والعقلانية، وبذلك سيكون الحكام على مستوى راق من الشعور بالمسؤولية، وبالمقابل سيدعم الشعب الحكام باستمرار دون الالتجاء إلى العنف".

وهذا الامر يفرض على من اسماهم المرجع الراحل "العاملين في سبيل الله" بمختلف عناوينهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية والثقافية جملة من الأمور لخصها بقولة (رحمه الله): "ينبغي على العاملين في سبيل الله اعتماد الشورى في كل صغيرة وكبيرة ترتبط بالبلاد والعباد، وتحكيم علقة الأخوة بين أفراد المجتمع، والمساواة أمام القانون، وتوفير الحريات بين الناس، وجعل ميزان التفاضل هو التقوى والفضيلة، وتعميم العطف والرحمة، والتعاون والخدمة، واحترام العقل والعقلاء والفكر والمنطق".

لم ينكر المرجع الراحل (رحمه الله) صعوبة تطبيق الشورى (خصوصاً في مجتمعات تعودت على الاستبداد والحاكم المطلق)، لكنها لم يصفها يوماً بالمهمة المستحيلة: "الشورى وإنْ كانت مسألة معروفة وسهلة التصور، إلا أن تحققها صعب ويحتاج إلى جهود كبيرة، ولكنها ممكنة وبملاحظة تحققها -ولو نسبياً- في إدارة بعض الدول في عالم اليوم تتوضح المسألة بشكل أكثر"، لذلك هي تحتاج الى التضحية والصبر على صعابها حتى يتحقق النجاح بتجاوز جميع عقباتها والوصول الى المجتمعات "الاستشارية" من خلال تطبيق "الشورى" التي وضع لها الامام الراحل مجموعة من المؤشرات التي يمكن من خلالها معرفة التطبيق الحقيقي من الشكلي للشورى منها:

1. "يلزم أن يتم انتخاب الحاكم الإسلامي أو شورى المرجعية للمجتمع الإسلامي عبر انتخابات حرة يحق للجميع المشاركة فيها، الصغار والكبار، الرجال والنساء".

2. "إذا أردنا أن نعرف حقيقة الحريات التي تعيشها الأمة، ننظر إلى أنه هل الأمر بينها شورى في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، من شورى المرجعية مثلاً في البلاد الإسلامية إلى الشورى في سائر مرافقها الحيوية".

3. "إذا لم تكن شورى المراجع ولا الأحزاب الحرة، فإن القدرة ستجتمع في مركز واحد".

4. "ينبغي أن يكون الأمر شورى، فلكل فرد رأي يؤخذ به، لكيلا يكون استغلال ينتهي إلى التشتت والاضمحلال، أما أن يقول أحد: إني أكثر فهماً فلي حق القرار، أو يقول: أني أعمق في الرؤية المستقبلية، ولي حق أخذ القرار في هذا الموضوع أو ذاك، فهذا هو الاستغلال بعينه".

5. "إذا لم يتعود الإنسان من صغره على التشاور في أموره، لم يتمكن أن يلتزم بقانون الشورى فيما يخص الأمة في كبره".

لقد شخص المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي المشكلة الرئيسية لظهور الدكتاتورية والاستبداد داخل مجتمعاتنا بوقت مبكر عندما قال: "من أسباب ظهور الديكتاتوريات في واقع بلاد المسلمين هي عدم تطبيق قانون الشورى في الحياة اليومية، الفردية والعائلية"، وبذلك يكون قد وضع اللبنة الأولى في طريق التصحيح والنهضة للتغيير التي ينبغي ان تشمل جميع مناحي الحياة لتصحيح المسار والتي تنطلق من الفرد والعائلة وصولاً الى المجتمع والأمة، على ان تكون هذه الرغبة حاضرة لدى الجميع من دون استثناء، وبذلك يمكن تحقيق النجاح في الوصول الى الغاية التي نزلت من اجلها الأديان السماوية في تحرير الانسان من قيود التخلف والظلم والاستبداد وتوفير الرفاه والاستقرار والسلام.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

..................................
المصادر
- عاشوراء والقرآن المهجور/ محمد الحسيني الشيرازي.
- موجز عن النهضة الحسينية/ محمد الحسيني الشيرازي.
- ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين/محمد الحسيني الشيرازي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13