إن مثل هذا التأريخ النابض الذي روّته هاتان المملكتان الشيعيتان بدمائها وأضاءته بأرواحها هو التأريخ الحي الذي لا يمكن أن يموت أبداً مهما تقادم عليه الزمن، فهو يأخذ الأجيال إلى طريق الحرية، ويلهمهم معنى العقيدة والكرامة، وهو يفوق معنى (الماضي) لما جسده من أهداف وتضحيات ومعان سامية.

يقول الكولونيل (بحروم رانكوتي) في مقدمة كتبها لكتاب (الشيعة) الصادر عام (1965): (إن هناك فترات مظلمة من التاريخ في جاوا وسومطرا ومالايا ولا يمكن إزالة هذه الظلمة إلا بتحقيق ودرس حاملي التشيع في القرون الماضية).

ويقول الأستاذ (حزيرين) في مقدمته لنفس الكتاب: (إن الاطلاع على ما يتعلق بالشيعة ليس فقط مهماً جداً لمعرفة كل ما يتعلق بالإسلام، بل إن التاريخ الإسلامي وازدهاره وتطوره مرتبط بالشيعة ارتباطاً مباشراً).

إن في رصد خطوات هذا التطوّر والازدهار الذي تحقق على يد الشيعة في تلك البلاد تلوح لنا أحداث وملامح واسماء وتضحيات وبطولات وصفحات مشرقة لأولئك الرجال العظماء الذين وضعوا بأيديهم نواة هذا التطور، وأقاموا بتضحياتهم سلم الرُّقي، وعبَّدوا الطريق للأجيال بدمائهم من أجل أن تبقى راية الإسلام خفاقة في ربوع تلك البلاد.

من أبرز تلك التضحيات ما قدمه شعبا تلكما المملكتين من الدماء والأرواح في سبيل الدين وثمناً للحرية، ففضلوا الموت (قاهرين) على الحياة (مقهورين)، واقتدوا بسيد الإباء وأبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) في رفضه وإبائه للباطل، وحققوا باسمه الفتح كما سبقهم (عليه السلام) إلى ذلك بانتصار الدم على السيف، والإسلام على الكفر، والحق على الباطل، ورفضوا أغلال العبودية والاحتلال كما رفض (عليه السلام) الخضوع للظالمين بقوله: (إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما).

الموت ولا العبودية

كانت هاتان المملكتان ــ توندو وباسيج ــ إلى عام (1571م) تمثلان العاصمة الفلبينية (مانيلا) ـ الآن ـ قبل أن يدخلها الغزو الأسباني المشؤوم الذي هدَّدها بالإبادة الكاملة إذا لم تخضعا له حكماً وديناً، ولكن المسلمين الشيعة فيهما لم يخضعوا لهذا التهديد، وعبروا عن رفضهم وتحدِّيهم له، وتأهبوا للدفاع عن أرضهم ودينهم وعلت صيحات التكبير في رسالة تحدِّي واضحة رغم قلة إمكانياتهم وأسلحتهم وعددهم مقارنة بالغزو الأسباني، فشن الأسبان عليهما حرب إبادة جماعية أبادوا فيها كل من في المملكتين عن آخرهم، ولم يبق فيهما إنسان أو كائن ذو روح يتنفس!!

وصول الإسلام إلى الفلبين

تُشير المدوَّنات التاريخية في الشرق الأقصى (الهند والصين وأندونيسيا والفلبين وجزائر سليمان) إلى أن وصول الإسلام وانتشاره في هذه البلاد كان على يد الأشراف العلويين المنحدرين من سلالة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، والذين هربوا من بطش السلطات الأموية والعباسية والسياسات التي تابعتها على نهجها في حرب الشيعة، فوصل العلويون وأتباعهم إلى تلك البلاد بعد رحلات طويلة شاقة تحفُّها المخاطر، وانتشروا في أرجاء الجزر والبلاد وأسَّسوا الممالك وأقاموا فيها حضارات مزدهرة.

ويحتفظ الكثير من أهالي تلك البلاد بشجرة أنسابهم والتي تنتهي أغلبها إلى السيد أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والمعروف بـ (أحمد المهاجر) (273ـ345هـ)، وهو جد السادة بحضرموت فهاجر أولاده وانتشروا في تلك البلاد حاملين معهم الإسلام لنشره والدعوة إليه أينما حلوا، يقول المستشرق الفرنسي جبريل فيزان وهو متخصص بالدراسات الكثيرة والشهيرة عن تلك البلاد: (إن كثيرا من أهالي البلاد يحتفظون بكتب خطية عربية متناهية في القدم يحاولون بها إثبات انتسابهم ليس إلى مكة المكرمة فحسب وإنما إلى بيت النبوة أيضاً)

وتجدر الإشارة إلى أن هناك رحلات كثيرة إلى تلك البلاد قام بها العلويون قبل أن يولد السيد أحمد المهاجر، فقد بدأت هذه الرحلات في العصر الأموي ولكن كان لأولاد السيد أحمد المهاجر وأحفاده الأثر الكبير والنفوذ الواسع في أوساط المجتمعات التي وصلوها ونقلوا إليها الإسلام وأسَّسوا فيها الممالك الإسلامية.

أولى الرحلات

وتشير التواريخ إلى أن بواكير هذه الرحلات كانت في العصر الأموي، وكثرت في أيام الحجاج الثقفي عندما كان والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان، وتعد فترة حكم الحجاج من أقسى الفترات التي مرت على الشيعة فهرب الكثير منهم من ظلمه وبطشه وسطوته.

يقول شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابى طالب الدمشقي المعروف بـ (ابن الربوة) في كتابه (نخبة الدهر في عجائب البر والبحر) (ص132) عند ذكره جزائر (السيلا) ـ الفلبين ـ : (دخلها قوم من العلويين لما فروا من بني أمية فاستوطنوا وملكوا وماتوا بها، وإن جزيرة صبح كانت تعرف بالعلوية). كما أشارت جميع تواريخ تلك الجزر إلى وصول الإسلام إلى أرضهم بنفس الطريقة.

يقول المؤرخ الأندونيسي محمد تمين أستاذ الدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي في جامعة جاكارتا في محاضرة له ألقاها في الندوة التاريخية في ميدان سومطرا الشمالية: (إن الأشراف العلويين انتشروا في كامبودجا والصين وسيام وغيرها....) ثم يقول عن تأسيس الممالك من قبل العلويين: (إن أول مملكة إسلامية هنا يرأسها شخص يلقب بلقب شيخ كانت بأيدي العرب من العلويين)، ويقول نور الدين عوفي عن وصول وانتشار الإسلام في الصين: (إن الأشراف العلويين هربوا إلى بلاد الصين ونشروا الإسلام بها).

وقد أكد المستشرقون أيضاً هذه الأقوال في كتبهم، فقد أكدها المؤرخ الهولندي سبات في كتابه: (الإسلام في الهند الهولندية): والهولندي (فرين ميس) في كتابه: (تاريخ البلدان الجاوية) ومواطنه (بيخمان) وكذلك (فن دن بيرخ) في كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الجزائر الهندية) والصادر باللغة الفرنسية حيث يعزو سبب نجاح انتشار الإسلام في تلك البلاد إلى كون الدعاة هم من السادة الأشراف من ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) فيقول: (إن نجاح الدعوة الإسلامية في جاوا كان لأن الدعاة كانوا من ذرية النبي)

سيلي (الفلبين)

ومثلما وصل الإسلام إلى جزر الهند وأندونيسيا والصين وجاوا عن طريق العلويين فقد وصل إلى الفلبين بنفس الطريقة، وقد كتب الدكتور فيصل السامر مقالاً تحت عنوان: (الأصول التاريخية للإسلام في أندونيسيا) نشرته مجلة الأقلام (ج7 آذار 1969) استعرض فيه وصول الإسلام إلى جزر أندونيسيا وجاوة وانتشاره فيها عن طريق العلويين الفارين من ظلم الأمويين والعباسيين فيقول عن وصول الإسلام إلى الفلبين: (أما جزر الفلبين فقد دخلها قوم من العلويين أيام الخلافة الأموية فاستوطنوا وملكوا وماتوا بها.....).

ويقول الأستاذ نجيب صليبي في كتابه: (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم) والمطبوع في مانيلا (1905): (إن مجيء الإسلام إلى الفلبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر).

الشريف حسن بن علي

عندما استقر العلويون في جاوا بدأوا ببث الدعاة إلى الجزر لنشر الإسلام وتوسيع نطاق الدين في تلك الجزر وكان ممن دخل أرض الفلبين لهذا الغرض أحد الأشراف العلويين وهو حسن بن علي الذي ينتهي نسبه إلى السيد أحمد المهاجر.

يقول الأستاذ نجيب صليبي في كتابه: (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم) والمطبوع في مانيلا (1905): (إن مجيء الإسلام إلى الفلبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر، وقد عمل هذا العلوي على نشر الإسلام أول الأمر في جزيرة (يوايان) الفلبينية فأسلم ملكها على يديه وانتشر الإسلام في ميندانو، ومقيدانو، وسيبو، وسولو، وكوتوبارو، وتمبارو، وليبونغن، وباكمبيان).

ويفصّل صليبي عملية دخول الإسلام إلى تلك الجزر بالترتيب ثم يشير إلى أن الشريف حسن بن علي هو أول من علم أهل تلك المناطق الكتابة بالعربية.

أما عن آلية الدعوة إلى الإسلام وطريقة نشره في تلك البلاد من قبل الدعاة ومنهم السيد حسن بن علي فيقول هاراهاب: (يمكنك أن تعرف الطريقة للدعوة في الفلبين التي اتخذها الدعاة لتعريف دينهم للأهالي وهي أنهم كانوا يستعملون لغة الأهالي وتقاليدهم ويخالطونهم حتى تمكنوا أخيراً من تكوين صلات وثيقة معهم....)

فكان لهذه الطريقة السلمية أثرها الفاعل والكبير في إسلام الكثير من أهالي تلك الجزر يقول آرنولد: (لقد انتشر الإسلام بصورة عجيبة، نشره الدعاة ولم ينالوا حظاً من مساعدة الملوك، بل اعتمدوا على القوة الكامنة في نفس العقيدة...)

تأسيس الممالك

وصل المسلمون الشيعة إلى (سيلي) الفلبين عن طريق سومطرة، وكانت تعرف باسم (سيلي) فغير اسمها الأسبان إلى الفلبين لأنها اكتشفت في عهد ملكهم فيليب الثاني، وقد جاء في مجلة العربي الكويتية في العدد (95) ما نصه: (لكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى الفلبين وكانت إذ ذاك تعرف باسم (صولو) قبل ذلك بمئات السنين... وتقول بعض كتب التأريخ إن بعض العلويين استوطنوا (سيلي) أو (صولو) وتناسلوا وملكوا عليها وماتوا بها، ويقول بعض المؤرخين: إن المسلمين نزلوا أول ما نزلوا في سومطرة ومنها إلى (سيلي).

ويعود تأسيس أول مملكة إسلامية في الفلبين إلى عام (1380م) وكانت مملكة شيعية كما يذكر ذلك الأستاذ عبد الباقي أبو بكر في مقال له في (جريدة أخبار العالم الإسلامي) في العدد الصادر في آذار (1973)، وجاء في (تاريخ الأنساب السلطانية) في (سولد): (أن زين العابدين وكان من العلويين تزوج بنت سلطان جمهور وأنجب منها ثلاثة أولاد أسسوا فيما بعد ثلاث سلطنات إسلامية في (سولو) ـ الفلبين ـ وفي بروني في جزيرة بورنيو وفي كوتاباتو وفي مندانا في الفلبين) ويتوسع الدكتور نجيب صليبي في سرد تفاصيل إقامة هذه الممالك في كتابه (دراسات في تاريخ المورو) (ص150 ـــ 159) حيث يذكر سلسلة نسب الشريف السيد زين العابدين التي تعود إلى السيد أحمد المهاجر وإنه تزوج من (جاسول أسكين) ابنة السلطان اسكندر شاه ونشر الإسلام في ماكيندانو، وقد ولدت كريمة السلطان له أول أولاده الذي لقب (شريف كبونغسوان) محمد وولد لكبونغسوان ولد اسمه (سمبكن) وبنت تسمى (مزاوانغ).

وقد اعتمد صليبي في كتابه على مخطوطة مخزونة في خزانة الرئيس (مستورا ماكيندانو) والتي تضمنت رحلة الشريف علي زين العابدين من جمهور إلى ميندانو ووصوله إليها على ظهر سفينة مع عدد من الملايو فاستقبلهم أهل ميندانو استقبالاً حافلاً، ولم يكد زين العابدين يستقر في ميندانو حتى بدأ يدعو رؤوس الناس والأمراء إلى الإسلام فأسلم الناس على يديه.

ثم تروي المخطوطة نسب كبونغسوان (الشريف محمد بن علي زين العابدين) وسلسلة السلاطين الذين أسسوا الممالك في الفلبين من ذرية زين العابدين حيث يذكر صليبي أسماء أحفاد (ذلك الداعي ـ زين العابدين ـ الذي صار أبناؤه ملوكاً)، ويذكر أسماء من حكموا (يوايان) من أولاد السلطان (بولواك فقيه مولا) وباقر الدين أخيه من ذرية الشريف محمد الذي حكم أولاده وأحفاده سيبو وسولو وكوتابارو وتمبا وليمبوغن وباكمباين وبوانسا وباسيلان وزامبوكا وغيرها.

المورو

يطلق هذا اللقب على مسلمي الفلبين، وتشير المصادر إلى أن أصله من الأندلس، فقد أطلق الأسبان على من لم يهجر الأندلس بعد سقوط غرناطة اسم (موريسكو) والذي أطلق أيضاً على المسلمين الأسبان، ثم أطلقه الأسبانيين على المسلمين في الفلبين، كما أطلق على مسلمي أفريقيا الشمالية الغربية.

ويذكر فيليب حتي في كتابه (العرب) ص (97): (إن هذا اللقب أطلقه الأسبان على مسلمي الفلبين عندما وصل ماجلان إلى هذه الجزر سنة (1521م)، وذلك لأنهم رأوا بها عرباً ومسلمين في جزيرة سلدونغ (لوزون ألان) في عهد راجا سليمان حاكم مانيلا ابن أخت حاكم توندو).

تحالف الممالك في مقارعة الإحتلال

وكان لأولاد السيد زين العابدين وأحفاده ـ أمراء الممالك ـ تاريخ كفاح طويل في مقارعة الاحتلال الأسباني والهولندي والبريطاني والأمريكي حيث كانوا يمدّون يد العون فيما بينهم للدفاع عن الدين والأرض، وقد عزَّزت وشائج القربى والمصاهرة بينهم من توحيد كلمتهم وتظافرهم وتكاتفهم وهدفهم في مقارعة المحتل وطرده.

وينقل الدكتور صليبي في (دراسات في تاريخ المورو) عن هاراهاب ما مضمونه: (وبعد حرب الأسبان وأمريكا استقل المسلمون في ميندانو وصارت لهم ملجأ وكذلك الحال في جزائر سولو بعد أن وقعت تحت حكم الأسبان من عام (1878م)، وكان أهالي جزائر الملوك يقاتلون مع مسلمي الفلبين ضد الأسبان واستشهد في إحدى هذه المعارك أحد علماء ترناتيه المسلمين، وكان تجار بورنيو (كاليمانتن) يترددون إلى مانيلا وحكام مانيلا من أقارب سلطان بروني وراجا سليمان حاكم مانيلا الذي حارب الأسبان ابن أخ لأحد سلاطين بروني، وابن عم للسلطان سيف الرجال الذي حارب الأسبان دفاعا عن بروني عام (1577) و (1580).

ومن حالات المصاهرة التي جرت بين السادة الأشراف وتوارثهم للممالك أنه مر الشريف بدوكا مهاساري وهو من أحفاد السيد زين العابدين على باليمانغ وبروني قادماً من ملاكا فلما وصل إلى سولو تزوج ابنة بكيندا ملك بوانسا وهو السيد أحمد بن علي بن زين العابدين بن علي الباقر أخي الشريف كبونغسوان (محمد) فعين ولياً للعهد وهو الذي سن الأنظمة ووضع الأحكام في سولو وأثبت كثيراً من التقاليد).

سياسة الممالك

قام الاحتلال الهولندي والأسباني بسرقة آلاف المخطوطات والكتب والوثائق التي توثق تاريخ الشيعة في تلك البلاد، فضاع بذلك تاريخ في غاية الأهمية حفل بالكثير من المنجزات العلمية والفكرية، ورغم سرقة ذلك التاريخ الحضاري للشيعة في تلك البلاد إلا أننا نستشف من بعض ما بقي من وثائق من ذلك التاريخ على النهضة الثقافية والاجتماعية وسياسة العدل التي نهجتها الممالك الشيعية في تلك البلاد، كما نستشف التضحيات الجبارة التي قدمها الشيعة في بناء تلك الحواضر وكفاحهم من أجل الاستقلال، فمما جاء في إحدى هذه الوثائق عن مملكة (ملاكا) وحاكمها اسكندر الثاني بن أحمد بن عبد القادر بن زين العابدين الذي استشهد على يد الهولنديين بعد شهر واحد من دخولهم وهو يدافع عنها حيث وصفته التواريخ بأنه:

(ملجأ المحتاجين، يستظلون به، وينالون عطفه من وابل عدله، يبتهج به الناس كما تبتهج الأزهار عندما يمسها الغيث والندى فيفوح شذاها، وقد هبت في أنحاء بلاده رياح السعادة، وشعت شمس العزة، وارتفع علم الدولة، وخفقت راياتها، وعم عدله وكمال صفاته، فكانت البلاد عامرة والأغذية متوفرة، فالشعب يرتع في السعادة لعدله في أحكامه، واتكاله على الله في أعماله، وصبره على حالاته، وشدته على المخالفين وكان مهيباً حازماً شفيقاً برعاياه رحيماً بالفقراء رؤوفاً بالأطفال، كريماً للغرباء لا يعود قاصده خائباً، شديداً في تنفيذ أحكام الشريعة، وقد بنى مسجداً في العاصمة سماه (بيت المشاهدة))

الإحتلال الأسباني وبداية الصراع

استمر حكم العلويين في جزر (سيلي) الفلبين قرابة قرنين استطاعوا فيها تثبيت الحكم الإسلامي والعمل بالشريعة حتى دخل هذه الجزر شر عظيم، ففي عام (1521م) رست عدة سفن على ساحل جزيرة (ماكتان) في الفلبين ونزل منها القرصان البرتغالي فرناندو ماجلان ومعه جماعة من القراصنة في رحلة قرصنة كان يقوم بها لحساب أسبانيا وقد سُميت (سيلي) منذ ذلك الزمن بـ (الفلبين) نسبة إلى فيليب الثاني ملك أسبانيا في ذلك الوقت.

وما إن وطئت أقدام ماجلان هذه الجزيرة حتى أعلن أن هذه الأرض ملك للتاج الأسباني وطلب من أمير الجزيرة واسمه (لابولابو) وكان مسلماً أن يدفع له المكوس ـ الضريبة ـ بعد أن أطلقوا عليه وعلى شعبه صفة (الهمج)!!

هنا ثارت ثائرة لابولابو وشعر بالغضب الشديد فرد على ماجلان برد أشد من رده، فجمع ماجلان أتباعه القراصنة وهاجموا ماكتان واستعد لابولابو لهذا الهجوم فما كاد أتباع ماجلان ينزلون من سفنهم حتى باغتهم أهل ماكتان بالسيوف والعصي والخناجر فقتلوا ماجلان وأتباعه.

كانت هذه المعركة هي بداية الصراع والتي فتحت باب عهود دموية خاض فيها مسلمو الفليبين معارك ضارية دفاعاً عن دينهم وعقيدتهم ووطنهم وحريتهم حيث استمر كفاح المسلمين في مقارعة هذا الاحتلال لمدة (350) سنة من عام (1521) إلى عام (1899) فانتقلت الفلبين من الاحتلال الأسباني إلى الاحتلال الأمريكي وفق المعاهدة بين الدولتين بعد الحرب بينهما.

توندو وباسيج

بعد خمسين عاماً من تلك المعركة (الشرارة) بين ماجلان ولابولابو والتي اندلعت منها نيران حروب طاحنة، وتحديداً في عام (1571م) تناهت إلى الأسبان المتمركزين في الوسط (فيزيا) أنباء عن وجود مملكتين في مانيلا هما (توندو وباسيج) وما إن سمعوا بذلك حتى جهزوا الجيوش وزحفوا إليهما وحاصروهما، فاستيقظت تلكما المدينتان على تلك الوحوش وهي تريد اجتياح المملكتين فتأهبوا لصد ذلك الهجوم والدفاع عن دينهم وأرضهم وعرضهم بعد أن خيرهم الأسبان بين التخلي عن الدين والأرض وبين الموت فكان ردهم القاطع وبدون تردد النصر أو الموت، فاستمات المسلمون في الدفاع عن ممالكهم لكن الغزو الأسباني كان يفوقهم عدة وعدداً وسرعان ما سقطت المملكتان بيد الاحتلال فأباد كل من فيها عن آخرهم لأنهم كانوا منعزلين عن العالم، لكن تلك الدماء التي سقطت لم يستطع الاحتلال عزلها عن الأرض فبثت في أهلها روح الجهاد والكفاح فثار من كل قطرة منها ثائر بوجه الظلم.

استمرار التحدي حتى الإستقلال (الدماء الثائرة)

ورغم أن الاحتلال الأسباني استخدم كل وسائله وأساليبه الدموية البشعة لمحو الإسلام من تلك الأرض لكنه فشل فشلاً ذريعاً بعد أن أثبت له الشيعة أنهم لن يتنازلوا عن دينهم ووطنهم له مهما كلف الأمر، فبعد إبادته لتلكما المملكتين راح يعبّأ قواته ويدرب الفلبينيين من غير المسلمين الذين فرض عليهم اعتناق المسيحية لقتال المسلمين وإخضاعهم وهدم معالم الإسلام من تلك الأرض وسلب خيراتها.

فاشتد الصراع الدامي بين المسلمين الذين يقاتلون دفاعاً عن دينهم وأرضهم وبين الاحتلال الأسباني مدعوماً بالفلبينيين المسيحيين، وطال أمده، وكان يزداد شراسة يوماً بعد يوم، حتى استمر (377) سنة (1521 ــ 1898م)!

كفاح وصراع عنيف وشرس خاضه المسلمون قرابة أربعة قرون دون أن تفتر عزيمتهم، أو ينثنوا عن عقيدتهم ومبدأهم في التخلي عن دينهم ووطنهم، وفي كل مرة كان الاحتلال يجر أذيال الخيبة والخذلان.

وولى الأسبان وانسحبوا من الأرض دون أن يحققوا ما أرادوه فخلفهم الأمريكان لتبدأ جولة جديدة من الصراع الذي أخذ طابعاً عنيفاً أكثر دموية حيث انضم حلفاء الأسبان الفلبينيون الخونة إلى الحليف الجديد أمريكا في قتال الفلبينيين المسلمين، واستمر القتال المرير بينهم زهاء أربعين عاماً ولم تتوقف مقاومة المسلمين للمحتل الأمريكي حتى أعلنت أمريكا انسحابها من الفلبين عام (1935).

انقر لاضافة تعليق
أبو حيدر
بحث تاريخي مهم
أحسنت أخي محمد الصفار2017-01-25

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1