هُنّ نسوة تزيّنّ بزينة الإيمان، وتحلّينّ بعقود العقيدة، ولبسنَ أبهى حلل اليقين والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، هُنّ نسوة هِمنَ بالحب الذي أمرنا به الله وتعلّقنّ بالمودة التي فرضها الله على كل مؤمن ومؤمنة في كتابه العزيز فقال تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى). فترجمنَ هذا الحب والولاء إلى نفائس من روح العقيدة وصغنَ منه أروع معاني الإخلاص فكانت أسماؤهنَّ قلائد من درر الحق تزين جيد الزمان والتأريخ.

هُنّ نسوة وقفنَ بوجه الباطل وتحدّينه متدرِّعات بالحق واليقين فقلنَ (كلمة الحق بوجه السلطان الجائر) غير عابئاتٍ ببطشه، فكانت كلماتهنّ وأشعارهنّ أشد على معاوية من حد السيوف وأسنة الرماح ونصال السهام، ولم تقلَّ تلك الأشعار والكلمات في سبيل إعلاء الحق عن جهاد الرجال في سوح الوغى.

هُنّ نسوة آمنَ بالله ورسوله وأمير المؤمنين وأهل البيت فصدحنَ بالحق أمام الباطل، وهُنّ وإن لم يكنَّ من أهل البيت نسباً، فقد كنَّ منهم ومعهم عقيدة وقلباً، ولاءً وإخلاصاً، تضحيةً وجهاداً، فتفانينَ في الدفاع عن الحق، وثبتنَ في التصدي للباطل، فاقتدينَ بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) في وقوفها وتصدّيها للمتآمرين في السقيفة عندما بيّنت (صلوات الله عليها) في خطبتها الشريفة أحقية زوجها أمير المؤمنين وبطلان خلافتهم المشؤومة المغتصبة.

وسارت على منهجها نسوة الحق من سيدات بيت النبوة اللواتي أمطرنَ طواغيت الأمويين بصواعق الحق وعلى رأسهنَّ سيدة البيت الهاشمي وجبل الصبر والناطقة باسم الثورة الحسينية السيدة زينب (صلوات الله عليها) وتابعها في منهجها السيدة فاطمة الصغرى والسيدة سكينة والرباب وأم البنين وأسماء بنت عقيل بن أبي طالب ورملة وطوعة وأم وهب وغيرهنَّ من النساء المؤمنات الفاضلات.

هُنّ نسوة سرنَ على نهج الإسلام المحمدي الأصيل وتبعنَ الحق وأصحابه فكنَّ من الذين قال فيهن الله تعالى: (وَاْلٌمُؤْمِنُونَ وَالْمؤمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَوْلِيآءُ بَعْضٍ يَأمُروُنَ بِالَمْعروفِ وَيَنْهِونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ وَيُؤْتُونَ الزٌكاةَ وَيُطِيعُون اللهَ وَرَسُولهُ أُوْلَئِكَ سَيٌرحَمُهُم اللهُ إن اللهَ عَزيِزُ حَكِيمُ).

هُنّ نسوة من المؤمنات الفاضلات من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) من اللواتي لم يغيرنَ ولم يبدلنَ من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم ينكثنَ بيعتهنَّ لأمير المؤمنين بالولاية، وتمسكنَ بالقرآن الكريم، وحافظنَ على دينهنَّ الذي ارتضاه الله لهنَّ، ورضين بقضاء الله وحكمه، ولم يعصينَ الله (جل وعلا) حيث يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤمِنً وَلا مُؤمِنَةٍ إذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراٍ أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخَيَرَةُ مِنْ أَمرِهِمُ وَمَن يَعصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلالا مُبينا)

هُنَّ نسوة آلينَ على أنفسهنَّ قول الحق ولو كره المبطلون، ولم تأخذهنَّ في الله لومة لائم، فبقيت أصداء أشعارهنَّ يرددها الزمان والتاريخ رغم بغي الظالمين وكيد الحاسدين ليسطع منها النموذج الأرقى للمرأة المسلمة المؤمنة.

في هذا الموضوع سنسلط الضوء على بعض الأسماء من النساء اللواتي ضربنَ أروع الأمثلة وقدمنَ النموذج الأعلى للمرأة المسلمة المؤمنة الشجاعة الصلبة في دينها وعقيدتها في وقوفها المواقف المشرّفة وتحدّيها طغيان الباطل في سبيل إعلاء كلمة الحق ولم ترهبها وسائل الإرهاب الأموية:

1 ـ أم الخير البارقية

هي أم الخير بنت الحريش بن سُراقة البارقية عُرفت هذه المرأة المؤمنة بولائها وإخلاصها لعلي (عليه السلام) وكانت في صفّين تحرّض الناس على حرب معاوية وتستثيرهم بخطبها وأشعارها، وقد وصفتها المصادر في صفين بما نصه: (كانت في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية وهي على جمل أرمك ـ أي بلون الرماد ـ وقد أحيط بها وبيدها سوط وهي كالفحل يهدر في شقشقته وهي تقول:

(يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، إن الله (عز وجل) قد أوضح الحق، وأبان الباطل، ونور السبل، ورفع العلم فلم يدعكم في عمياء مبهمة ولا سوداء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً عن أمير المؤمنين ؟ أم فراراً من الزحف ؟ أم رغبة عن الإسلام ؟ أم ارتداداً عن الحق ؟ أما سمعتم قول الله سبحانه وتعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) ؟

ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: (اللهم إنه قد عِيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع اللهم الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل والرضي التقي والصديق الوصي، إنها إحن بدرية وضغائن جاهلية وأحقاد أحدية وثب بها معاوية عند الغفلة، ليدرك بها الفرصة من ثارات بني عبد شمس).

ثم قالت: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)، صبراً معاشر المهاجرين والأنصار قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، فكأني بكم وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل لتصبحن نادمين حين تحل بكم الندامة فتطلبون الإقالة ولات حين مناص

إنه والله من ضلّ عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار، أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطالوا مدة الآخرة فسعوا لها سعياً، وابتاعوا بدار لا يدوم نعيمها ولا تتصرم همومها.

أيها الناس إنه لولا أن يبطل الحق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ أفراراً عن ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزوج ابنته وأبي سبطيه ؟ خُلق والله من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وعم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك حتى أيده الله بمعونته، يمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة اللذات، ها هو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مخالفون مرتابون كارهون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل احد، وهزم الله به الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق به جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً وردةً وشقاقاً وزادت المؤمنين إيمانا. قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)

وبعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب معاوية إلى عامله على الكوفة أن يحضر له أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية وحين يصلها الخبر تقول: (أما أنا فغير معتلة بكذب ولقد كنت أحب لقاءه لأمور تختلج في مجرى النفس مني يغلي بها صدري كغلي المرجل يوقد تحته بجزل السمر في الصيف) فلا تخشى لقاءه وهي على ولائها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

ولما حضرت عنده قال لها: يا أم الخير والله ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي ولو قتلتك لما حرجت في ذلك. فقالت له: والله إنه ليسرني أن يجري الله قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه.

الله أكبر إن هذه المرأة تستهين بالموت بل تسر بقتلها على يدي معاوية وهل أروع من هذه الشجاعة والصلابة والتفاني في التضحية من أجل الحق ؟ لقد صعق معاوية بهذا الرد ولم يجد جواباً فأدار دفة الحديث عن عثمان فقال لها: ما تقولين في عثمان فقالت: لقد قتله المسلمون وهم له كارهون. وكان هذا ديدن معاوية فكلما حضر عنده أحد يسأله عن رأيه في عثمان. وكأن عثمان هو مقياس الإيمان عنده، ويستمر في حواره معها لكن هذه المرأة الشجاعة تلقمه عند كل سؤال حجراً، فلم تتزحزح عن موقفها الثابت والصلب فيه وفي عثمان ورأيها بكفرهما وانحرافهما عن الإسلام، كما لم تتراجع عن ولائها لأمير المؤمنين (عليه السلام) رغم تهديدات معاوية بالقتل بل زادتها إصراراً وتمسكاً بعقيدتها ومبدئها.

2 ـ الزرقاء بنت عدي

من النساء الفاضلات عُرفت بولائها الشديد وإخلاصها لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما عرفت ببلاغتها وفصاحتها وكانت ممن حضر صفين ولها مواقف في حث أهل العراق على الثبات في قتال الفئة الباغية، وبعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) طلب معاوية من عامله على الكوفة إحضارها من الكوفة مع من كان يطلبهم ويطاردهم من وجوه الشيعة وأعيانهم ولما دخلت عليه قال لها: هل تعلمين لماذا أرسلت في طلبك ؟ فردت بجرأتها المعهودة التي لازمتها في جميع مواقفها: سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم وهل يعلم ما في القلوب غير الله.

فقال لها: بعثت إليك لكي أسألك عن مواقفك في صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحرضين على القتال وعمتا حملك على ذلك ؟

فقالت: يا معاوية لقد مات الرأس وبتر الذنب. فقال لها: تحفظين كلامك في ذلك اليوم ؟ فقالت له (اتقاء لشره): ما احفظه. فقال: لكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين:

(أيها الناس إنكم في فتنة غشيتكم جلابيب الظلم، وحادت بكم عن قصد المحجة، يا لها من فتنة عمياء صماء لا يسمع لداعيها، ولا ينقاد لسائقها، أيها الناس: إن المصباح لا يضيء مع الشمس، وإن الكوكب لا ينير في القمر، وإن البغل لا يسبق الفرس، وان الزف ـ أي الريش ـ لا يوازي الحجر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، إلا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها، فصبراً يا معاشر المهاجرين والأنصار على المضض، فكأن قد التأم شعب الشتات، وظهرت كلمة العدل، وغلب الحق باطله، فلا يعجلن أحد فيقول: كيف وأنى ؟ ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ولله عاقبة الأمور.

ألا إن خضاب النساء الحنّاء، وإن خضاب الرجال الدماء، ولهذا ما بعده والصبر خير في العواقب إيهاً إلى الحرب قدماً غير ناكصين ولا متناكلين فهذا يوم له ما بعده)

وكانت ملامح الغضب والحقد تلوح على وجه معاوية وهو يستعرض كلماتها أما هي فكانت مطمئنة ثابتة على موقفها فقال لها: يا زرقاء لقد أشركتِ علياً في كل دم سفكه.

فردت عليه ساخرة منه: أحسن الله بشارتك، مثلك من يبشر بخير ويسرّ جليسه، والله لقد سرّني قولك وأتمنى أن أكون كما ذكرت.

لم يكن معاوية يحسب لهذه الجواب حساباً فقد كان يظن أنها ربما تعتذر عن قولها لكنه فوجئ بهذه المرأة الأسيرة بين يديه وهي تتمنى أن يحشرها الله مع من قاتله معاوية وسفك دماء جنده وأصحابه وبمجلسه وأمام عينيه وعلى سمعه. فقال لها متعجباً: وقد سرّك ذلك ؟ قالت: نعم وأنى لي بتصديقه. فقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليّ من حبكم له في حياته.

3 ـ دارمية الحجونية

وأرسل معاوية على امرأة من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) من بني كنانة تنزل الجحفة يقال لها دارمية الحجونية وكانت امرأة طاعنة في السن، فلما حضرت قال لها: هل تعلمين لم بعثت إليك ؟ قالت: يا سبحان الله العظيم لا يعلم الغيب إلا الله. فقال: بعثت أسألك علامَ أحببتِ علياً وأبغضتني، وعلام واليته وعاديتني ؟ فقالت: أوتعفيني من ذلك ؟ فقال: ما كنت بفاعل ولا أعفيك. فقالت: (أما إذا أبيت علي فإني أحببت علياً لعدله في الرعية، وقسمته بالسوية. وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك. وطلبك ما ليس لك. وواليت علياً على حبه المساكين، وإعطائه أهل السبيل، وفقهه في الدين، وبذله الحق من نفسه، وما عقد له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الولاية، وعاديتك على إرادتك الدنيا، وسفكك الدماء، وشقك العصا).

فانتفخت أوداج معاوية غضباً من كلامها وجرأتها على قول الحق. فقال لها وقد تجرّد من كل ما يجب أن يتحلّى به الإنسان من الحياء: فلذلك أنتفخ بطنك وكبر ثديك وعظمت عجزتك !!

أنظر إلى معاوية وهو يظهر على حقيقته الخسيسة ومعدنه الدنيء وأصله الموبوء وقد رُبي في حجور العهر والفسوق والفجور وهو يوجه هذا الكلام إلى هذه المرأة المؤمنة الصالحة، هذا دليل العاجز عن رد الجواب باللجوء إلى هذه الأساليب الدنيئة ؟

لكن هذه المرأة الفاضلة وهي من أشراف بيوت العرب ترد عليه وتتعرض لأمه آكلة الأكباد فقالت له: يا هذا بهند والله يضرب المثل ...

هنا اصطدم معاوية بالحقيقة، حقيقة أمه التي اشتهرت بين العرب فحاول أن يأوّل حديثه في محاولة فاشلة فقال لها: يا هذه ارفقي فإني لم أقل إلا خيراً إنه إذا أنتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا كبر ثديها حسن غذاء ولدها، وإذا عظمت عجيزتها ثقل مجلسها.

ثم قال لها: هل رأيت علياً قط ؟ قالت: أي والله لقد رأيته. قال: كيف رأيته ؟ قالت: رأيته شثن القدم والكف، لم يعبأ بالملك، ولم تشغله النعمة. فقال لها: فهل سمعت كلامه ؟ قالت: نعم. قال: كيف سمعته ؟ قالت: كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ.

4 ـ آمنة بنت الشريد

لما استشهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث معاوية في طلب شيعته، وكان ممن طلب عمرو بن الحمق الخزاعي فهرب منه فأرسل إلى أمراته أمنة بنت الشريد فطلب منها البراءة من علي (عليه السلام) فرفضت فأمر بحبسها في سجن دمشق بهذه التهمة (وما أعظمها من كرامة) وهي عدم البراءة من علي (عليه السلام)، فبقيت في السجن لمدة سنتين، فلما قتل زوجها وجيء برأسه إلى الشام أمر بإرساله إليها فرموه في حجرها وهي في السجن, فوضعت كفها على جبينه، ولثمت فمه، وقالت: (غيبتموه عني طويلاً، ثم أهديتموه اليّ قتيلاً، فأهلاً به من هدية غير قالية ولا مقلية). ثم قالت لرسول معاوية (بلّغ أيها الرسول عني معاوية ما أقول: أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك, وطلب الله بدمه, و عجل الوبيل من نقمه, فقد أتى أمراً فرياً و قتل باراً تقياً فأبلغ أيها الرسول معاوية ما قلت).

فبلغ الرسول ما قالت فبعث إليها فقال لها: أنت القائلة ما قلت ؟ قالت: (نعم غير ناكلة عنه و لا معتذرة منه) فقال لها: اخرجي من بلادي.. قالت: (أفعل, فو الله ما هو لي بوطن, و لا أحن فيها إلى سجن, و لقد طال بها سهري, و اشتد بها عبري, و كثر فيها ديني, من غير ما قرت به عيني) فقال عبد الله بن أبي سرح الكاتب: (إنها منافقة فألحقها بزوجها).

فنظرت إليه فقالت: (يا من بين لحييه كجثمان الضفدع ثم أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس ألا قلت من أنعمك خلعاً و أصفاك كساء إنما المارق المنافق من قال بغير الصواب و اتخذ العباد كالأرباب فأنزل كفره في الكتاب)

فأومئ معاوية إلى الحاجب بإخراجها, فقالت: (وا عجباه من ابن هند يشير إلي ببنانه و يمنعني نوافذ لسانه أما و الله لأبقرنه بكلام عتيد كنواقد الحديد أو ما أنا بآمنة بنت الشريد) واستمرت المحاورة بينهما فأخرست هذه اللبوة الشجاعة هذا الطاغية بفصاحة لسانها وصلابتها في دينها.

وذكر السيد هاشم معروف الحسني في كتابه (الانتفاضات الشيعية عبر التاريخص307): (إنه ـ أي معاوية ـ أمر بقتلها وكانت أول امرأة قتلت في الإسلام بعد أن عرض عليها البراءة من علي(ع) فامتنعت عليه وتبرأت منه ومن جلاديه ومن يحابيه بفعل أو قول).

ثم يقول في (ص308) من نفس الكتاب: (وغير بعيد على ابن هند أن يقتل امرأة لأنها لم تتبرأ من علي ودين علي(ع) كما قتل غيرها من أعيان المسلمين وصحابة الرسول لهذا السبب وهم لا يملكون سلاحا غير سلاح الإيمان الذي كان يعمر قلوبهم وبه وحده وقفوا تلك المواقف الخالدة يجاهدون به من ضل عن الحق وتخبط في متاهات الباطل والظلم والطغيان.

وهل يملك معاوية من الدين والقيم والرحمة ما يمنعه من قتل امرأة مسلمة لأنها لم تلعن علياً وتتبرأ من دينه دين محمد بن عبد الله وقد أمر جلاديه بنقلها من بيتها في الكوفة إلى سجونه المظلمة في دمشق. وأي فرق بين قتلها بالسيف وبين وضعها مكبلة في سجون دمشق ليفاجئها برأس زوجها الصحابي الجليل ابن الثمانين سنة بعد أن طاف به في البلدان.

5 ـ عكرشة بنت الأطش

وتدخل عكرشة بنت الأطش على معاوية بعد أن استدعاها وهي متوكئة على عكاز لها فقال لها معاوية: ألست صاحبة الكور المسدول والوسط المشدود والمتقلّدة بالسيف ذي الحمائل وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين: (أيها الناس عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إن الجنة دار لا يرحل من قطنها، ولا يحزن من سكنها، ولا يموت من دخلها، فلا تبيعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تتصرم همومها، فكونوا قوماً مستبصرين، إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، غلف القلوب ،لا يعرفون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله، وإياكم والتواكل فان ذلك نقض عرى الإسلام، وإطفاء نور الحق وإظهار الباطل وذهاب للسنة، هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى، يا معاشر المهاجرين والأنصار امضوا على بصيرتكم واصبروا على نياتكم، فكأني بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام وهم كالحمر الناهقة والبغال الشاحجة يضجون ضجيج البقر ويروثون روث العتاق)

ولما انتهى معاوية من كلامه لم تنكر أنها تكلمت به، بل تقول وكأنها تحذّره إذا ألح في قوله أن تواجهه بأغلظ من هذا القول فتقول له: يقول الله (عز وجل): (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).

6 ـ جروة بنت مرة بن غالب التميمية

ويرسل معاوية على جروة بنت مرة بن غالب التميمية فقال لها: (ما تقولين في علي بن أبي طالب فتقول غير آبهة بسلطانه وجوره: حاز والله الشرف حتى لا يوصف وغاية لا تعرف)

7 ـ فارعة بنت عبد الرحمن الحارثية

وقال معاوية يوماً لفارعة بنت عبد الرحمن الحارثية: ما تقولين في علي بن أبي طالب ؟ فقالت: (وما عسيت أن أقول فيه وقد سبق له من الفضل مإلا ينكره أحد، وزوجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيدة نساء أهل الجنة، واختصه بسره، وهو كاشف للكرب عن وجهه، فرحمة الله عليه هذا ما أقول) فذُهل معاوية وأفحم من كلامها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1