الشمس آذنت بالرحيل وبات وداع مكة أيضا قريب..

نفض الرسول يده من تراب قبرين لأعز عزيزَين وناصريَن، وبللت دموعه لحيته الكريمة.. مع أطهر جَدَثَين..

لم يفرض الله الصيام على المسلمين بعد.. لكنهم صاموا مع المقاطعة التي نالتهم ثلاث سنوات في شعب أبي طالب الواقع خلف الصفا والمروة والذي كان يتخذه الحجاج مستراحًا لهم..

هناك في الشِعب؛ وُلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، وولدت بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام وفيه بيت السيدة خديجة عليها السلام الذي ضمَّ أمير المؤمنين عليه السلام في صغره عندما كان بكفالة ابن عمه المصطفى صلى الله عليه وآله..

السيدة خديجة ام المؤمنين الطاهرة سيدة قريش الفاضلة كانت أول الناس إسلامًا قاطبةً في بيت يحويها مع رسول الله وأمير المؤمنين وبهؤلاء الثلاثة بُني أول بيت في الإسلام.. لكنها رحلت بعد العطاء للإسلام وبعد أن نالت من الرب الكفن والسلام.. رحلت إلى قصر من قصب لا تعب فيه ولا نصب، بعد أن بشرها محبوبها به هدية من الله جل جلاله الذي تفانت في خدمة دينه حتى آخر رمق لها..

مقبرة الحُجُون التي ضمَّت مثواها ومثوى الناصر الأكبر أبوطالب بن عبد المطلب عليهما السلام

كانت محط خيمة رسول الله حين فتح مكة عائدًا لزيارة حبيبين طال غيابه عنهما طويلا..

إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد

تُرى ماذا حل اليوم بهذا الشِعب وتلك المقبرة المقدسة التي تحوي من آثار الرسول والإسلام المحمدي الكثير..

هنا أنا بصدد جولة أثرية حول ضريح أبي طالب وبيت السيدة خديجة في ذكرى وفاتهما عليهما السلام

ثم تساؤل لماذا الاهتمام مثلًا بمنبر صلاح الدين وتجاهل بيت الرسول والتغافل عنه..

لماذا يكون هناك ضجيج بالنسبة لرسائل ابن عبد الوهاب ومخطوطاتهم ولا يُسمح بأدنى تعليق او تساؤل حول الآثار النبوية؟

لماذا استهداف بيت الوحي وطمسه، ولماذا هذا العداء؟

إن كان بغضا في آل الرسول فأي دين تدينون؟ فأين تذهبون.. مالكم كيف تحكمون!؟

اليوم السابع من شهر رمضان يصادف ذكرى وفاة سيدنا أبي طالب عليه السلام، وبعده بثلاثة أيام في اليوم العاشر من ذات الشهر ذكرى وفاة السيدة خديجة عليها السلام في السنة العاشرة من المبعث النبوي الشريف، ولقد سُمّي بـ "عام الحزن"، نظرًا لِما حلَّ بـ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم من الأسى والألم، وقد دُفنا في مقبرة "جنة المعلاة" أو" المعلى" في حي الحُجون بـ مكة المكرمة، ولقد سمّيت بـ المعلى لأنها تقع في أعالي مكة. (١)

قام الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام بتجهيز الجثمان العظيم لـ سيد مكة أبي طالب عليه السلام مع اخوته وابن عمه النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم الذي وقف على حافّة القبر وبلل مثواه الطاهر بـ دموع عينيه وهو يؤبّنه قائلًا: "يا عمِّ، جُزيتَ خيرًا، فلقد ربّيتَ وكفلتَ صغيرًا، وازرتَ ونصرتَ كبيرًا، أما والله لأستغفرنَّ لك، وأشفعنَّ فيك شفاعةً يعجب منها الثقلان". (٢)

وعندما توفيت سيدة نساء قريش، قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بـ تجهيز الجثمان الطاهر، وشقَّ لها قبرًا ونزل فيه لمواراتها. (٣)

ولقد بنى أتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم من مختلف المذاهب والمشارب، الأبنية والقباب تكريمًا لمكانتهما من رسول الله، وفضلهما في نشر الإسلام، حتى حلَّ القرن الثالث عشر الهجري والثامن عشر الميلادي حينما أُنشئت الدولة السعودية الأولى فـ استولى الوهابيون على أرض الحجاز فقاموا باستهداف معالم مقبرة المعلاة المقدّسة وذلك بعد إزالة معالِم البقيع المقدّس، حيث لها المرتبة الثانية من القدسية بعد البقيع، ويليها موقع شهداء أُحد والذي هُدم أيضًا في المرتبة الثالثة.

وفي هذا الصدد ينقل المؤرخون: " وفي عام ١٨٠٣ وصل جيش الأمير سعود إلى مكة، وانسحب الشريف غالب إلى جدة، فهُدمت القباب كلّها، ثم حُذف من الآذان جمل من الثناء على النبي". (٤)

وينقل الرحالة السويسري (جون لويس بورخارت) عن مشاهداته حول عمليات الهدم في جنة المعلاة قائلًا: " إنَّ الناس في مكة يُقدِّسون أبي طالب ويجلّونه غاية الأجلال، ويخشون القَسَم كذبًا به". (٥)

ويضيف: "عند انتهاء المعلّاة، وعلى مسافة غير بعيدة من قصر الشريف الكائن في شمال منطقة البرك، يوجد قبر أبي طالب والد الإمام علي وعم النبي الكريم، وقد عمِد الوهابيون إلى تعويض البناء الذي كان قائمًا فوق القبر فأهالوه إلى كومةٍ من الأنقاض". (٦)

من جانبٍ آخر وعلى مسافة قريبة من جنة المعلاة؛ يقع دار السيدة خديجة عليها السلام في زقاق الحَجَر، والذي يعتبر من مهابط الوحي والتنزيل، وكان يحتوي على محراب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، ومكان ولادة سيدة نساء العالمين عليها السلام، (٧) ورغم تحوّل هذا المكان المقدّس إلى مسجد عبر مرور السنين إلّا أن بناءه الأثري والقديم - وعمره أكثر من١٤٠٠ عام- كان لا يزال باقيًا حتى عهدٍ قريب، (٨) وحينما حلَّ القرن الثالث عشر الهجري تعرّض للإهمال والهجران، وذلك حتى عام ١٤١٠ للـ الهجرة - ١٩٨٩ للـ الميلاد، حيث بدأت عمليات توسعة الحرم المكي، فقامت السلطات السعودية بإزالة الأبنية المحاطة بـ الحرم دون مراعاة لـ حرمة الآثار.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور سامي عنقاوي مدير مركز أبحاث الحج سابقًا ومن الناشطين في مجال الحفاظ على الآثار الإسلامية والذي أشرف على عملية تنقيب دار السيدة خديجة عليها السلام، وذلك في مقابلةٍ مع قناة الحُرّة: "حينما بدأت التراكتورات بـ العمل، أسرعنا في تحديد موقع دار السيدة خديجة، وقد استغرق التنقيب عن المنزل ٤٠ يومًا، معتمدين على الخرائط القديمة التي تعود للعهد العثماني، حيث أزلنا الحوائط القديمة للمبنى الذي كان مبنيًا عليه، ثم سوّرناه بـ سور حديدي للحفاظ عليه، وقد وجّهت رسالة إلى السلطات المعنية منبّهًا إياهم في أهمية الحفاظ على المبنى لما يحتويه من معالِم مهمة كـ وجود حجرة كان يتعبّد فيها النبي وحجرة أخرى كان يستقبل فيها الوفود والضيوف، إلا أنَّ الخوف من السلطة الدينية قد حال دون أن يترك أثره"، وفي رده على سؤال مقدِّم البرنامج ماذا حلَّ بـ الدار؟، يقول: " قد تحوّل إلى مبنى عام لاستخدام الخدمات العامة"، ويستوضح المتسائل: ماذا تعني من المبنى العام؟، يطأطأ الدكتور رأسه أسفًا وحزنًا ويكرر: "مبنى عام لخدمات عامة"، ويواصل المحاوِر بإلحاح متسائلًا: "أ تعني مبنى للـ الحمامات؟"، ويصمت الدكتور برهة من الزمن حذرًا أن لا تسقط دموعه ثم يقول: "من الصعب أن أقوله، وهو يحز نفسي ويؤلمني كثيرًا، لكن بكلِّ أسف نعم". وحينما يسأل مقدِّم البرنامج: أ بـ صدفة كان ذلك أم بـ تعمّد؟، فـ يكتفي بـ "لا أدري". (٩)

وبناءًا على ما سبق؛ لنا وقفة مع حَدَثَين أُخرَيَيَن ومعهما مطالَبَتَين سعودييتَين؛ إحداهما قديمة والأخرى حديثة؛

الحدث الأول؛ فى صيف عام ١٩٦٩ أشعل أحد الصهاينة حريقًا في الجناح الشرقي للمسجد الأقصى، الأمر الذي أدى إلى التهام محتوياته التي كان من بيها منبر تاريخي معروف باسم منبر صلاح الدين. وقتذاك غضب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وخرجت تظاهراتهم في مختلف العواصم، وتداعى زعماء الدول الإسلامية إلى اجتماع طارئ لبحث الأمر، أسفر عن تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي الآن)، بناءًا على اقتراح من الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود. (١٠)

الحدث الثاني؛ كتب الكاتب السعودي (مشاري الذايدي) في جريدة الشرق الأوسط عمّا وصفه بـ"الإجرام الأدبي" بحق الدولة السعودية الأولى حينما قامت القوات العثمانية بـ مصادرة رسائل محمد بن عبد الوهاب المنظِّر الديني للدولة وقال: "لقد حصلت جريمة حضارية بحق الدولة السعودية الأولى.. يندي لها الجبين، هذه الجريمة تتمثل بنهب التراث العلمي الفذّ للدرعية، من مؤلفات النجديين ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. وهي مخطوطات سعودية نادرة جدًا"، ويتسائل في ختام مقاله: "ما مصير هذه المخطوطات الثمينة؟، أين ذهبت؟، ما هو حالها اليوم؟، وهل يحق للدولة السعودية المطالبة بها؟". (١١)

وختامًا ليس ثمة ما يُقال.. ولعلَّ الصمت أبلغ كما كان الصبر عن الصول بيد جذاء أحجى.. فليس ثمة باب للمقارنة بين مقام الوحي والتنزيل.. "هدم مقبرة المعلاة ودار السيدة خديجة وانتهاك حرمتهما" وبين الحَدَثَين الاُخرَيَين؛ " حرق منبر صلاح الدين ومصادرة رسائل ابن عبدالوهاب"..

لكنها الدهر التي هي أهون عند الأمير عليه السلام من ورقة في فم جرادة تقضمها.. أو شسع نعل ينتعله.. هذا الدهر قد أنزلنا لنقارِن جنة المعلاة ومهبط الوحي والتنزيل مع هذه النظائر.. لذلك أترك التعليق للقارئ المنصف.

...........................................
الهوامش
(١) صحيفة عكاظ؛ تقرير "مقبرة المعلاة تحتضن رفات الملايين عبر آلاف السنين"، بتاريخ ٢١ يوليو٢٠١٤
(٢) باقر شريف القرشي؛ حياة السيدة خديجة عليها السلام، ص ١١٤
(٣) باقر شريف القرشي؛ حياة السيدة خديجة عليها السلام، ص ١١٧
(٤) جعفر الخليلي؛ موسوعة العتبات المقدسة، قسم مكة المكرّمة، ج٢، ص ٢٠٧
(٥) جعفر الخليلي؛ موسوعة العتبات المقدسة، قسم مكة المكرّمة، ج٢، ص ٢٧٤، نقلًا عن: جون لويس بورخارت؛ رحلاته إلى بلاد الجزيرة العربية "Travels in Arabia"
(٦) نفس المصدر.
(٧) أحمد زكي يماني؛ "دار السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في مكة المكرمة: دراسة تاريخية للدار وموقعها وعمارتها".
(٨) سامي عنقاوي؛ حوار مع برنامج المجلس لقناة الحُرّة، تحت عنوان:"هدم الآثار الإسلامية في المملكة العربية السعودية" على صفحة اليوتيوب بتاريخ ٨ أغسطس ٢٠٠٨
(٩) نفس المصدر.
(١٠) فهمي هويدي؛ "اليهود يصلُّون في الأقصى"، صحيفة الشروق بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠١٣
(١١) مشاري الذايدي؛ "حكايا الماضي: من نهبَ مخطوطات نجد؟"، صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ ١٠ مايو٢٠١٩

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0