ماهو موقف الشاعر الآن من التراث؟ وهل يستطيع الإستغناء عن هذا المصدر المهم من مصادر المعرفة والإبداع؟

في استقرائنا لتاريخ الأدب العربي نجد أن الشاعر العربي في كل العصور قد استفاد من موروثه (تضميناً) و(استلهاماً) و(تشبيهاً) فضلاً عن فوائد أخرى تُعنى بأغراض الشعر وأجزاء القصيدة واللغة والأسلوب والموسيقى وغيرها حتى وصلت العلاقة بين الشاعر والتراث إلى الحد الذي نستطيع أن نقول أن التراث قد أصبح جزءاً من تجربة الشاعر وركناً أساسياً في ثوابته الفكرية والإبداعية، والشاعر عندما يصل إلى هذا المستوى في هضمه للتراث وتمكنه منه يكون على جانب كبير من الوعي لإدراك الحقيقة ومن الحسّ الفني للشعور بها وامتلاكها.

الإختلاف في الرؤية

تعامل الشعراء مع التراث تعاملاً متفاوتاً حسب رؤيتهم، فالبعض كان موقفه من التراث متزمّتاً في تشبثه بكل ما يتصل بالتراث دون الفصل بين غثه وسمينه، والبعض الآخر اتخذ موقف الرفض القاطع للتراث فكان متصلباً في رؤيته، وكان هناك موقف ثالث أخذ دور الوسيط بين هذين الخطين المتضادين وهو الموقف الإنتقائي الذي أخذ من التراث ما يخدم تجربته وتوجهه بشرط أن يتماهى مع الحقيقة وبما يكون تأثيره منها واضحاً ومفيداً للحاضر وليس بما يخدم نظرته وتوجهه فقط...

وبقدر مايكون الموقف الأول عشوائياً فوضوياً يكون الموقف الثاني اغترابياً فكلاهما أساء فهم التراث ولم يستفد من كنوزه المعرفية، أما الموقف الثالث فهو أقرب إلى الموضوعية وفهم القيم التي سادت هذا التراث فكان على وعي تام بعصره وكانت قصيدته على صلة بالحاضر وعكست استيعابها للعصر.

التراث الثر

من خلال هذه المقدمة عن مفهوم التراث والاختلاف في التعاطي معه يستطيع الباحث أو الناقد أن يحدد موقفه منه من خلال استقرائه واكتشاف كنوزه، فهناك مراحل هامة من تاريخ الأدب العربي حملت سمات وآثار مختلفة وكثيرة بقيت مصدراً هاماً للأدب وإلى الآن، ولكنها لم تأخذ مداها الكامل من الدراسات الأدبية في حين أنها كانت مرتكزاً ومصدراً للكثير من الحركات التجديدية العالمية بوصفها سمات وآثار على درجة كبيرة من الكمال والثبات والتطور، ولعلنا في أمس الحاجة إليها الآن ليكون أدبنا أكثر التزاماً وأكثر دقة في إطلاق الأحكام النقدية كون هذه السمات والآثار نابعة من إرثنا الأدبي ومؤصلة بنتاجنا الفكري.

عيار الشعر

(عيار الشعر) كتاب يدلّ اسمه على محتواه بحق. فهذا الكتاب جمع بين دفتيه كل ما للشعر وما عليه وكل ما ينبغي على الشاعر أن يتّخذه، وكل ما عليه أن يتجنّبه..، وقد انفرد مؤلفه السيد (ابن طباطبا العلوي) المولود سنة (250) هـ والمتوفى سنة (322) هـ بآراء لم يسبقه إليها أحد قبله، أصبحت مرجعاً مهماً لآراء النقاد بعده.

فقد تناول ابن طباطبا في كتابه ما استخلصه النقاد قبله من خصائص الشعر وزاد عليها آراءه إضافة إلى ابتكاره خصائصَ لم يتطرّق إليها أحد قبله عرضها بشكل مبسّط، فقد بيّن في مقدمة كتابه الغاية من تأليفه الكتاب بقوله: (فهمت - حاطك الله - ما سألت أن أصفه لك من علم الشعر، والسبب الذي يتوصّل به إلى نظمه، وتقريب ذلك على فهمك، والتأنِّي لتيسير ما عسر منه عليك. وأنا مبِّين ما سأَلت عنه، وفاتح ما استغلق عليك منه إن شاء الله تعالى)...

ويبدو من خلال هذه المقدمة إن هذا الكتاب وضعه بناءً على طلب من أحد أصدقائه أو ربما كان المُخاطب به القارئ، المهم أنه جمع آراءه كلها في الشعر في هذا الكتاب ليكون ميزاناً للشعر ومحكاً للشعراء.

أبواب الكتاب

ضمّ الكتاب ثلاثة وثلاثين باباً، استعرض فيها ابن طباطبا جوانب كثيرة وأمثلة عديدة دلت على معرفته الواسعة بالشعر، ففي حديثه عن الشعر وأدواته اعتمد على المنهج الفني، وفي حديثه عن أغراض الشعر اعتمد على المنهج التاريخي، واعتمد المنهج النفسي في حديثه عن أثر الشعر الجيد. فهو جمع في كتابه المنهج التكاملي للشعر.

مفهوم الشعر

ففي باب مفهوم الشعر عند ابن طباطبا يميز فيه الشاعر المطبوع عن غيره بالسليقة فيقول في باب تفاضل الأشعار: (فمن صحّ طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن عن تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق بها حتى تصير معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه).

هذا التمييز العروضي يمثل بداية معرفة الشاعر المطبوع عن غيره عند ابن طباطبا حيث تدخل في حيِّز سليقة الشاعر المطبوع عنده تكامل الأدوات لدى الشاعر والتي يجب عليه إعدادها قبل أن يخوض غمار الشعر حيث يقول:

(وللشعر أدوات يجب إعدادها قبل مرامه وتكلف نظمه، فمن نقصت عليه أداة من أدواته لم يكمل له ما يتكلفه منه، وبان الخلل فيما ينظمه، ولحقته العيوب من كل جهة). ثم يعدد ابن طباطبا هذه (الأدوات) للشاعر فيقول:

(فمنها: التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الآداب، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم، والوقوف على مذاهب العرب في الشعر، والتصرّف في معانيه في كل فن قالته العرب فيه وسلوك مناهجها في صفاتها ومخاطباتها وحكاياتها وأمثالها، والسنن المستعملة منها، وتعريضها وتصريحها، وإطنابها وتقصيرها، وإطالتها، وإيجازها، ولطفها وخلابتها، وعذوبة ألفاظها، وجزالة معانيها، وحسن مباديها، وحلاوة مقاطعها، وإيفاء كل معنى حظه من العبارة، وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أَحسن زي وأبهى صورة، واجتناب ما يشينه من سفساف الكلام وسخيف اللفظ).

العقل ملك الأدوات

ويسترسل ابن طباطبا في تعداد أدوات الشعر وإيفاء ميزاته التي تميّزه عن النثر ويختم هذا الفصل بخلاصة تنم عن مدى إدراكه لفاعلية هذه الأدوات في بناء القصيدة واستيعابه لخصائصها الفنية فيقول: (وجماع هذه الأدوات كمال العقل الذي به تتميز الأضداد، ولزوم العدل، وإيثار الحسن، واجتناب القبيح، ووضع الأشياء مواضعها)

ويمكن أن يعدّ رأي ابن طباطبا في صناعة الشعر من أهم الآراء في هذا المجال فقد كان لآرائه الفضل الكبير على الشعراء والنقاد معاً، ولم تفقد حيويتها عبر العصور المتفاوتة وأثبتت مواكبتها للتطور الشعري حتى عصرنا الحاضر، حيث يرى ابن طباطبا أن بناء القصيدة يمر بأربع مراحل هي: تكوّن الفكرة، واختيار الصورة الشعرية، وصياغة القصيدة، والتثقيف حيث يقول:

(فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا كملت له المعاني، وكثرت الأبيات، وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها، وسلكاً جامعاً لما تشتّت منها).

أول ما يلاحظ في هذه الآراء هو التشخيص الدقيق لبناء القصيدة ومنحها كل خصائصها الفنية وسماتها الموضوعية التي من خلالها يستطيع الناقد وحتى المطالع أن يكتشف مدى شاعريتها من عدمه.

الأشعار كالناس في تفاوتهم!

يشبّه ابن طباطبا الأشعار بالناس على تفاوتهم فيقول:

(والشعر على تحصيل جنسه، ومعرفة اسمه - متشابه الجملة متفاوت التفصيل، مختلف كاختلاف الناس في صورهم وأصواتهم وعقولهم وحظوظهم وشمائلهم وأخلاقهم، فهم متفاضلون في هذه المعاني، وكذلك الأشعار هي متفاضلة في الحسن على تساويها في الجنس. ومواقعها من اختيار الناس إياها كمواقع الصور الحسنة عندهم واختيارهم لما يستحسنونه منها، ولكلٍ اختيار يؤثره، وهوى يتبعه وبغية لَا يستبدل بها ولا يؤثر عليها).

نقض الألفاظ

ويضع ابن طباطبا محكاً لمعرفة الشعر الجيد من غيره عبر طريقة نقض الألفاظ وهي تعد ابتكاراً في عالم النقد فيبدأ أولاً بتصنيف الأشعار إلى محكمة ومموّهة فيقول: (فمن الأشعار أشعار محكمة متقنة، أنيقة الألفاظ، حكيمة المعاني، عجيبة التأليف، إذا نقضت وجعلت نثراً لم تبطل جودة معانيها، ولم تفقد جزالة ألفاظها).

كما يشير إلى طريقة كشف الأشعار المموّهة بنفس الطريقة فيقول: (ومنها أشعار مموّهة مزخرفة عذبة، تروق الأسماع والأفهام إذا مرّت صفحاً، فإذا، حصّلت وانتقدت بهرجت معانيها، وزيفت ألفاظها، ومجّت حلاوتها، ولم يصلح نقضها لبناءٍ يستأنف منه).

ثم يقارن ابن طباطبا بين هذين النوعين من الأشعار بقوله: (فبعضها كالقصور المشيدة والأبنية الوثيقة الباقية على مرّ الدهور، وبعضها كالخيام الموتّدة الّتي تزعزعها الرياح، وتوهيها الأمطار، ويسرع إليها البلَى، ويخشى عليها التقوّض).

أهمية الموروث عند ابن طباطبا

ويشير ابن طباطبا في هذا الرأي إلى تجربة الشاعر ومدى قدرته على الخلق وبما أن الموروث يمثل مصدراً من مصادر ثقافة الشاعر وركناً مهماً في نظرية المعرفة التي تدخل ضمن التكوين الإبداعي للشاعر فقد أولى ابن طباطبا أهمية كبيرة لخزين الشاعر وطريقة تعامله مع الموروث بقوله:

(والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشدّ منها على من كان قبلهم، لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع، ولفظ فصيح، وحيلة لطيفة، وخلابة ساحرة. فإن أتوا بما يقصر عن معاني أولئك ولا يربي عليها لم يتلقّ بالقبول، وكان كالمطّرح المملول).

يشير ابن طباطبا إلى محنة الشاعر حينما يريد أن يوظف معنى أوصور فيجد إن كل ما يفكر به من معنى رفيع وصورة جميلة قد طرق قبله لذلك فإن ابن طباطبا يحاول أن يقول إن محنة الشاعر هذه تزداد كلما تقادم العهد به.

خصائص العصر

لكن ابن طباطبا يحدد مميزات وخصائص تميز الشعر الذي في وقته عن الشعر الذي سبقه فيقول:

(ومعَ هذا، فإن من كان قبلنا في الجاهلية الجهلاء وفي صدر الإسلام من الشعراء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مديحاً وهجاء، وافتخاراً ووصفاً، وترغيباً وترهيباً إلا ما قد احتمل الكذب فيه في حكم الشعر من الإغراق في الوصف، والإفراط في التشبيه. وكان مجرى ما يوردونه منه مجرى القصص الحق، والمخاطبات بالصدق فيحابون بما يثابون، أو يثابون بما يحابون.

والشعراء في عصرنا إنما يثابون على ما يستحسن من لطيف ما يوردونه من أشعارهم، وبديع ما يغربونه من معانيهم، وبليغ ما ينظمونه من ألفاظهم)

ثم يوجز ابن طباطبا نظرته في تعامل الشاعر مع الموروث بالقول: (أن يديم النظر في الأشعار التي قد اختزنها لتلتصق معانيها بفهمه وترسخ أصولها في قلبه).

الموروث طريق للإبتكار

لا يعني ابن طباطبا أن يتكئ الشاعر على الموروث ويرتكز عليه، بل يدعو إلى التعامل معه لتنمية قدرات الشاعر ويضرب مثلاً لذلك عن أحدهم قوله: (حفّظني أبي ألف خطبة ثم قال لي: تناسها، فتناسيتها، فلم أرد بعد شيئاً من الكلام إلا سهل عليّ، فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه، وتهذيباً لطبعه وتلقيماً لذهنه، ومادّةً لفصاحته، وسبباً لبلاغته ولسنه وخطابته).

هذا الرأي الذي طرحه ابن طباطبا والمثل الذي ضربه، هو أصح الآراء وأبرز النتائج في التعامل مع الموروث، فهو يدعو الشعراء إلى الإبتكار واستحداث الصور الشعرية الجديدة، ولا يسيغ ابن طباطبا للشاعر أن يكون كلّاً على الشعراء الذين سبقوه، يقتات على معانيهم ليغذي بها شعره، كما حذر الشعراء من إخراجهم المعنى إلى وزن آخر غير الذي قيل فيه سابقاً لكي يوهم المتلقي أن هذا المعنى من ابتكاره، ومن هنا يتم التفريق بين الشاعر الأصيل والشاعر العقيم لأن علاقة الألفاظ ستظل كما هي عند الشاعر العقيم.

ولكن القطيعة لن تكون كاملة عند ابن طباطبا بين الشاعر والموروث، إذ لا يحرِّم على الشاعر أن يأخذ معنى سبق به على شريطة أن يبرزه في أحسن مما قيل فيه سابقاً وهنا تأتي مقدرة الشاعر في صياغة المعنى.

أهمية اللغة الشعرية عند ابن طباطبا

ينوه ابن طباطبا إلى أهمية إعتناء الشاعر بقواعد اللغة الأساسية، فهو يعير اللغة الشعرية أهمية كبيرة فيقول: (فينبغي للشاعر في عصرنا أن لَا يظهر شعره إلا بعد ثقته بجودته وحسنه وسلامته من العيوب التي نبه عليها وأمر بالتحرّز منها، ونهي عن استعمال نظائرها. ولا يضع في نفسه أن الشعر موضع اضطرار وأنه يسلك سبيل من كان قبله، ويحتجّ بالأبيات التي عيبت على قائلها، فليس يقتدى بالمسيء، وإنما الإقتداء بالمحسن، وكل واثق فيه حجل إلا القليل).

الفهم محك الشعر

ولا يكتفي ابن طباطبا بذلك بل إنه يدعو إلى أن يعاود الشاعر شعره بالتهذيب والتثقيف والنقد وأن يتأمل ما قد أدّاه إليه طبعه وألا يعرضه إلاّ بعد إصلاحه وثقته من جودته. وجعل ابن طباطبا مقاييس لقبول الشعر ورفضه ومعرفة الشعر المحكم المتقن من الشعر المموّه المضطرب، كما دعا الى اختيار الأوزان غير المستكرهة لما لموسيقى الشعر من أثر عميق في النفوس.

ولعله في الباب الذي حمل عنوان الكتاب (عيار الشعر) يشخّص تشخيصاً دقيقاً مدى استجابة المتلقي للشعر فيقول: (وعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب فما قبله واصطفاه فهو وافٍ، وما مجه ونفاه فهو ناقص).

الاتساق والتشبيهات

ينوّه ابن طباطبا كثيراً إلى عملية الاتساق الشكلي بين عناصر الوزن والصورة في الشعر ، فالقصيدة الجيدة: (هي التي تتوافق عناصرها الشكلية وتتجانس)، وفي باب (ضروب التشبيهات) يكتشف القارئ مدى سعة إطلاع ابن طباطبا على التراث العربي والخزين الهائل الذي يمتلكه منه فقد استشهد بمئات الأبيات لشعراء من مختلف العصور على تشبيهاته التي قسمها إلى أربعة أصناف وهي:

1 ـ تشبيه الشّيء بالشّيء صورة وهيئة.

2 ـ تشبيهه به معنى.

3 ـ تشبيهه به حركة وبطأ وسرعة.

4 ـ تشبيهه به لوناً وصوتاً

ويضرب لكل تشبيه من هذه التشبيهات الأربعة أمثلة كثيرة دلت على سعة إطلاعه واستيعابه للتراث الشعري العربي في جميع مراحله.

الصدق معيار الشعر عند ابن طباطبا

يعد الصدق هو المعيار الحقيقي لدى ابن طباطبا يتحدد عليه غث الشعر من سمينه ومثلما يجعل الصدق هو المحور للقصيدة فإنه يستكره التكلف ويذمه في باب الأشعار الغثة ويضرب لهذين المثالين العشرات من الأبيات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4