يعد القرن الرابع الهجري العصر الذهبي للحضارة الإسلامية فقد انتشر العلم والفكر والأدب في جميع البلاد الإسلامية بفضل الدول البويهية والحمدانية والفاطمية فبرز في ذلك العصر أرباب الكلام وأفذاذ العلم وجهابذة الفكر والفلسفة فهو عصر المتنبي وأبي فراس الحمداني والصاحب بن عباد وبديع الزمان الهمذاني وابن خالويه والخالديين وغيرهم الذين أثروا الحضارة الإسلامية بآثار لا تزال شاخصة إلى الآن ومحل دراسة وعناية المختصين.

ونجد في الشخصيات الأدبية التي وضعت هذه الآثار أنها قد مهّدت الخطوات الأساسية لعملية الخلق الفنية والإبداع الأدبي وسهّلت السبل لأدب ملتزم ومتطور عميق التجربة محدد الرؤى.

واذا استقرأنا التاريخ الشعري والنقدي العربي عبر تاريخه الحافل وأبرز من وضعوا بصماتهم في إثرائه وإبراز ملامحه الفنية، فإن في طليعتهم من العلماء الأفذاذ الشاعر والناقد الكبير ابن طباطبا العلوي الذي لا تزال آراؤه النقدية محل اعتبار وأهمية لدى كبار النقاد المحدثين، حيث أثبتت هذه الآراء جديتها وحيويتها ومكانتها في مجال النقد الأدبي عبر العصور.

ابن طباطبا العلوي الحسني

في عام (250هـ - 864م) وفي مدينة أصفهان ولد أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والمشهور بـ (ابن طباطبا العلوي).

كانت أصفهان في ذلك الوقت في أوج عظمتها العلمية حيث شهدت حركة أدبية وفكرية صاخبة شأنها شأن سائر أكثر البلاد الإسلامية رغم الإضطراب السياسي والحياة الاجتماعية غير المستقرة. ووسط هذه الأجواء نشأ ابن طباطبا شاعراً مجيداً وناقداً كبيراً وعالماً حاذقاً ملماً بالأدب، شغوفاً بالعلم مكبّا على تحصيله العلمي، مكثراً من مجالسة العلماء حتى لامه بعضهم على ذلك فجاء رده

حسودٌ مريضُ القلبِ يخفي أنينَه *** ويضحي كئيبَ البالِ مني حزينَه

يلومُ على أن رحتُ في العلمِ راغباً *** أجمّعُ من عندِ الرواةِ فنونَه

وأسلكُ أبكارَ الكلامِ وعونَه *** وأحفظُ مما أستفيدُ عيونَه

ويزعمُ أنَّ العلمَ لا يجلبُ الغِنى *** ويحسنُ بالجهلِ الذميمِ ظنونَه

فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي *** فقيمة كلِّ الناسِ ما يحسنونَه

كان ابن طباطبا مغرماً بالكتب فكان يعدها أغلى الاصدقاء:

إذا فجعَ الدهرُ امرأ بخليلهٍ *** تسلّى ولا يَسلي لفجعِ الدفاترِ

قصيدة بدون (كاف) و(راء)

شغف ابن طباطبا بالأدب أيّما شغف فكان ملمَّاً بثقافة عالية وفكر نيّر وأدب رفيع دلّت على ذلك آراؤه ومناهجه النقدية التي وضعها في قواعد الشعر والنقد، وألف فيها كتباً عدّة أبرزها كتابه القيم (عيار الشعر) فقد درس الشعر دراسة الناقد والشاعر معاً وأضاف إليه ما لديه من معرفة واسعة بفنون الشعر.

نهج ابن طباطبا في (العروض) نهجاً جديداً ذلل فيه صعبه ويسر تعقيده. كما كان مغرماً بالحديث الشريف وروي عنه قوله: (لو نُشر الرسول لكنتُ من كبار حفاظ الحديث).

أما شاعريته فهي من الطراز الرفيع وله شعر رائق توزّع بين قصائد وقطع وأبيات متناثرة في كتب (معجم الأدباء)، و(تحفة العجائب وطرفة الغرائب)، وكتاب (التشبيهات)، و(المحمدون من الشعراء واشعارهم)، و(المصون في الادب)، ولو قيّض لأحد أن يجمع هذه الأشعار لأتحف المكتبة الأدبية بديوان مهم من دواوين الشعر العربي.

كان ابن طباطبا يتفنن في شعره وإظهار مقدرته اللغوية فكان يتجنب من الكلمات ما يصعب النطق به على من بلسانه عيب يحول بينه وبين النطق ببعض الحروف، ويروى في ذلك: أنه كان لأحد أصدقائه ولدٌ كانت به لكنة شديدة ولا يجري على لسانه حرفان من حروف المعجم هما: الراء والكاف حيث يضع الغين مكان الراء والهمزة مكان الكاف، فكتب ابن طباطبا قصيدة خالية من هذين الحرفين ولقنه إياها حتى رواها لأبيه ففرح بذلك والده فرحاً شديداً ومطلع القصيدة:

ياسيداً دانت له الساداتُ *** وتتابعت في فعله الحسناتُ

وتواصلت نعماؤه عندي فلي *** منه هباتٌ خلفهن هباتُ

وهي قصيدة طويلة تبلغ تسعة وأربعين بيتاً ختمها بقوله:

لو واصل بن عطاء الباني لها *** تليت توهم أنها آياتُ

لولا اجتنابي أن يمل سماعها *** لأطلتها ما خطت التاءات

ثراء في المال والعلم

تفرغ السيد ابن طباطبا للدراسة والتأليف وساعده على ذلك إنه كان غنياً، ولكنه لم يكتف من الحياة بالغنى وحده بل أضاف إليه ما يخلده فبنى له مجداً علمياً وأدبياً ثراً أضفى إليه الفخر والسؤدد وكان يرى في الغنى وسيلة لإقراء الضيف ومساعدة المساكين وصون الوجه عما في أيدي الناس وهو الغاية من المال لا في صرفه في الشهوات والملذات كما ورد في حديث الإمام الصادق (عليه السلام): (لا خير في من لا يحب المال، فإنه يصون به وجهه، ويلم به شعثه، ويقري به ضيفه) يقول ابن طباطبا مضمّنا هذا المعنى:

قد يصبرُ الحرُّ على السيفِ *** ويجزعُ الحرُّ من الحيفِ

و يؤثرُ الموتَ على حالةٍ *** يعجزُ فيها عن قِرى الضيفِ

كما كان يحب القصد ويكره الإسراف في المال ويرى التهالك على الأموال مفسدة للعلم كما في قوله:

إن في نيلِ المُنى وشكُ الردى *** وقياسُ القصدِ ضدَّ السرفِ

كسراجٍ دهنه قوتٌ له *** فاذا غرّقته فيه طُفي

كنوزه الأدبية والعلمية

في ظل هذه الحياة المعتدلة عاش ابن طباطبا في أحسن الأوضاع حالاً وتهيأ لطلب العلم وكانت كل الظروف متاحة للإنتاج الأدبي فخلف ثروة أدبية وعلمية كبيرة أهمها كتابه القيم (عيار الشعر) الذي جمع فيه آراءه في النقد الادبي ونبّه فيه إلى عناصر الشعر الجيد وأسباب فساده، وقد حققه الكثير من النقاد وتناوله الكثير من المؤلفين.

ومن كتبه أيضاً (تهذيب الطبع)، أو(الشعر والشعراء) كما ذكره ابن النديم في الفهرست، و(العروض)، و(سنام المعالي)، و(تقريظ الدفاتر)، و(في المدخل في المعمى من الشعر)، وعنوان الكتاب يدل على موضوعه في شرح الأبيات الغامضة المعنى، وقد دلل فيه على عمقه بأسرار اللغة وغريبها وإدراك معانيها الغامضة.

منهجه المتفرِّد في الشعر وأدواته

يحتاج المنهج الذ اختطه ابن طباطبا في أدوات الشعر والشاعر ووحدة القصيدة والألفاظ إلى دراسات مطولة، وقد استفاد منه النقاد الذين أتوا بعده كثيراً واقتبسوا منه في كتبهم، فاقتفى المرزباني آراءه من كتابه (الموشح في الشعر)، ونقل عنه عدة صفحات متوالية بدون إضافة حرف، كما اقتبس منه أبو هلال العسكري، ونقل آراءه كذلك المرزوقي في مقدمته لشرح الحماسة، كذلك ابن خلدون الذي أخذ عنه رأيه في تربية الذوق الأدبي، وابن أبي الأصبع المصري الذي كان يوصي الراغب الأصبهاني بآراء ابن طباطبا في الشعر وأن يحصل المعنى قبل اللفظ، كما كان ابن المعتز يكثر من ذكره ويقدمه على كثيرين، ولا تزال آراء ابن طباطبا محل اعتبار حتى في الدراسات الحديثة.

فالمنهج الذي اختطه ابن طباطبا في (عيار الشعر) وغيره من الكتب في النقد الأدبي لم يسبقه إليه أحد فلا تكاد تجد صلة تربط بين آرائه في كتبه وكتب النقد التي ألفت قبله على كثرتها، ورغم أن ابن طباطبا قد اطلع على كل هذه الكتب النقدية التي ألفت قبله إلا أنها لم تشكل عنده أثراً في كتبه، وكثيراً ما كان ينقض آراء من سبقه فكان لآرائه صدى واسع في أوساط النقد الادبي وكان كثير من العلماء والأدباء يحتجون بها رغم إنه ولد في أصفهان ولم يغادرها إلى سائر البلاد حتى وفاته عام (322هـ-956م).

فلسفة الشعر عند ابن طباطبا

اعتمد ابن طباطبا في فلسفته للشعر ونظرته إليه على المبدأ الأخلاقي في التفرقة بين الحسن والقبيح فهو أول النقاد النظريين الذين بحثوا في ماهية الشعر ووظيفته وهو أول من التفت إلى هذا الجانب من النقاد الذين اقتصرت نظرتهم على صياغته، وألفاظه، ومعانيه.

وإضافة إلى شهرته كناقد فقد اشتهر كشاعر كبير حيث يروى أن عبد الله بن المعتز كان لهجاً بذكره مقدماً له على سائر أهله، وقد قال عنه: ما أشبهه في أوصافه إلا محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك إلا أن أبا الحسن أكثر شعراً من ابن مسلمة، وليس في ولد الحسن من يشبهه.

انقر لاضافة تعليق
Wissem
الجزائر
على مادا كان يعتمد ف نقده2018-03-03

مواضيع ذات صلة

0