باتت الامراض في العصر الراهن تشكل أحد أعظم التحديات التي تواجه العالم حتى في المستقبل القريب، وقد توازي خطورتها الكوارث الطبيعية أو التغيير المناخي، كون الامراض قد تنتشر وتتسلل كوباء يفتك على ملايين البشر بضربة واحدة.

لذا لا يزال العلماء يجهلون بدرجة كبيرة كيفية وقف أو مجابهة الهجمات المرضية الشرسة التي لم يشهدها العالم من قبل في السنوات الأخيرة... من ظهور متلازمة الشرق الاوسط التنفسية (فيروس كورونا) في السعودية والسلالة الفيروسية الجديدة الفتاكة من انفلونزا الطيور بالصين والتفشي الذي لم يسبقه مثيل لوباء الايبولا في غرب افريقيا.

يقول خبراء الأمراض إن العلماء لم يفلحوا حتى في مجرد رصد منشأ تلك الأمراض ويرجع سبب ذلك ببساطة الى عدم اجراء الدراسات الأساسية وتحليل طرق انتقال الأمراض واختبار العقاقير واللقاحات التجريبية وذلك في أثناء استشراء تلك الأمراض، ويضيف هؤلاء الخبراء انها سقطة وقع فيها البحث العلمي يتعين ألا يُسمح له بتكرارها.

على الصعيد نفسه ظلت جرثومة الطاعون -التي تسببت في ما يعرف باسم وباء "الموت الأسود" إبان القرن الرابع عشر وأوبئة مروعة أخرى- تقض مضجع الإنسان لفترة أطول مما كان يعتقد من قبل، وأظهرت نتائج دراسة نشرت ان فحص الحمض النووي (دي ان ايه) الخاص بأناس عاشوا في العصر البرونزي في قارتي اوروبا وآسيا أوضح ان بكتريا (يرسينيا بيستيس) كبدت الجنس البشري خسائر في الأرواح عام 2800 قبل الميلاد أي أسبق بواقع أكثر من 300 عام عن أقدم أدلة سابقة على الطاعون، وأودى الطاعون بحياة الملايين من البشر على مر القرون في موجات من الجائحة أعادت تشكيل المجتمعات البشرية، والطاعون تنقله القوارض والبراغيث ومن بين الأعراض الأولية للاصابة به ارتفاع درجة حرارة الجسم والقشعريرة والغثيان والضعف العام وتضخم العقد الليمفاوية في الرقبة والإبطين وأصل الفخذين.

وأودى الطاعون بحياة الملايين من البشر على مر القرون في موجات من الجائحة أعادت تشكيل المجتمعات البشرية. وأبادت أوبئة الطاعون ما يقدر بنحو 200 مليون نفس ونشرت أمراضا مروعة إبان القرنين السادس والرابع عشر.

وتسببت بكتريا (يرسينيا بيستيس) في وباءين شرسين في التاريخ البشري: الأول هو طاعون جوستينيان في القرن السادس إبان حكم الامبراطور البيزنطي جوستين الذي أصيب بالمرض لكنه شفا منه والثاني هو طاعون (الموت الاسود)، وتشير التقديرات إلى ان طاعون جوستينيان أباد من 25 الى 50 مليونا من البشر فيما أهلك طاعون (الموت الاسود) 150 مليونا على الاقل.

فيما بات للمرة الأولى داء السل (الدرن) ينافس مرض الإيدز بوصفه السبب الرئيسي للوفيات في العالم جراء الأمراض المعدية، وتوصلت التقارير إلى انه خلال عام 2014 توفي 1.1 مليون شخص جراء الإصابة بالسل عام 2014 وخلال الفترة ذاتها قتل الايدز 1.2 مليون شخص في العالم منهم 400 ألف كانوا يعانون من المرضين مجتمعين، وهذا يعكس المكتسبات الملموسة التي تحققت في التوصل لعلاجات للايدز خلال العقد المنصرم أسهمت في انقاذ أرواح الكثيرين من العدوى فيما يعكس أيضا الفارق في التمويل لعلاج المرضين وهما أكبر أسباب الوفيات في العالم.

وتنتشر بكتريا السل من المرضى الى المحيطين بهم والمخالطين لهم من خلال السعال والعطس لكن من مضاعفاته الخطيرة اصابة الاطفال بالعمى والصمم والشلل والاعاقة الذهنية، وقالت منظمة الصحة العالمية إنه في عام 2014 اصيب بالسل نحو عشرة ملايين شخص توفي منهم 1.5 مليون وهو ما يتجاوز الرقم الخاص بوفيات الايدز البالغ 1.2 مليون شخص، فيما يلي احدث الدراسات والتقارير رصدتها شبكة النبأ المعلوماتية حول اخطر الامراض واكثرها انتشارا في القرن الحادي والعشرين.

فرص ضائعة في ميادين البحث العلمي

في سياق متصل قد يطلب من كل من تصبهم الانفلونزا في أوروبا هذا الشتاء ان يسجل اسمه ضمن تجربة اكلينيكية عشوائية ... حيث إما ان يتعاطوا عقارا –قد ينجح في علاج العدوى او قد لا يفلح- وإما ان تسدى اليهم نصائح بتناول المسكنات والخلود الى الراحة في الفراش، وسيسهم أولئك الذين سينخرطون في هذه التجربة في مساعدة العالم كي يعد العدة لمواجهة جائحة فتاكة محتملة قادمة فضلا عن مد يد العون للعلماء ممن يسعون جاهدين لسد الثغرات المعرفية التي تخلفت عن الفرص المهدرة السابقة. بحسب رويترز.

يقول جيريمي فارار مدير مؤسسة (ولكام تراست) الخيرية العالمية للصحة وخبير الأمراض المعدية "كانت البحوث التي جرت في جميع الأوبئة التي شهدناها خلال العقود الأخيرة جهودا يرثى لها. العالم الآن في خطر نظرا لوجود ثغرات هائلة في قاعدتنا المعرفية"، وأضاف "ليس لدينا الآن أي لقاح لعلاج التهاب الجهاز التنفسي الحاد (سارز) اذا ما عاود هجومه غدا. ولا ندري كيف نعالج متلازمة الشرق الاوسط التنفسية (فيروس كورونا) فيما استغرق الأمر من ستة الى تسعة أشهر كي نبدأ في التجارب الاكلينيكية للقاحات الايبولا، "في الوقت نفسه راح نحو 12 ألف شخص ضحية لهذه الأمراض. أما خلال استفحال السلالة الفيروسية اتش1ان1 من انفلونزا الخنازير فقد كان عدد من شاركوا في الدراسات الاكلينيكية العشوائية يقترب من الصفر"، وقالت ترودي لانج استاذة بحوث الصحة العالمية بجامعة اكسفورد التي تعكف على تذليل العقبات التي تقف حائلا دون مكافحة هذه الأمراض إن البيروقراطية والقيود اللوجستية وانعدام الرؤية واستبصار العواقب كانت تمثل جوهر هذه المشاكل.

وخلال تفشي وباء الايبولا الذي اجتاح غينيا وليبيريا وسيراليون كُلف فريق لانج –الذي تخصص في تخطيط وتنفيذ التجارب بين من هم عرضة للاصابة وسط الظروف العصيبة- بتصميم تجربة اكلينيكية لايجاد علاج محتمل للايبولا، وقالت لانج لرويترز "يستغرق الأمر عادة 18 شهرا لتصميم تجربة وقد أنجزنا ذلك في 18 اسبوعا فقط لكن المشكلة اننا كنا قد تأخرنا كثيرا بالفعل"، وخلال تفشي السلالة الفيروسية اتش1ان1 من انفلونزا الخنازير عام 2009 –عندما قامت حكومات كثيرة بتخزين عقاقير لمكافحة الفيروسات مثل تاميفلو الذي تنتجه شركة روش للمستحضرات الدوائية وريلينزا من انتاج شركة جلاكسوسميثكلاين ووصفها الاطباء كاجراء وقائي دون وجود تشخيص مؤكد- لم تجر أي تجارب اكلينيكية عشوائية للجزم بمدى فعالية هذه الأدوية، وأدى ذلك الى قلة أو عدم توافر أدلة مؤكدة لدى مسؤولي الصحة يستندون اليها في اتخاذ القرارات العلاجية عندما تتهدد العالم جائحة عالمية من سلالة فيروسية جديدة للانفلونزا، وقال كريس باتلر استاذ العلوم الاكلينيكية بمعهد الصحة العامة والرعاية الأولية بجامعة كارديف الذي يعمل الآن ضمن تجربة أوروبية شاملة لعلاج الانفلونزا الشتوية يأمل بأن تسد الفجوات المعرفية الحالية "من المؤسف للغاية إننا لم نغتنم الفرصة لايجاد أدلة".

وبات في حكم المؤكد أن بدء إجراء تجارب اكلينيكية خلال أي تفش ستكتنفه صعوبات ترجع جزئيا الى ان أي سلالة جديدة أو نادرة من المرض يمكن ان تصيب الكثيرين وتصيب الخدمات الصحية بالشلل كما ترجع أيضا الى وجود عقبات بيروقراطية.

ومُنح فريق لانج أموالا في سبتمبر أيلول من عام 2014 وتمكن في يناير كانون الثاني 2015 من بدء تجارب غير ان ذلك تزامن مع تراجع حاد في أعداد مرضى الايبولا فيما كان غرب افريقيا قد بدأ يشهد تعافيا تدريجيا من الوباء، وأشار العلماء الى كم هائل من استيفاء النماذج وملء الخانات الملائمة وصياغة العقود واجتماع اللجان وتوقيع الاتفاقيات وهي أمور يتضمنها التجهيز لأي تجربة اكلينيكية.

وقال باتلر "الأمر يتطلب كما هائلا من التراخيص إنها عملية عبثية يمكن ان تستغرق عدة أشهر. إنني اصاب بالصداع كلما أفكر في كل هذه الموافقات" من لجان الأخلاقيات والجهات الراعية والمحامين وكبار مسؤولي البحوث والتطوير والعاملين بالعيادات، ويستلزم الأمر موافقات قانونية بين موردي المنتج أو العقار التجريبي واللقاح أو غيرها وبين من يجرون التجربة والموردين والمستشفيات والعيادات والمراكز الصحية حيث سيجري استضافة المرضى، وفي سيناريو تفشي مرض سريع العدوى لاسيما متلازمة الشرق الاوسط التنفسية (فيروس كورونا) في السعودية أو السلالة الفيروسية الجديدة اتش7ان9 لانفلونزا الطيور بالصين فان مثل هذه المسائل القانونية يمكن ان تتفاقم بفعل التنافس على العثور على المرضى، وقالت لانج "نحتاج الى بروتوكولات جاهزة للعمل والى قوة مهام على أهبة الاستعداد من العاملين في مجال البحوث في كل مكان لنشرهم في تجارب التفشي القادمة"، وعلى سبيل المثال فان العقود القانونية تغطي بصورة شاملة نفس الأمور بالنسبة لأي تجربة مثل المشاركة في المعلومات وتخزينها وضمان ثقة المرضى والموافقات على التجربة والاطلاع على تفاصيلها وتوقيت نشر النتائج والأسعار والانتاج وتوافر المنتج في حالة ثبوت فائدته.

وباء الطاعون يحصد أرواح البشر أطول مما يعتقد

من جهته قال اسكي ويلرسليف عالم النشوء والتطور بجامعتي كوبنهاجن وكمبردج "يبدو انه بدأ يؤثر على العشائر البشرية على نطاق جغرافي واسع أقدم مما كان يعتقد من قبل"، ودرس الباحثون الحمض النووي المأخوذ من أسنان 101 من الناس من ستة مواقع: ثلاثة في روسيا وواحد في بولندا وواحد في استونيا وواحد في أرمينيا. وظهرت آثار جرثومة المرض على سبعة أشخاص، وتتبع الباحثون أيضا توقيت حدث محوري في تطور الطاعون ألا وهو طفرة جعلت الميكروب ينتقل من خلال البراغيث. ووجدوا البكتريا المسببة للمرض التي تحمل هذه الطفرة لدى شخص توفي في أرمينيا عام 951 قبل الميلاد وهو الأحدث ضمن الدراسة التي تضمنت 101 شخص، وأوضحت الدراسة التي نشرتها دورية (سيل) أي الخلية ان الطاعون استفحل عبر قارتي اوروبا وآسيا خلال العصر البرونزي. وعثر على أقدم دليل على العدوى في الحمض النووي لأشخاص دفنوا بين عامي 2782 و2794 قبل الميلاد في مقبرة جماعية في باتيني بروسيا بمنطقة آسيا الوسطى على جبال ألطاي. بحسب رويترز.

وقال سايمون راسموسن عالم الوراثة بالجامعة التقنية في الدنمرك إن أقدم دليل سابق عن انتشار الطاعون حدث في عام 540 بعد الميلاد في ألمانيا، وأضاف "يمثل طاعون العصر البرونزي مرحلة وسيطة عندما لم تكن قد نشأت بعد قدرات نقل العدوى من خلال البراغيث أو انتقال عدوى طاعون الجهاز الليمفاوي. لكن العدوى تسببت في طاعون التسمم الدموي وطاعون الجهاز التنفسي"، وكانت عدوى الطاعون تنتقل أساسا من شخص لآخر من خلال المخالطة حتى أدت طفرة إلى ان يعيش الميكروب في أمعاء البراغيث وقناتها الهضمية ويجعلها تلدغ أي شخص تقابله ما يساعد على استفحال الوباء.

وأبادت أوبئة الطاعون ما يقدر بنحو 200 مليون نفس ونشرت أمراضا مروعة إبان القرنين السادس والرابع عشر، وتسببت بكتريا (يرسينيا بيستيس) في وباءين شرسين في التاريخ البشري: الأول هو طاعون جوستينيان في القرن السادس إبان حكم الامبراطور البيزنطي جوستين الذي أصيب بالمرض لكنه شفي منه والثاني هو طاعون (الموت الاسود). وتتسبب البراغيث والفئران في نقل جرثومة المرض للبشر، وتشير التقديرات إلى ان طاعون جوستينيان أباد من 25 الى 50 مليونا من البشر فيما أهلك طاعون (الموت الاسود) 150 مليونا على الاقل.

سل أصبح السبب الرئيسي للوفاة في العالم بدلا من الايدز

الى ذلك قال ماريو رافيليوني مدير برنامج مكافحة السل بمنظمة الصحة العالمية "الأنباء السارة هي ان التدخل لعلاج السل أنقذ أرواح نحو 43 مليونا منذ عام 2000" لكن على الرغم من انه أمكن علاج معظم حالات السل بنجاح إلا ان معدلات الوفيات ظلت "مرتفعة بصورة غير مقبولة"، ويضم التقرير نتائج مأخوذة من 205 دول ومناطق شملت جميع أنواع مرض السل بما في ذلك الصور المقاومة للعقاقير علاوة على الجوانب الخاصة بالبحوث والتطوير والتمويل، وقال التقرير إنه تم ابلاغ منظمة الصحة بنحو ستة ملايين حالة إصابة جديدة بالسل وهي أقل من ثلثي 9.6 مليون شخص عالميا أصيبوا بالمرض العام الماضي، وقالت جرانيا برجدين المديرة المؤقتة لمنظمة أطباء بلا حدود إنه "يجب ان يسهم التقرير في لفت الانظار الى انه لا يزال يتعين بذل جهود هائلة للحد من أعباء هذا المرض القديم لكن القابل للشفاء". بحسب رويترز.

وقال رافيليوني إن التفاوت في التمويل مسألة مهمة لان التمويل الدولي لمكافحة الايدز يزيد بواقع عشر مرات عن مثيله لعلاج السل إذ ينفق مبلغ ثمانية ملايين دولار على علاج الايدز و800 ألف دولار فقط على علاج السل، وأضاف ان الوقت قد حان لبدء تمويل علاج السل على نحو يحدث فرقا أكبر فيما يتعلق بخفض الوفيات عالميا.

فيروس زيكا يخلف تشوهات لدى الرضع

من جانب مختلف، اكدت وزارة الصحة البرازيلية ان ثمة رابطا بين حالات صغر الرأس (الصعل)وهو تشوه يصيب الجمجمة لدى رضع وفيروس زيكا الذي تنقل عدواه البعوض الحاملة لحمى الضنك، وقالت الوزارة في بيان ان تسجيل حالات صغر الرأس في شمال شرق البرازيل "حالة فريدة من نوعها في الاوساط العلمية العالمية"، واقامت السلطات الرابط بعدما اكتشفت وجود الفيروس عند رضيع توفي بعدما ولد مع هذا التشوه في الرأس وامراض جينية اخرى، ويتميز هذا التشوه الخلقي بقطر جمجمة اقل من الحجم الطبيعي الامر الذي يؤثر على نمو الدماغ، وقد سجلت حتى الان 739 حالة محتملة لهذا المرض في البرازيل هذه السنة في مقابل 147 في 2014 على ما تظهر الارقام الرسمية. بحسب فرانس برس.

واشارت الحكومة ايضا الى وفاة بالغ ومراهقة قد يكونا اول حالتين في العالم مرتبطتين بفيروس زيكا من غير الرضع، وقد سجل انتشار فيروس زيكا وهو اخف من فيروس حمى الضنك، في 18 من 26 ولاية برازيلية خلال السنة الراهنة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0