بقلم: ليديا إل. شوك وأندريا جي. إيدلو

دراسة بيولوجيا الحمل لدى البشر مليئة بالتحديات. ويمكن للباحثين استخدام إجراءات تشخيصية باضعة للحصول على الحمض النووي من المشيمة أو الجنين، بهدف إجراء بعض التحليلات الجينية، أو يمكنهم أخذ عينة من الحمض النووي الريبي بغية إلقاء نظرة سريعة على نمو الجنين عند نقطة زمنية بعينها. ومع ذلك، نتيجة لأسباب أخلاقية وعملية، لا يمكن تكرار الحصول على عينات جنينية ومشيمية للتمكّن من رصد نمو الجنين وسلامته على مدى فترة الحمل. من هنا، في بحث نُشِر مؤخرًا في دورية Nature، جمع مورتن راسموسن وفريقه البحثي وحلَّلوا جزيئات حمض نووي ريبي تجوب مجرى الدم بحرية، تُعرَف باسم الحمض النووي الريبي الحر (cfRNA)، من أكثر من 1800 حامل ينتمين إلى فئات متنوعة، من ناحية العمر، ومؤشرات كتلة الجسم، والعِرق، والقارة، وفي مراحل مختلفة من حملهنّ. وقد أتاحت هذه التحليلات نظرة متعمقة إلى التغيرات الطبيعية التي تشهدها عملية التعبير الجيني لدى الجنين والمشيمة والأم على مدار فترة الحمل. بعد ذلك، استخدم واضعو الدراسة هذه المعارف التي جمعوها عن البصمات الطبيعية للحمض النووي الريبي الحر في أثناء الحمل للتنبؤ باحتمالية الإصابة بأحد مضاعفات الحمل التي قد تكون لها أضرار خطيرة وتسمى بمقدمات تسمم الحمل.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن اكتشاف أن الحمض النووي والحمض النووي الريبي الحر يُفرزان من أنسجة الأم والجنين والمشيمة، وأنه يمكن رصدهما في بلازما الأم، (وهي أحد مكونات الدم) يُعدّ بلا شك علامة فارقة على طريق تطوير وسائل تشخيص الحمل2. وقد شاع حاليًا استخدام الجيل التالي من تقنيات تعيين التسلسل الجيني التي ترصد الحمض النووي الحر للجنين (cffDNA) في بلازما الأم، بهدف فحص حالات الحمل بطريقة غير باضعة، بحثًا عن التشوّهات الكروموسومية الجنينية الشائعة بدرجة كبيرة من الدقة والتمييز. وعلى الرغم من أن تحليل الحمض النووي الحر له فوائد في تشخيص اضطرابات جينية معينة في الجنين، فإن الحمض النووي الريبي الحر هو نوع الحمض النووي الذي يلعب دورًا أكثر ديناميكيةً في هذا السياق، إذ يتيح آنيًا لمحة سريعة على نمو الجنين، بتوفير معلومات عن الجينات التي يجري التعبير عنها في لحظة بعينها.

وتتميز مقدمات تسمم الحمل بأنه يحدث فيها ارتفاع في ضغط الدم أثناء الحمل. وتصيب هذه الحالة ما يقرب من 8% من الحوامل. ومن الممكن أن تُلحق الضرر بعديد من أجهزة الجسم. كما أنها سبب رئيسي لحالات الوفاة والأمراض الخطيرة بين الأمهات وحديثي الولادة. وعلى الرغم من أن علامات مقدمات تسمم الحمل وأعراض هذه الحالة لا تظهر عادةً حتى الأسابيع الأخيرة من الحمل، فإن المرض ينشأ مبكرًا، وذلك عند تكوُّن المشيمة. ومع أن البشر فطنوا منذ قرون عديدة إلى الاضطرابات التي تحدث مع مقدمات تسمم الحمل، استعصى عليهم التوصل إلى اختبار للتنبؤ بهذه الاضطرابات في وقت مبكّر، يمكن أن تسهم التدخلات العلاجية خلاله في تغيير مسار المرض.

الغالبية العظمى من الأبحاث التي أُجريت لاكتشاف "مؤشرات" جزيئية على الاضطرابات المرتبطة بالحمل ركَّزت على البروتينات في العينات المتاحة المأخوذة من الأمهات، مثل عينات الدم أو البول6، في حين انصبَّت جهود راسموسن وفريقه البحثي على تحليل الحمض النووي الريبي الحر الذي يُفرز من أنسجة الأم والمشيمة والجنين ويُطلَق في دم الأم (الشكل 1). وقد قيَّم واضعو الدراسة تتمة جزيئات الحمض النووي الريبي الحر الموجودة في دم الأم (الترانسكربتوم)، والمستقاة من إجمالي 2539 عينة بلازما مأخوذة من 1840 امرأة حاملًا، قُسِّمن إلى ثماني مجموعات مُنفصلة، في ما يُعدّ الدراسة الترانسكربتومية الأكبر والأكثر شمولًا عن الحمل حتى الآن.

وقد استند واضعو الدراسة إلى عمل بحثي سابق، برهن على أن نسخ الحمض النووي الريبي الحر في بلازما الأم يمكن أن تتنبأ بالمدى العمري للحمل (العمر النمائي للجنين)7، واستخدموا مقاربة تعتمد على تقنية تعلُّم الآلة لتوجيه خوارزمية تنطوي على مجموعة بيانات تدريبية عن 1908 سمة من خصائص الحمض النووي الريبي الحر للتنبؤ بالمدى العمري للحمل. وتمكَّنت الخوارزمية، عند استخدامها مع مجموعة بيانات اختبار منفصلة تضم 474 عينة، من التنبؤ بالمدى العمري لحالات حمل لم تتجاوز مدتها آنذاك 14.7 يوم، لتحقق بذلك درجة من الدقة مماثلة لتلك التي يحققها الفحص بالموجات فوق الصوتية في الثلث الثاني من الحمل. وتعدّ قدرة الحمض النووي الريبي الحر تلك على تحديد المدى العمري للحمل بالغة الأهمية للوقوف على بصمات التعبير الجيني الطبيعية في المراحل المختلفة من عمر الحمل. ويشير واضعو الدراسة إلى أن هذا النهج يمكن أن يخدم كعامل مساعد في تحديد المدى العمري المتوقَّع للحمل في البيئات التي لا يتاح فيها استخدام تقنية الموجات فوق الصوتية قبل الولادة.

كما يقدّم واضعو الدراسة شرحًا مفصَّلًا لعمل بحثي سابق، برهن على إمكانية رصد الحمض النووي الريبي الحر الخاص بأنسجة الجنين في الدورة الدموية للأم. وقد اكتشف راسموسن وفريقه البحثي مجموعات فرعية معينة من نسخ الحمض النووي الريبي الحر في بلازما الأم تعبِّر عن أصل في أنسجة من الأم ومن أعضاء من الجنين ومن المشيمة، وتُسهم في تكوين رؤى متعمقة بشأن الكيفية التي تتغيَّر بها هذه المجموعات الفرعية عادة عبر مراحل الحمل المختلفة. وقد أظهرت الترانسكربتومات الخاصة بالأم زيادة في التعبير عن جينات مُرمِّزة لبعض البروتينات، مثل بروتينات الكولاجين، وهي بروتينات تُشكِّل مصفوفة النسيج البيني خارج الخلية، وهذا قد يعكس حدوث عملية إعادة تشكُّل لعنق الرحم استعدادًا للمخاض والولادة. وقد اتَّسقت التغيرات في وفرة نسخ الحمض النووي الريبي التي يُفتَرض أن منشأها أعضاء الجنين مع مسارات نمو معروفة. على سبيل المثال، مع سير الحمل، تراجعتْ بمرور الوقت مستويات النُسخ المُفرَزة من جزء بكلية الجنين ينكمش بمرور الوقت. وتُبيِّن هذه النتائج وجود إمكانية مثيرة للاهتمام تتيح تتبّع سير الحمل ومراقبة نمو أعضاء الجنين بطريقة غير باضعة باستخدام الترانسكربتومات في دم الأم.

بعد ذلك، أجرى راسموسن وفريقه البحثي تقييمًا بهدف معرفة ما إذا كانت بصمات الحمض النووي الريبي الحر في دم الأم خلال الثلث الثاني من الحمل يمكن أن تُنبئ بحدوث مقدمات تسمم الحمل في المستقبل، قبل وقت طويل من ظهور المؤشرات أو الأعراض الإكلينيكية لهذه المقدمات. وقارن واضعو الدراسة بين بصمات الحمض النووي الريبي الحر المأخوذة من عينات البلازما الخاصة بـ 72 من الحوامل اللاتي أصبن بمقدمات تسمم الحمل و452 بصمة لهذا الحمض، جُمِعت من حوامل لم يُصَبن بالحالة المرضية نفسها (أفراد مجموعة المقارنة). وقد جُمِعت هذه العينات في المتوسط قبل 14.5 أسبوع من الولادة. واكتشف واضعو الدراسة سبعة جينات بمستويات تعبير اختلفت على الدوام في الحالات المصابة عنها بين أفراد مجموعة المقارنة. كذلك اتّضح أن أربعة من تلك الجينات كانت قد ارتبطتْ سابقًا إما بمقدمات تسمم الحمل وإما بنمو المشيمة.

وقد ابتكر واضعو الدراسة نموذجًا رياضيًا يستخدم بصمات الحمض النووي الريبي الحر لتقدير احتمالية الإصابة بمقدمات تسمم الحمل. وبلغت دقة النموذج 75%، وهو ما يعني أنه تمكَّن من اكتشاف ثلاثة أرباع الحالات التي تنتهي بالإصابة بمقدمات تسمم الحمل. وفي مجموعة من الحوامل، أصابت مقدمات تسمم الحمل 14% تقريبًا من أفرادها، بلغت نسبة دقة تنبؤات النموذج (PPV) 32%، وهو ما يعني أن ما يقرب من ثلث النساء اللاتي تنبأ النموذج بحدوث مقدمات تسمم الحمل لديهن أثبتت عملية التشخيص لاحقًا إصابتهن بهذه المقدمات. وتُعبِّر هذه النسبة عن دقة أكبر بمقدار سبعة أضعاف من تلك التي توفرها الاختبارات التي تحلّ في المرتبة الثانية من ناحية القدرة على التنبؤ بمقدمات تسمم الحمل بحسب توصيفات المواد البحثية المنشورة في الوقت الراهن. وجدير بالذكر أن واضعي الدراسة وجدوا أن قدرة النموذج على التنبؤ بحدوث هذه المقدمات لم تتأثر بإدراج عِرق الأم ضمن المتغيرات؛ وهو ما يدعم بدرجة أكبر فكرة التخلي عن نُهُج التشخيص والعلاج القائمة على تحيّزات عرقية، وهي تحيزات اتّضحت قلة أو انعدام جدواها وأنها تسهم في تكريس الفوارق العرقية في الرعاية الصحية.

بيد أنه من بين أوجه القصور التي تعتري هذه الدراسة أن نسبة الإصابة بمقدمات تسمم الحمل في هذه المجموعة (وهي 14% تقريبًا) تتميز بارتفاعها عن المعدل العالمي المُسجَّل5 الذي يتراوح تقريبًا ما بين 2 و8%. ومن ثَمَّ، فإن نسبة دقة الاختبار ستكون أقل في المجموعات التي تنخفض فيها معدلات الإصابة بالمرض. كذلك سيتعين على أي تطبيقات إكلينيكية مستقبلية لنتائج الدراسة أن تأخذ في الاعتبار مقارنة الفوائد المكتسبة من التنبؤ المبكر بمقدمات تسمم الحمل مع الأضرار المحتملة لظهور نتيجة إيجابية كاذبة، وتشمل هذه الأضرار إجراءات المتابعة أو التدخل غير الضرورية، وزيادة قلق الأمهات.

ويُزمع أن يكون من أهم اتجاهات الأبحاث المستقبلية تحديد ما إذا كان بالإمكان الاعتماد على أخذ الحمض النووي الريبي الحر خلال الثلث الأول من الحمل لرصد تزايد خطر الإصابة بمقدمات تسمم الحمل، أم لا، لأن العلاج بجرعة منخفضة من الأسبرين، وهو العلاج الوقائي الوحيد المتاح حاليًا لهذه الحالة، من المرجح أن يكون أكثر فاعلية إذا بدأ قبل مرور 16 أسبوعًا من الحمل. واتساع نطاق نسبة فاعلية الجرعات المنخفضة من الأسبرين في الوقاية من مقدمات تسمم الحمل (تُقدّرَ تلك الفاعلية بنسبة تتراوح ما بين 2% و30%)16،15يبرِز الطبيعة الإشكالية لاستخدام علاج واحد لمرض شديد التباين بين مريضة وأخرى، تتجلى أعراضه ومظاهره بطرق متنوعة. وتمثّل الاختبارات الجزيئية التي يمكن أن تتيح نظرة متعمقة إلى مقدمات تسمم الحمل خطوة مهمة نحو استخدام نهج ترانسكربتومي أو جينومي أكثر ملاءمة في علاج اضطرابات الحمل. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إدخال البيانات الترانسكربتومية في بعض الموارد الحاسوبية كخريطة للترابط الجينومي17، وهي قاعدة بيانات عبر الإنترنت للبصمات الترانسكربتومية في أنواع مختلفة من الخلايا بعد العلاج بأدوية مختلفة، يمكن أن تسترشد بها عملية إعادة توجيه استخدام الأدوية الحالية المُستَعملة لعلاج الأمراض الخاصة بالحمل.

ويُعد هذا المورد الترانسكربتومي واسع النطاق المأخوذ من مجموعة متنوعة عرقيًا وجغرافيًا من النساء الحوامل مثيرًا للاهتمام لعدة أسباب. إذ لم يكتفِ واضعو الدراسة بتطوير اختبار يتنبأ بحدوث مقدمات تسمم الحمل فحسب، بل إن النتائج التي توصلت إليها الدراسة تفتح أيضًا الباب أمام توفير رؤى متعمقة بخصوص حالات الحمل الطبيعية ونمو الجنين، إلى جانب تطوير وضع علاجات منطقية ودقيقة يمكن أن تحسِّن من رعاية حالات الحمل.

اضف تعليق