مع ظهور المتحوّر «أوميكرون»، وهو آخر السلالات المتحوِّرة من فيروس كورونا التي أمكن اكتشافها حتى الآن، والتي يبدو أنها شديدة التحوُّر، وسريعة الانتشار، عمَّت حالة عامة من الانزعاج، والخوف، والاضطراب. أما ردود أفعال قادة الدول – خاصةً الدول ذات الدخل المرتفع – فإنها تزيد الطين بلَّة.

مرةً أخرى، فُرضت القيود على حركة المسافرين، مع أن بعضًا من تلك القيود لم يُثبت فاعلية كبيرة في الأوقات التي ارتفع فيها معدل انتشار الفيروس. وبدأت البلدان، التي اكتمل تطعيم نسبة كبيرة من مواطنيها بالفعل، في شراء دُفعات جديدة من اللقاحات، في حين أن نسبة المطعَّمين – ولو بجرعةٍ واحدة – لا تزيد على 6% من مواطني البلدان منخفضة الدخل. وقد نشر توليو دي أوليفيرا، من مركز جنوب إفريقيا للاستجابة للأوبئة والابتكار، التابع لجامعة ستيلينبوش، وهو يقود الفريق الذي نبَّه العالم إلى ظهور المتحوّر «أوميكرون»، تغريدة على موقع «تويتر»، قال فيها إن مجموعة من الباحثين الأفارقة قد شاركوا بيانات جمعوها حول مرض «كوفيد-19». سوف يجري تطوير لقاحات مقاوِمة لتلك السلالة المتحورة، وستوضع إرشادات لتشخيص الإصابة به، لكن البلدان ذات الدخل المرتفع ستكون أول من يستفيد منها.

ليس يخفى على العلماء أن هذه الموجة ستطيل أمد الجائحة، إلا أن قادة العالم ما زالوا عاجزين عن الوقوف على أسرع سُبُل الخروج منها. بدلًا من ذلك، تركز الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي جهودها على صياغة اتفاقية دولية جديدة، أو ربما معاهدة ملزمة قانونًا، تضع قواعد لتيسير التعاون بين البلدان عند مواجهة أي جائحة، بما يُمكنِّها من التعامل مع الأزمة التالية بشكل أفضل، مع ضمان عدم تخلُّف أي دولة عن الأخذ بإجراءات التشخيص والعلاج. وقد اجتاز هذا المشروع مرحلة فاصلة في شهر ديسمبر الماضي، إذ وافقت أعلنت جمعية الصحة العالمية، وهي المجلس الذي ينظِّم اجتماعات دورية لوزراء الصحة من جميع أنحاء العالم، موافقتها الرسمية على بدء المباحثات حول هذا الشأن.

كما أعربت منظمة الصحة العالمية عن دعمها القوي لتدشين معاهدة، أو اتفاق، أو أية وثيقة دولية أخرى يكون من شأنها حثُّ القادة على اتباع توصيات الصحة العامة التي وضعتها المنظمة، لاسيما فيما يتعلق بمشاركة البيانات واللقاحات. لكن باتباع الجدول الزمني الذي وضعته الجمعية، لن تكون هذه الاتفاقية مهيَّأة لدخول حيز التنفيذ قبل عام 2024، وحتى وقتها، لن يكون تمريرها مضمونًا.

ولهذا، فإن أكثر من مئة دولة (تشمل كلًّا من الصين والولايات المتحدة)، فضلًا عن مئات المؤسسات، ومنها دورية Nature، تقف وراء حملة تقودها الهند وجنوب إفريقيا، وتدعمها منظمة الصحة العالمية، للتنازل مؤقتًا عن حقوق الملكية الفكرية الخاصة بلقاحات وأدوية «كوفيد-19». والملاحَظ أن جهود تصميم وتطوير هذه العلاجات تجري على قدمٍ وساق في عدد صغير نسبيًا من الشركات، التي تستأثر ببراءات الاختراع الرئيسية، جنبًا إلى جنب مع حكومة الولايات المتحدة. يقول الباحثون المتخصصون في قضايا الملكية الفكرية، مثل لوك ماكدونا، من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إن تخفيف قيود الملكية الفكرية طوال مدة الجائحة سيساعد على تصنيع اللقاحات في جميع أنحاء العالم. غير أن الاتحاد الأوروبي يقف في وجه هذا القرار، ويعزو موقفه هذا، في جانبٍ منه، إلى المعارضة القوية التي تُبديها شركات الأدوية الأوروبية التي تخشى أن تفقد حصتها في السوق إذا سُمح لمنافسيها باستخدام تصميمات العقاقير التي وضعتها. ومع ذلك، فمن الممكن بلوغ هذا الهدف عن طريقٍ آخر.

"قد تمتد الجائحة إلى عام 2023، أو حتى عام 2024، ما دامت الدول الغنية مُصرَّة على الاستحواذ على معظم المخزون المتاح من اللقاحات".

ينبغي العمل على تنشيط الخطة التي وضعتها مبادرة إتاحة أدوات مكافحة «كوفيد-19» (المعروفة بمبادرة «كوفاكس») لتوفير اللقاحات للبلدان ذات الدخل المنخفض. عندما أطلقت الدول المانحة والمؤسسات الخيرية ومنظمة الصحة العالمية هذه المبادرة في بداية الجائحة، كانت تمتلك رؤية واضحة، عبَّر عنها الشعار: "لن يأمن أحد إلا إذا شمل الأمانُ الجميع". وكان المخطَّط له أن يتلقى العالم كله اللقاحات خطوة بخطوة، بدءًا من الفئات الأشد عُرضةً لأخطار المرض.

لكنّ شيئًا من هذا لم يحدث. ففي الوقت الذي وعدت فيه الحكومات المانحة بإعطاء حصة من اللقاحات لمبادرة «كوفاكس»، دخلَتْ في مفاوضات موازية مع الشركات المصنعة، وتقدَّمت بعض هذه الحكومات بطلبات للحصول على جرعات بكميات تفوق احتياجاتها الفعلية. إذن، لم تكن الأولوية لمبادرة «كوفاكس»؛ إذ بينما نصَّت الخطة على تسليم ملياري جرعة إلى المبادرة بحلول نهاية عام 2021، لم تتسلَّم المبادرة بحلول شهر يوليو الماضي سوى 95 مليون جرعة فقط.

مع تلقي نسبة كبيرة من سكان الدول ذات الدخل المرتفع جرعاتهم كاملةً، يبدو أن مبادرة «كوفاكس» في طريقها إلى تخطِّي الأزمة؛ إذ كان مقررًا أن تتمكن من توفير 600 مليون جرعة لقاح بحلول نهاية شهر ديسمبر الماضي. لكن بوادر التحسن تلك قد لا تدوم طويلًا، في ظل انتشار المتحوِّر «أوميكرون»، الذي يدفع الدول ذات الدخل المرتفع إلى التقدم بطلبات الحصول على كميات كبيرة من اللقاحات مرة أخرى، خاصة اللقاحات المقاوِمة لعدوى هذا المتحوِّر على وجه الخصوص، وهي اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA). وما دامت هذه الموجة مستمرة، فستظل البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط دائمًا في ذيل قوائم انتظار اللقاحات.

يقول ديفيد هيمان، المستشار العلمي المخضرم لمنظمة الصحة العالمية، إن «كوفاكس» في حاجة إلى شخصية عالمية مرموقة، أو شخصٍ في منزلة زعيم أحد بلدان مجموعة الدول الغنية السبع، لرئاسة هذه المبادرة؛ شخصٍ يتمتع بعلاقات قوية، ويحظى باحترام الجميع، ويتمتع بحضور، ومهارات تمكّنه من دفع الدول باتجاه التوصل إلى حل عالمي لتطعيم كل سكان العالم؛ شخصٍ قادر على حمل مدراء شركات الأدوية على الموافقة على مشاركة الملكية الفكرية، على غرار ما مع عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية. واستدرك هيمان مؤكدًا أن هذا ليس انتقادًا للقيادة الحالية للمبادرة، لكن التغيير مطلوب.

لفترة وجيزة من عام 2021، تفاءل الباحثون باحتمال انقشاع الجائحة بحلول نهاية عام 2022. لكن أندريا تايلور، التي تقود الفريق المعني بمعلومات الجائحة في مركز الابتكار الصحي العالمي بجامعة ديوك في دورهام، بولاية نورث كارولينا الأمريكية، تقول إن الجائحة قد تمتد إلى عام 2023، أو حتى عام 2024، ما دامت الدول الغنية تصر على الاستحواذ على معظم المخزون المتاح من اللقاحات، وترفض مشاركة نسبة أكبر من كفاءاتها الإنتاجية، في ظل ظهور متحورات جديدة، مثل «أوميكرون». وبنبرة الأسف تقول: "إننا نتخذ أقل الطرق كفاءةً للخروج من الجائحة"، إننا بإزاء حقيقة واضحةٍ وضوح الشمس، وما يُشبه القاعدة الثابتة التي لا مفر منها: لن تزول الجائحة ما لم يفطن العالم إلى ضرورة تطبيق العدالة في توزيع اللقاحات.

اضف تعليق