بقلم: راشيل برازيل

يستطيع بعض الأشخاص مكافحة الإنفلونزا الموسمية أفضل من غيرهم، عندما تكون سلالة فيروس الإنفلونزا مماثلة لتلك التي واجهوها في مرحلة الطفولة -وهي ظاهرة يُطلَق عليها اسم «الخطيئة المستضدية الأصلية» أو ما يُعرَف اختصارًا بـ(OAS)- ثمة قرائن متزايدة، في الوقت الحاليّ، على أن الاستجابات المناعية للأشخاص تجاه مرض «كوفيد-19» قد تتشكَّل بطريقة مماثلة من خلال إصابتهم بعدوى سابقة بالفيروسات التاجية المُسَبِبة لنزلات البرد.

قد يكون للتَّأثير المذكور أعلاه تداعيات على تصميم لقاحات «كوفيد-19» في المستقبل. بيد أنه لم يتضح بعد مدى تأثير ذلك في الأشخاص المصابين بمرض «كوفيد-19»، وما إذا كان يمنح حماية معززة أم أنه في الواقع يعوق الاستجابة المناعية. يقول كريج طومسون، اختصاصي الفيروسات بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة إن: "الجدل الدائر يأخذ طابعًا استقطابيًا إلى حد كبير في الوقت الراهن".

وقد وُضِع توصيف «الخطيئة المستضدية الأصلية» -أو ما يُسمى أيضًا بالبصمة المناعية- لأوّل مرة في عام 1960 على يد اختصاصي علم الأوبئة توماس فرانسيس جونيور، الذي لاحظ أن جهاز المناعة بدا وكأنه مُبرمَج بشكل دائم لإنتاج أجسام مضادة ضد السلالة الأولى من أحد فيروسات الإنفلونزا التي واجهها1 وتنشط الخلايا المناعية من جديد عندما يُصاب الجسم بفيروس من فيروسات الإنفلونزا يتشارك مع تلك السلالة الأولى في مناطق، أو "محددات مستضدية".

وفي ما يخصّ فيروس «سارس-كوف-2»، ثمة أدلة متنامية على أن التعرّض لفيروسات تاجية أخرى -من ضمنها تلك التي تُسبب نزلات البرد وأمراضًا تنفسية أخرى- يؤدِّي دورًا في الاستجابات المناعية للأشخاص. يقول سكوت هنسلي، اختصاصي الأحياء المجهرية بجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا: "الأمر يشبه إلى حد كبير الإنفلونزا، فمعظمنا يُصاب بهذه الفيروسات التاجية الشائعة في سن الخامسة أو السادسة". وقد اكتشفت مجموعته البحثية أن عيّنات مصل الدَّم المأخوذة من أشخاص قبل الجائحة احتوت على أجسام مضادة ضد فيروس من الفيروسات التاجية المُسَبِبة لنزلات البرد يُسمّى (OC43)، التي تستطيع الارتباط بالبروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2»2.

واستطاع هنسلي وزملاؤه، مستعينين بالعيّنات المأخوذة قبل الإصابة بالعدوى وبعدها، إثبات أن الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» قد عزَّزت إنتاج الأجسام المضادة المرتبطة بفيروس OC43. وتَوَصَّلَت دراستهم، المنشورة في فبراير الماضي، إلى أن هذه الأجسام المُضادة ترتبط بالوحدة الفرعية (S2) للبروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2»، التي لها بِنية مُماثلة لتلك الموجودة في فيروس OC43. لكن الأجسام المضادة لفيروس OC43 لم ترتبط بالمنطقة (S1) من البروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2» ولم تتمكّن من منع دخول الفيروس إلى الخلايا.

تأثيرات البصمة

يُعرَف عن البصمة أن لها تأثيرًا إيجابيًا في المناعة ببعض الحالات. وقد درس هنسلي وزملاؤه آثار البصمة في أثناء جائحة إنفلونزا الخنازير (H1N1) عام 2009 وتوصلوا إلى أن التعرُّض لبعض سلالات الإنفلونزا التاريخية وفّر حماية من الإصابة بعدوى إنفلونزا الخنازير3 يقول هنسلي: "كان هناك بعض المحددات المستضدية في ذلك الفيروس التي حُفِظَت مع سلالات الإنفلونزا الموسمية السابقة. لقد كان استدعاء استجابات الأجسام المضادة ضد تلك المحددات المستضدية مفيدًا في الواقع".

غير أن الخطيئة المستضدية الأصلية لها جوانب سلبية مُحتَمَلة أيضًا. ففي بعض الأحيان، لا تتطابق الأجسام المضادة المُولَّدة نتيجة للبصمة تطابقًا تامًا مع الفيروس المُسَبِب للعدوى، لكن إنتاجها يثبّط تنشيط الخلايا البائية الساذجة التي كانت لتُنتِج أجسامًا مضادة تُوفِّر قدرًا أكبر من الحماية لولا ذلك. يقول أدولفو جارسيا-ساستري، مدير المعهد العالمي للصحة ومُسبّبات الأمراض الناشئة في كلية أيكان للطب بماونت سيناي في مدينة نيويورك: "إنك تحصل على استجابة قد تنحو نحو المستضدات المحفوظة خِلَاف المستضدات الجديدة". وقد يُضعِف هذا قدرة الجهاز المناعي على مكافحة العدوى الجديدة.

بَحَث جارسيا-ساستري الاستجابات المناعية المبكّرة للأشخاص الذين أُدخِلوا المستشفى بسبب إصابتهم بمرض «كوفيد-19» في إسبانيا، ورصد ارتفاع مستويات الأجسام المضادة ضد فيروس OC43 وفيروس تاجي آخر من نوع بيتا يُسمى (HKU1)، وهما فيروسان يتشاركان محدداتٍ مستضدية مع فيروس «سارس-كوف-2» (المرجع 44). يقول جارسيا-ساستري: "لقد بحثنا عن وجود ارتباط بين الأشخاص الذين ترتفع لديهم [مستويات] الأجسام المضادة ضد هذه المحددات المستضدية المحفوظة، مقابل امتلاك مناعة وقائية أقل ضد فيروس «سارس-كوف-2»، وكان هناك ارتباط طفيف".

وشاهد طومسون وزملاؤه أيضًا علامات التأثير السلبي للخطيئة المستضدية الأصلية على الأشخاص المصابين بمرض «كوفيد-19»، في مسوَّدة بحثية نُشِرَت العام الماضي5 استند التحليل إلى عينات مأخوذة في عام 2020 من أشخاص في المملكة المتحدة أُصيبوا بعدوى غير مصحوبة بأعراض، ومن أشخاص نُقلوا إلى المستشفى مصابين بحالة شديدة من مرض «كوفيد-19»، وتُوفيَّ نصفُهم لاحقًا. وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تُوفّوا أنتجتْ أجسامُهم عددًا أقل من الأجسام المضادة ضد البروتين الشوكي لفيروس «سارس-كوف-2»، مقارنةً بالأشخاص الذين نجوا، لكنهم أنتجوا الكمية نفسها من الأجسام المضادة لبروتين آخر موجود في الفيروس، وهو بروتين القفيصة النووية.

يقول طومسون إن هذه النتائج تشير إلى أن الذكريات المطبوعة للبروتين الشوكي من فيروس تاجي مختلف، ربما تكون قد منعت حدوث استجابة مناعية أكثر فاعلية لدى أولئك الذين لم تُقَّدر لهم النجاة. ويتابع: "هذه إحدى بصمات الخطيئة المستضدية الأصلية". لكنه يضيف أنه من السابق لأوانه الوصول إلى نتيجة بشأن هذا بشكلٍ بات.

ويصعب، في ضوء هذه النتائج الأوَّليّة، معرفة ما إذا كانت الخطيئة المستضدية الأصلية تفيد أم تضر الاستجابة المناعية ضد فيروس «سارس-كوف-2»، كما أن نتائج الدراسات الأوَّليّة عُرضة للتأويل. ويحذِّر هنسلي من أن الاكتفاء بقياس مستويات الأجسام المضادة لا يُقدّم صورة كاملة لعملية استجابة مناعية معقدة. ويعتقد هنسلي أيضًا أن وجود الأجسام المضادة لفيروس OC43 لدى الأشخاص المصابين بمرض «كوفيد-19» قد يدلّ على أن الإصابة بعدوى حديثة من فيروس OC43 تساعد جهاز المناعة على مكافحة الفيروس. في شهر يوليو الماضي، أظهرت دراسة أُجريَّت على عينات من العاملين في مجال الرعاية الصحية أن الأفراد الذين ظهرت على عيناتهم علامات تشير إلى التعرُّض مؤخرًا لفيروس OC43 تعافوا من عدوى «سارس-كوف-2» بشكل أسرع6من أولئك الذين ليست لديهم هذه العلامات. وأظهر بحث آخر تأثيرات وقائية مماثلة.

وفي دراسة نُشرت في شهر ديسمبر 2020، وجد أيضًا جورج كاسيوتيس، اختصاصي المناعة في معهد فرانسيس كريك في لندن، أن الأجسام المضادة لفيروس OC43 الموجودة مسبقًا، أظهرت تفاعلًا مع فيروس «سارس-كوف-2» (المرجع 77). وفي ذلك الوقت، لم يكن كاسيوتيس متأكدًا من التَّداعيات، ولكن بعد مراجعة الدراسات المنشورة منذ ذلك الحين، يقول إن: "غالبية الأدلة تشير إلى مساهمة إيجابية إجمالًا، وليست سلبية"، يرى جارسيا-ساستري أنه حتى إذا لم تتمكن الأجسام المضادة لفيروس OC43 من منع دخول فيروس «سارس-كوف-2» إلى الخلايا، فإنها قد تحفز الجهاز المناعي لقتل الخلايا المصابة.

تحديثات اللقاح

السؤال الرئيسي هو: هل بإمكان هذه الملاحظات أن تساعد على توجيه استراتيجيات التطعيم المستقبلية الخاصة بمرض «كوفيد-19» أم لا. يقول كاسيوتيس إنه في الوقت الراهن، تحمي اللقاحات القائمة على الإصدار الأصلي من الفيروس التاجي -الذي أُبلِغ عنه لأول مرة في مدينة ووهان الصينية أواخر عام 2019- من جميع المُتَحَوِّرات المعروفة.

تقلل البصمة في بعض الأحيان من فاعلية لقاحات الإنفلونزا، بحسب سارة كوبي، اختصاصية الأحياء التطورية والباحثة في مرض الإنفلونزا بجامعة شيكاغو بولاية إلينوي. ويُحَدَّث لقاح الإنفلونزا سنويًا للحماية من تلك السلالات التي يعتقد الباحثون أنها على الأرجح ستكون الأكثر انتشارًا. وتقول كوبي إن أجهزة المناعة لدى بعض الأشخاص ما زالت لا ترى التَّحديث، ولم تزل تستهدف الأجزاء المألوفة لها من الفيروس. وتضيف: "يبدو أنها لا تقدّم استجابة فعلية للشيء الذي حدَّثنا اللقاح من أجله بعناية". وقد تواجه لقاحات مرض «كوفيد-19» المستقبلية المُصَممة خصيصًا للمُتَحَوِّرات الجديدة مشكلات مماثلة.

ولو أن هنسلي لا يرى أن هذا أمر مُرَجَّح حدوثه. ففي دراسة نُشِرَت كمسوّدة بحثية في أكتوبر الماضي، أفاد هنسلي وزملاؤه أن أجسام الناس لا تُنتج عديدًا من الأجسام المضادة لفيروس OC43 بعد تلقّي أحد لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال، كما هي الحال عند الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» نفسه8 قد يرجع ذلك إلى أن لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال تُرسي استجابة مناعية ذات درجة من الكفاءة ليُمكِنها تجاوُز أي تأثير للبصمة المناعية. ويقول هنسلي: "ربما لن يكون هناك قدر كبير من التحيُّز تجاه المحددات المستضدية المحفوظة حقًا في سياق لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال. وهذا ما نرجوه".

يقول طومسون إنه يمكن أيضًا التحايل على المشكلة في لقاحات «كوفيد-19» المُحَدَّثة بإزالة المحددات المستضدية المشتَركة، ويشرح ذلك: "قد نتمكن بسهولة من فصل نطاق الوحدة الفرعية (S2)، أو صنع لقاح يستهدف فقط مجال ربط المُستَقبِل لأحدث سلالة منتشرة. ولكن هذا أمر افتراضي في الواقع".

يقول هنسلي: "من المُحتَمَل أن يكون هناك تفاعل مُعَقَّد للغاية بين عدوى الفيروس التاجي الموسمية وأثر المرض عند الإصابة بعدوى «سارس-كوف-2»". ويضيف: "لا أعتقد أنه يجب طرح أي شيء في هذه المرحلة باعتباره حقيقة كاملة".

اضف تعليق