بقلم تانيا لويس

لا يزال أمامنا الكثير من الوقت قبل أن نستطيع معرفة ما إذا كانت أعراض متحور «أوميكرون» أقل حدةً من تلك المصاحبة للمتحورات الأخرى.. لكن ثمة مخاوف حول قابليته للانتقال وقدرته على الإفلات من المناعة المكتسبة من اللقاحات.

طابور طويل في مركز التطعيمات بمستشفى سانت توماس في لندن. تدعو حكومة المملكة المتحدة جميع الأشخاص المؤهلين للحصول على جرعة تنشيطية إلى تلقي هذه الجرعة، وذلك بالتزامن مع انتشار المتحور «أوميكرون».

مع ورود أول الأنباء حول ظهور المتحور الجديد لفيروس كورونا «أوميكرون» خلال عطلة عيد الشكر في الولايات المتحدة، خيَّم على الأجواء شعور بالخوف والإنهاك؛ إذ لم تَكَد التوقعات بشأن مستقبل جائحة «كوفيد» تتخذ مَنحىً إيجابيًّا حتى وجدنا أنفسنا أمام متحور جديد بات من الواضح أنه أكثر قدرةً على الانتشار مقارنةً بالمتحورات السابقة، بل من المرجح أن يكون أكثر قدرةً على الإفلات ببراعة من المناعة المكتسبة من التطعيم أو تلك الناتجة عن الإصابة السابقة بالعدوى، غير أن البيانات الأولية بشأن المتحور «أوميكرون» منحتنا بصيصًا من الأمل؛ إذ أشارت إلى أن أعراض «كوفيد» التي يسببها ذلك المتحور قد تكون أقل حدةً مقارنةً بالمتحورات السابقة.

ومع ذلك، لا يزال التعامل مع الجائحة بأريحية والتخلي عن الحيطة في مواجهتها بناءً على تلك البيانات أمرًا سابقًا لأوانه؛ فتلك البيانات تستند في معظمها إلى تقارير أتت من جنوب إفريقيا (وهي دولة يُعتبَر أغلب سكانها من الشباب، ولديها معدل مرتفع من الإصابات السابقة)، فضلًا عن تقارير أخرى رصدت واقع المسافرين الدوليين، وهم في الأغلب ينتمون إلى الفئات الأصغر سنًّا ويتمتعون بصحة جيدة، بالإضافة إلى ذلك، فإن معدلات الاحتجاز بالمستشفى أو الوفيات الناجمة عن «كوفيد» عادةً ما لا تتضح إلا بعد مرور أسابيع على الإصابة بالعدوى، ومن هنا، لا يسعنا سوى الانتظار لنرى ما إذا كنا سنستمر في تلقِّي المزيد من الأنباء عن رصد أعراض أقل حدةً لدى المصابين، لا سيما في دولٍ مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وكلتاهما لديها نسبة أكبر من السكان الذين ينتمون إلى الفئات الأكبر سنًّا، وقد يفتقر الكثير منهم إلى المناعة المكتسبة من عدوى سابقة (غير أن مناعتهم مكتسبة بنسبة أكبر من التطعيم).

وحتى لو ثبت أن أعراض «أوميكرون» أقل حدةً مقارنة بالمتحورات السابقة، فهو لا يزال مرتبطًا بتفاقم عدد الإصابات بشكل عام، ما يعني أن عدد الحالات التي ستصاحبها أعراض حادة نتيجة الإصابة بـ«أوميكرون» من الوارد أن يعادل أو يفوق عدد الحالات التي صاحبتها أعراض حادة نتيجة الإصابة بالمتحورات الأخرى، وتقول ناتالي دين، عالمة الإحصاء الحيوي في جامعة إيموري: "تُعد قابلية انتقال العدوى في حد ذاتها عاملًا مهمًّا، وذلك من حيث [تأثيرها على] مدى سرعة انتشار حالات التفشي"، كما تنوه قائلة: "حتى وإن كانت الأعراض لا تحتد إلا لدى حفنة قليلة [من حالات «أوميكرون»]"، فإن عدد هذه الحالات لا يزال كبيرًا، وقد ينجم عن هذه الحفنة القليلة من الحالات الحرجة احتجاز أعداد غفيرة من المصابين بالمستشفيات ووقوع الكثير من الوفيات، الأمر الذي سيرهق أنظمة الرعاية الصحية التي أوشكت على الانهيار بالفعل.

تعود الفرضية القائلة بأن «أوميكرون» ربما كان أقل خطورةً من غيره إلى تقرير صدر عن مستشفى في جنوب إفريقيا، وهي إحدى الدول التي رُصِد فيها المتحور لأول مرة، وجد هذا التقرير أن العديد من المرضى المصابين بـ«أوميكرون» كانوا موجودين بالفعل في المستشفى لأسباب أخرى، وأن إصابتهم بالعدوى اكتُشِفَت بالصدفة، اكتشف التقرير أيضًا وجود تراجُع في عدد مرضى «كوفيد» الذين جرى نقلهم إلى وحدات العناية المركزة، وتراجُع أكبر في نسبة مَن احتاج منهم إلى العلاج بالأكسجين، وذلك مقارنةً بإحصائيات المستشفى خلال الموجات السابقة من الجائحة، وعلاوةً على ذلك، فإن كثيرًا من أولى حالات «أوميكرون» التي جرى الإبلاغ عنها في أوروبا والولايات المتحدة كانت تتراوح شدة الأعراض لديها ما بين خفيفة ومتوسطة.

ومع هذا، نُقِلَ أكثر من 195 شخصًا تأكدت إصابتهم بـ«أوميكرون» في المملكة المتحدة إلى المستشفيات، في حين توفي 18 شخصًا على الأقل، (ويقول الخبراء إن العدد الحقيقي للحالات التي دخلت المستشفى نتيجة الإصابة بـ«أوميكرون» قد يكون أكبر من ذلك بعشر مرات، وإن معدل الوفيات هو الآخر قد يكون أعلى)، ولكن، وفق ما ورد في تقرير صدر مؤخرًا بالمملكة المتحدة، فإن عدد الحالات التي احتُجزت بالمستشفيات نتيجةً للإصابة بالمتحور «أوميكرون» أقل من عدد الحالات التي احتُجزت بالمستشفيات نتيجةً للإصابة بالمتحور «دلتا».*

وفي الواقع، من الصعب أن نحدد في هذه المرحلة المبكرة للغاية هل الأعراض المصاحبة لـ«أوميكرون» أقل حدةً بالفعل من الأعراض المصاحبة لغيره من المتحورات، أم أنه يبدو كذلك فقط لأن غالبية الأشخاص الذين أصيبوا به كان لديهم شيء من المناعة المكتسبة، فعلى سبيل المثال، كشفت مسودة لدراسة أجراها باحثون من جنوب إفريقيا (ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران) أن الأشخاص الذين سبقت لهم الإصابة بفيروس كورونا المستجد، و"تسللت" العدوى إلى أجسادهم مرةً أخرى رغم تلقِّيهم اللقاح، كانوا أكثر تعرضًا لتكرار الإصابة بالعدوى خلال موجة «أوميكرون» الأخيرة بنحو 2.4 مرة مقارنةً بأول موجة شهدتها البلاد من هذه الجائحة، وعلى ما يبدو فإن متحور «أوميكرون» يتمتع بقدرة أفضل على الإفلات من الحماية المناعية المكتسبة من التطعيم؛ إذ أظهرت نتائج وردت في مسودة لدراسة أخرى -عكف القائمون عليها على حساب مدى قدرة الدم المأخوذ من أشخاص تلقوا جرعات من لقاح «فايزر» على تحييد الفيروس- أن هذه القدرة التحييدية انخفضت انخفاضًا كبيرًا في ظل وجود متحور «أوميكرون»، ما يعني أن تحييد «أوميكرون» كان يتطلب كمًّا أكبر من الأجسام المضادة مقارنةً بالسلالات الأخرى، لكن الدراسة أشارت أيضًا إلى أن الفيروس لم يكن لديه مطلق القدرة على اختراق آليات الجهاز المناعي الدفاعية؛ فالأشخاص الذين اجتمع لديهم شرطا تلقِّي اللقاح والإصابة المسبقة بالعدوى كانوا يتمتعون بحماية جيدة، ومن ثَمَّ يتوقع الباحثون أن يكون للجرعة المنشطة تأثيرٌ مماثلٌ من حيث الوقاية.

على سبيل المثال، أفادت مسودة لدراسة أُجريت في المملكة المتحدة بأن تلقِّي جرعتين من لقاح «فايزر» كان فعالًا بنسبة 35% فقط في الوقاية من ظهور الأعراض المصاحبة لـ«أوميكرون»، بينما عجز لقاح «أسترازينيكا» عن منح مَن تلقوا جرعتين منه أي وقاية تُذكَر من ظهور الأعراض، غير أن تلقِّي جرعة تنشيطية من لقاح «فايزر» زاد من درجة الوقاية بنسبة تتراوح بين 70% و75% لدى الأشخاص الذين تلقوا واحدًا من اللقاحين، ولم يحدد العلماء بعد مدى فاعلية تلقِّي جرعتين من أيٍّ من اللقاحين في الوقاية من حدة الأعراض، ولكن من المرجح أنهما يمنحان المتلقي شيئًا من الحماية على الأقل.

وفي هذا الصدد، تقول كاتيا كويل، عالِمة الأحياء التطورية في جامعة إيموري: "إن الأشخاص الذين خضعوا للتطعيم أو سبقت لهم الإصابة بالعدوى، وأصيبوا بعدها [بـ«أوميكرون»]، حتى وإن كانت الأعراض لديهم خفيفة، يمكنهم تمرير العدوى إلى أشخاص غير محصنين، قد يواجهون بدورهم احتمال الإصابة بأعراض حادة"، وتضيف كويل: "حتى إن تبين أن العدوى [بـ«أوميكرون»] أقل حدة، فإن عدد الأشخاص الذين سيصابون بها سيكون أعلى بكثير من عدد المصابين بـ[المتحورات الأخرى]"، ولكن، لحسن الحظ، فإن الجرعات التنشيطية ستساعد أولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إليها ومَن هم مستعدون للحصول عليها في مواجهة هذه المخاطر، وتعتقد كويل أن الفيروس الذي يسبب الإصابة بـ«كوفيد» سيؤول به الحال إلى ما آلت إليه الفيروسات المسببة لنزلات البرد أو الأنفلونزا الموسمية مع زيادة نسبة الأشخاص الذين اكتسبوا مناعةً ضده، وتقول إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: "كم من الوقت سيستغرق الأمر قبل حدوث ذلك؟".

وثمة سؤال آخر حول ما إذا كان «أوميكرون» -وهو المتحور المسؤول بالفعل عن غالبية الإصابات الجديدة في الولايات المتحدة- سيحل محل المتحور «دلتا»، الذي اكتُشِف لأول مرة في الهند في أواخر عام 2020 وسرعان ما أصبح السلالة السائدة في جميع أنحاء العالم في بداية العام الماضي، وردًّا على هذا السؤال، يرى تريفور بيدفورد -أستاذ الإحصاء الحيوي والمعلوماتية الحيوية وعلم الأوبئة في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل- أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولها يتفوق فيه «أوميكرون» على «دلتا» فيحل محله، وثانيها ينتشر فيه كلا المتحورين معًا في المناطق نفسها، وثالثها يعاود فيه المتحور «دلتا» الظهور في أعقاب موجة من الإصابات بـ«أوميكرون»، والواقع أنه كلما تبيَّن أن «أوميكرون» أكثر براعةً في الإفلات من المناعة التي يكتسبها المصابون بعدوى «دلتا»، زاد احتمال أن يحتل كل متحور منهما مكامن بيئيةً مختلفةً عن الآخر، وأن ينتشرا معًا في الوقت نفسه، على غرار سلالات معينة من الإنفلونزا، وفي جميع الأحوال، ترى كويل أنه من الجلي أن «أوميكرون» سيتسبب في موجة كبيرة من الإصابات خلال الشتاء.

بيد أن بعض الخبراء لديهم نظرة أكثر تفاؤلًا بشأن تأثير «أوميكرون»، على سبيل المثال، ترى مونيكا غاندي -الأستاذة بكلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو- أن البيانات التي جرى جمعها من مستشفى بجنوب إفريقيا، كما ذُكِر في بداية المقال، تطرح دليلًا على أن أعراض «أوميكرون» أقل حدةً من الأعراض المصاحبة لغيره من المتحورات، وتذكر أنه بالرغم من وجود مخاوف حول تلك البيانات من باب أن نسبةً كبيرةً من سكان جنوب أفريقيا من الشباب، فالهند لديها تكوينٌ سكاني مماثل، ومع ذلك كانت موجة «دلتا» هناك أشد حدةً في بدايتها مقارنةً بموجة «أوميكرون» الحالية، تقول غاندي: "ثمة علامات واضحة جدًّا على أن [«أوميكرون»] مختلف"، وتُردف قائلة: "ولذا، أعتقد أن هذه أخبارٌ جيدة، وإن كان الحذر لا يزال واجبًا".

غير أن ذلك لا ينفي بطبيعة الحال وجود اختلافات مهمة بين سكان البلدين؛ فقد شهدت جنوب إفريقيا مثلًا العديد من الموجات القاسية للجائحة قبل الموجة الحالية، ما يعني أنه من الممكن أن تكون المناعة التي اكتسبها السكان من قبل قد خفَّفت من حدة إصابات «أوميكرون»، ومن هنا، لا يسعنا سوى الانتظار لنرى إذا ما كانت الإصابات بهذا المتحور سيصاحبها أعراض خفيفة بالقدر نفسه لدى مجموعات سكانية أخرى أم لا.

تقول دين: "إننا نتعلم الكثير مما يحدث في جنوب إفريقيا والمملكة المتحدة"، وتضيف: "لكنني أشعر بالقلق من مدى سرعة انتشار [«أوميكرون»] وقدرته على إصابة الأشخاص بالعدوى مرةً أخرى أو إصابة مَن تلقوا اللقاح، إن وضعًا كهذا سيكون من شأنه فرض مزيدٍ من الضغط على الجميع".

وقد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يتضح التأثير الكامل لــ«أوميكرون»، تقول دين: "أشعر أحيانًا وكأننا نتأرجح مثل كرات البندول بين صوتين، أحدهما مذعور ويدعونا للاستنفار، والآخر يطمئننا بقوله: ’لا داعي للقلق‘"، ومن ثَمَّ، ترى دين أنه من الضروري أن تصل الناس رسالة حازمة بأن الوضع ما زال مبهمًا؛ "كيلا يستمروا في التأرجح بين الذعر والإفراط في الطمأنينة".

اضف تعليق