بقلم إوين كالاواي، وهايدي ليدفورد

يسعى الباحثون المعنيّون بدراسة مرض «كوفيد-19» سعيًا حثيثًا إلى معرفة مدى قدرة هذه السلالة المتحورة على الانتشار، ودرجة خطورتها، وقدرتها على الإفلات من الاستجابات المناعية المستحثَّة باللقاحات.

مرَّت أسابيع منذ أن نبَّه علماء في بوتسوانا وجنوب إفريقيا العالم إلى ظهور سلالة متحورة سريعة الانتشار من «سارس-كوف-2»، صارت تُعرف باسم «أوميكرون». ويسابق الباحثون على مستوى العالم الوقت لإدراك التهديدات العالمية التي تشكّلها هذه السلالة المتحوِّرة، وهي سلالة تأكَّد وجودها الآن في أكثر من 30 دولة. في الوقت نفسه، قد يحتاج العلماء إلى عدة أسابيع كي تتكوَّن لديهم صورة أوضح وأكثر اكتمالًا لقدرة هذه السلالة على الانتشار ومدى خطورتها، وقدرتها على الإفلات من تأثير اللقاحات والتسبب في الإصابة بالعدوى من جديد.

في ذلك الصدد، تقول سينجوتي ساها، اختصاصية علم الأحياء الدقيقة الجزيئي، ومديرة مؤسسة أبحاث صحة الطفل في مدينة دكا، عاصمة بنجلاديش: "حتى العلماء لا يعرفون إلا قليلًا عن الوضع".

وفي هذا المقال، توجز دورية «نيتشر» Nature آخر ما توصَّل إليه العلماء إلى الآن، بخصوص السلالة المتحورة «أوميكرون».

ما مدى سرعة انتشار سلالة «أوميكرون»؟

أكثر ما يُقلق الباحثين هو الزيادة السريعة التي يشهدها انتشار سلالة «أوميكرون» في دولة جنوب إفريقيا، فهي تدل على أن هذه السلالة قد تؤدِّي إلى اندلاع موجات تفشٍ هائلة من «كوفيد-19» في بقاع أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه في الأول من ديسمبر الحاليّ، ارتفع عدد حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» في دولة جنوب إفريقيا إلى 8.561 حالة، بعد أن كان يبلغ عدَّة مئات يوميًا في منتصف نوفمبر الماضي، وشهدت مقاطعة جوتنج التي تحتضن مدينة جوهانسبرج نسبة كبيرة من هذا الارتفاع.

جدير بالذكر في هذا السياق، أن علماء الأوبئة يقيسون مدى انتشار الجوائح بالاستعانة بعدد التكاثر (R)، وهو متوسط عدد الحالات الجديدة الناجم عن كل إصابة بالعدوى. وقد أثبت المعهد الوطني للأمراض المعدية في جنوب إفريقيا (NICD)، في جوهانسبرج، نوفمبر الماضي، أن عدد التكاثر (R) كان أعلى من اثنين في مقاطعة جوتنج. وتعقيبًا على ذلك، قال ريتشارد ليسيلز، طبيب الأمراض المعدية من جامعة كوازولو-ناتال في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا، في بيان صحفي أدلى به في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر الحاليّ: "رُصد هذا المستوى من الانتشار آخر مرة في الأيام الأولى من الجائحة".

أما توم وينسيلرز، اختصاصي الأحياء التطوّرية من جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، فيذكر أن قيمة عدد التكاثر (R) بمقاطعة جوتنج كانت أقل كثيرًا من 1 في سبتمبر الماضي، عندما كانت السلالة المتحورة «دلتا» هي السائدة، وكان عدد حالات الإصابة بالفيروس يتراجع. ويشير ذلك إلى أن السلالة المتحورة «أوميكرون» أسرع في الانتشار من السلالة «دلتا»، وأقدر على إصابة عدد أكبر من الأشخاص.

واستنادًا إلى الارتفاع في عدد حالات الإصابة بمرض «كوفيد-19» وبيانات التسلسل الجينومي لفيروس «سارس-كوف-2»، يُقَدِّر وينسيليرس أن سلالة «أوميكرون» المتحوّرة يُمكِن أن تصيب عددًا يتراوح ما بين ثلاثة إلى ستة أضعاف عدد الأشخاص الذين تصيبهم السلالة المتحوِّرة «دلتا» على مدار الفترة الزمنية نفسها. ويضيف: "هذه ميزة هائلة للفيروس، وليس لنا".

في حين يقول كريستيان ألتهاوس، اختصاصي علم الأوبئة الحوسبي من جامعة برن، إن الباحثين سيراقبون آلية انتشار سلالة «أوميكرون» المتحوِّرة في أجزاء أخرى من جنوب إفريقيا وفي شتى أنحاء العالم لفهم قدرة انتشارها على نحو أفضل. وقد يؤدي الرصُّد المُعزَّز في جنوب إفريقيا إلى وضع الباحثين تقديرات مبالغة للانتشار السريع للسلالة. أما إذا تكرَّر هذا النمط من الانتشار في بلدان أخرى، فسيعدُّ ذلك دليلًا قويًا جدًّا على تفوق سلالة «أوميكرون» في القدرة على الانتشار، حسب ما أوضح ألتهاوس، الذي أضاف: "على سبيل المثال، إذا لم يحدث ذلك، في البلدان الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة أكثر تعقيدًا بعض الشيء".

هل تستطيع السلالة المتحورة «أوميكرون» التغلب على المناعة المستحثَّة باللقاحات أو بالعدوى؟

يشير الارتفاع السريع لمعدل الإصابة بالسلالة المتحورة في جنوب إفريقيا، إلى أنها قادرة بدرجة ما على الإفلات من الاستجابات المناعية. إذ يقول وينسيليرس إن ما يقرب من ربع مواطني جنوب إفريقيا اكتمل تطعيمهم ضد فيروس «سارس-كوف-2»، ومن المُرَجَّح أن نسبة كبيرة منهم قد أصيبت بالفيروس في موجات انتشار سابقة له.

وفي ضوء ذلك، فإن نجاح السلالة المتحوِّرة «أوميكرون» في الانتشار في الجنوب الإفريقي ربما يرجع إلى حد كبير إلى قدرتها على إصابة الأشخاص الذين تعافوا من مرض «كوفيد-19» الناجم عن السلالة المتحورة «دلتا» وغيرها من السلالات المتحورة، فضلًا عن إصابة مَن تلقوا لقاحات ضد الفيروس. وقد كشفت مسودة بحثية أصدرها باحثون من المعهد الوطني للأمراض المعدية في الثاني من ديسمبر الحاليّ أن عدد حالات تجدّد الإصابة بعدوى الفيروس في جنوب إفريقيا قد تزايد مع انتشار السلالة المتحورة «أوميكرون» (J. R. C. Pulliam et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/g8gj; 2021). عن ذلك، يقول ألتهاوس: "مع الأسف، تُعدّ هذه هي البيئة الأمثل لنشوء سلالات متحوِّرة قادرة على الإفلات من الاستجابات المناعية".

ويقول أريس كاتزوراكيس، الباحث المتخصص في دراسة تطوُّر الفيروسات من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، إن كفاءة السلالات المتحوِّرة في الانتشار إلى بقاع أخرى قد تعتمد على عدة عوامل، مثل التطعيمات ومعدلات الإصابة السابقة بعدوى الفيروس. ويوضح ذلك: "عند دخول السلالات الجديدة إلى مجموعة سكانية ذات نسب تطعيم مرتفعة، تخلَّت عن تدابير السيطرة الأخرى على الفيروس، فقد تتمتّع بالأفضلية هناك".

ويتطلَّع الباحثون إلى قياس قدرة سلالة «أوميكرون» على الإفلات مما يحفِّزونه من استجابات مناعية وحماية ضد الفيروس. على سبيل المثال، يتولى فريق بقيادة بيني مور، اختصاصية الفيروسات من المعهد الوطني للأمراض المعدية وجامعة فيتفاترسراند في مدينة جوهانسبرج، قياس مقاومة الخلايا للإصابة بعدوى السلالة المتحوِّرة «أوميكرون»، والتي تُكتَسب عن طريق الأجسام المضادة المحيدة للفيروس أو المانعة له. وللتحقق من قدرة المقاومة تلك مخبريًا، يتولَّى فريقها إنتاج جسيمات من "فيروسات زائفة" مماثلة لجسيمات سلالة «أوميكرون» التي تؤوي ما يصل إلى 32 طفرة في البروتين الشوكي. وتتشكَّل هذه الجسيمات من نسخة مُهندَسة من فيروس نقص المناعة البشرية، تستخدم البروتين الشوكي الخاص بفيروس «سارس-كوف-2» لإصابة الخلايا.

وتشير الدراسات السابقة التي تناولت طفرات البروتين الشوكي بالسلالة المتحورة «أوميكرون»، لا سيِّما في المنطقة التي تتعرف على المستقبلات الموجودة على الخلايا البشرية، إلى أنه من المتوقع أن تضعِف هذه السلالة المتحورة فاعلية الأجسام المضادة المُحَيِّدة. على سبيل المثال، في ورقة بحثية صدرت في سبتمبر من عام 2021، أفاد فريق بحثي شارك في قيادته بول بيناش، اختصاصي علم الفيروسات من جامعة روكفلر في مدينة نيويورك، بأنه صمم نسخة عالية التطفُّر من البروتين الشوكي لـ«سارس-كوف-2»، ووضعها داخل فيروس غير قادر على التسبب في الإصابة بمرض «كوفيد-19»، كانت تشترك مع السلالة المتحورة «أوميكرون» في عديد من الطفرات (F. Schmidt et al. Nature https://doi.org/gmvn4z; 2021). وقد أثبت هذا "البروتين الشوكي متعدد الطفرات" أنه مقاوم تمامًا للأجسام المضادة المُحَيِّدة التي تنتجها أجساد معظم الأشخاص الذين فحصهم الفريق، والذين تلقوا إما جرعتين من لقاح يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) مضاد للفيروس، وإما تعافوا من مرض «كوفيد-19». ويقول بيناش إنه في حال السلالة المتحورة «أوميكرون»: "نتوقع ضربة كبيرة".

كيف سيكون أداء اللقاحات في درء سلالة «أوميكرون»؟

إن كانت سلالة «أوميكرون» قادرة على مراوغة الأجسام المضادة المُحَيِّدة، فهذا لا يعني أن الاستجابات المناعية الناتجة عن التطعيم والعدوى السابقة لن توفر أي حماية ضد هذه السلالة. إذ تشير دراسات الاستجابات المناعية إلى أن المستويات المتواضعة من الأجسام المضادة المُحَيِّدة قد تحمي الأشخاص من الأشكال الشديدة من مرض «كوفيد-19»، على حد قول مايلز دافنبورت، اختصاصي علم المناعة من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا.

ويحتمل أن استجابات الجهاز المناعي الأخرى، لا سيِّما استجابة الخلايا التائية، أقل تأثّرًا بطفرات «أوميكرون» من استجابات الأجسام المضادة. ويعتزم باحثون في جنوب إفريقيا قياسَ نشاط الخلايا التائية، وعناصر أخرى في الجهاز المناعي، يُطلق عليها الخلايا القاتلة الطبيعية، يُحتَمل أنها تلعب دورًا مهمًا في الوقاية من حالات الإصابة الشديدة بمرض «كوفيد-19»، على حد قول شبير ماضي، اختصاصي علم اللقاحات من جامعة فيتفاترسراند.

ويشارك ماضي أيضًا، الذي قاد بعض التجارب التي أُجريت على عدد من لقاحات «كوفيد-19» في جنوب إفريقيا، في بعض الجهود المبذولة لإجراء دراسات وبائية للكشف عن فاعلية اللقاحات في التصدي لسلالة «أوميكرون». وقد وردت إفادات متناقلة بحدوث حالات عدوى اختراقية بالسلالة في أوساط متلقي اللقاحات الثلاثة التي أُعطيت في جنوب إفريقيا، وهي: لقاح شركة «جونسون آند جونسون» Johnson & Johnson، ولقاح شركتي «فايزر» Pfizer و«بيونتك» BioNTech، واللقاح الذي أُنتج بالتعاوُن بين جامعة أكسفورد وشركة «أسترازينيكا» Astrazeneca. مع ذلك، يرى ماضي أن الباحثين بحاجة إلى قياس مستوى الحماية الذي توفِّره اللقاحات ضد سلالة «أوميكرون»، وذلك الذي تؤمِّنه حالات العدوى السابقة.

ويعتقد ماضي أن النتائج التي تكشف عنها تلك الدراسات الوبائية ستذكِّرنا بأداء لقاح شركة «أسترازينيكا» وجامعة أكسفورد ضد السلالة المتحورة «بيتا»، وهي سلالة متحورة قادرة على مراوغة الاستجابات المناعية، اكتُشفت في جنوب إفريقيا أواخر عام 2020. وقد وجدت تجربة أُجريَّت بقيادة ماضي أن هذا اللقاح اتَّسم بفاعلية ضعيفة في الوقاية من الإصابات الطفيفة ومتوسطة الشدة بالفيروس. إلا أن تحليلًا أُجري على أرض الواقع في كندا أفاد بأن اللقاح أظهر حماية بنسبة تربو على 80% من حالات الإصابة التي تتطلب الحصول على الرعاية بأحد المستشفيات.

ويقول ماضي إنه لو أظهرت سلالة «أوميكرون» سلوكًا مماثلًا، "فسنشهد ارتفاعًا هائلًا ومفاجئًا في عدد حالات الإصابة بالفيروس، فضلًا عن كثير من حالات العدوى الاختراقية به، وكثير من حالات تجدد الإصابة به. بيد أن معدل حالات الإصابة بالفيروس في المجتمعات سيكون متذبذبًا مقارنةً بمعدل دخول المستشفى جرَّاء العدوى به". إذ يقول ماضي إن التقارير الأوَّلية تشير إلى أن معظم حالات العدوى الاختراقية بالسلالة «أوميكرون» كان طفيفًا في شدته. ويضيف: "أرى أن هذه إشارة باعثة على التفاؤل".

هل تتسبب السلالة المتحورة «أوميكرون» في إصابات أقل أم أكثر شدة من السلالات السابقة عليها؟

عَزَت تقارير أولية حالات إصابة طفيفة بفيروس «سارس-كوف-2» إلى السلالة «أوميكرون»، وهو ما عزَّز الآمال في أن السلالة المتحوِّرة قد تكون أقل خطورة من بعض أسلافها. بيد أن هذه التقارير -التي تستند في كثير من الأحيان إلى إفادات متناقلة أو بيانات شحيحة- يُمكِن أن تكون مُضَلّلة، حسبما قالت ميوج تشيفيك، اختصاصية الأمراض المعدية من جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة.

أحد التحديات التي تعترض تقييم مدى خطورة السلالات المتحورة يتمثَّل في مراعاة المتغيِّرات المُربكة التي يُمكِن أن تؤثر في مسار الوباء الذي تسبّبه السلالة، لا سيِّما عند احتواء انتشارها محليًا. على سبيل المثال، قد تعكس حالات الإبلاغ عن عدوى طفيفة بسلالة «أوميكرون» في جنوب إفريقيا واقع أن هذا البلد تسكنه شريحة سكانية صغيرة السنّ نسبيًا، تعرَّض عديد من أفرادها بالفعل للإصابة بفيروس «سارس-كوف-2».

وسيفتش الباحثون عن بيانات بخصوص عدوى «أوميكرون» في بلدان أخرى. فالانتشار الجغرافي للسلالة، إلى جانب تزايد عدد الحالات التي تُشكِّل عينة دراسة أكبر، سيعطي الباحثين فكرة أفضل عن مدى قابلية تعميم نتائج التقارير الأولية التي تفيد بأن المرض طفيف. وفي نهاية المطاف، سيرغب الباحثون في إجراء دراسات ذات مجموعات مقارنة، تشترك فيها مجموعتان من المشاركين في العُمر، والموقف من التطعيم، والظروف الصحية.

وكل هذا سيستغرق وقتًا. فتقول تشيفيك: "أعتقد أن اكتشاف درجة خطورة المرض سيكون كالوصول إلى الخيط الأخير في اللغز".

أين انتشرت السلالة المتحورة «أوميكرون» وكيف يتعقِّبها العلماء؟

تزايد عدد البلدان التي أخذت في رصد السلالة المتحورة «أوميكرون»، لكن القدرة على تعيين التسلسل الجيني للسلالة سريعًا من خلال الفحوص التي تكشف عن الإصابة بمرض «كوفيد-19» تتركز في البلدان الغنية، وهو ما يعني أن البيانات الأوَّلية بخصوص انتشار «أوميكرون» ستكون غير دقيقة.

وقد أخذت جهود الرصد في البرازيل وبعض البلدان الأخرى في الانتفاع من نتائج محددة في أحد اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، قد تتيح اكتشاف حالات الإصابة بالسلالة المتحورة «أوميكرون» من أجل تحديد التسلسل الجينومي لها، حسب قول اختصاصي الفيروسات ريناتو سانتانا من جامعة ميناس جيرايس الاتحادية في البرازيل.

رغم ذلك، لا يستخدم الجميع هذا الاختبار، وقد يستغرق تتبع انتشار «أوميكرون» على أكمل وجه بعض الوقت. فيقول اختصاصي علم الفيروسات الحوسبي، أندرسون بريتو، من معهد أُوْل فور هيلث في مدينة ساو باولو البرازيلية، إنه على الرغم من وجود بعض الإرشادات التي تحثُّ الدول على تحديد التسلسل الجيني لنسبة قوامها 5% من العينات الدالة على الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، لا تستطيع إلا دول قليلة القيام بذلك. ويخشى بريتو أن حظر السفر الذي سنّه بعض الدول في أعقاب اكتشاف«أوميكرون» قد يثني الحكومات عن مشاركة بيانات الرصد الجينومي للسلالة. ويضيف: "إننا نعاقب بذلك أولئك الذين أبلوا بلاءً حسنًا في عملهم".

اضف تعليق