لن القح مجبرا، هذا ما قاله عدد كبير من المواطنين في العراق بعد قرارات مجلس الوزراء الأخيرة التي أجبرت الافراد وخصوصا الموظفين على التلقيح، والا سيكون موقفهم غيابا في دوائرهم، بينما لوحت الجهات الحكومية بغلق الأبواب امام المراجعين الى الدوائر ممن لا يحملون كارت اثبات تلقي اللقاح.

تفاجئت شريحة واسعة من الناس بهذا القرار الذي جعل غير الملقحين محاصرين من جميع الاتجاهات، فربما يوجد من لا يزال غير مقتنع بأخذ أي صنف من أصناف اللقاحات المنتجة، لعدم الوصول الى نتائج ايجابية مؤكدة من قبل مركز الأبحاث أولا، وإخضاع الموضوع الى مسألة التنافس السياسي والتكنولوجي القائم بين الدول العظمى ثانيا.

لدى الحكومة بعض الحق في الإقدام على مثل هذه القرارات، فهي تريد ان تصل الى نسبة مقبولة من المواطنين آخذي اللقاح، وبالنتيجة الوصول الى مناعة مجتمعية، نستطيع بها العبور صوب الأمان والخلاص من الخطر الداهم الذي طوق الحياة العامة وشل حركتها بشكل تام.

وفي نفس الوقت نرى اعداد غفيرة من المواطنين يطالبون الجهات المعنية بتوفير اللقاح، وحين سعت ونسقت مع الدول المنتجة نجد المواطن يمتنع عن اخذ اللقاح، تارة لعدم شرح الفوائد من اخذه وما يترتب على ذلك من نتائج إيجابية، وتارة أخرى قصور في أدوات الاقناع والأساليب الغليظة في التعامل مع الأشخاص الذين جاءوا لأخذ الجرعة، ومن بين أكثر النقاط إثارة للحفيظة هي توقيع التعهد بعدم المطالبة بالتعويضات او تقديم شكوى في حال ظهور اعراض غير إيجابية وتدهور الحالة الصحية.

ضعف نسبة الملقحين في العراق حاليا وهي نسبة لا تتعدى 4%، اذ تعد نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالدول العظمى التي اجبرت شعوبها على التطعيم، أوصدت الأبواب امام الحكومة العراقية، ولم يبق امامها سوى الذهاب لهذا الخيار، وقد تكون مجبورة عليه، لكن ما باليد من حيلة، فهي تود الخلاص من الضيف الثقيل، ويعيش الجميع بسلام بعيدا عن الخطر.

ينقل لي صديق مقرب حادثة حصلت امامه في أحد مراكز إعطاء اللقاح، فيقول هو ان المسؤولين عن تزويد المواطنين بالجرعة الأولى، يتصلون بالأفراد الذين حجزوا بأحد الطرق، ولم يتم الرد عليهم مطلقا، ما اضطرهم عدم فتح العلبة التي تكفي لعشرة اشخاص، بينما الحاضرين خمسة فقط!، وتستمر محاولة وصول العدد الى العشرة لكي يتسنى لهم فتحها والتصرف بها بصورة طبيعية دون إفسادها.

في مثل هذه الحالة، وهي عدم تفاعل المواطنين مع مسألة اخذ اللقاح، يجعل من الصعوبة واقع حال يفرض نفسه على المشهد من جميع النواحي وعائق حقيقي امام المضي بهذا الاتجاه، فالتفكير بأسلوب أكثر نفعا واستساغة من قبل المجتمع صار من واجبات الحكومة، التي اهتدت مؤخرا لاتخاذ حزمة من الإجراءات المحفزة للإقدام على اخذ اللقاح.

وقد يولد قرار الحكومة حالة من الاستياء مثلما خلق ذلك مع قرارها بحق المواطنين الذين لم يحدثوا بياناتهم الانتخابية، فجعلت بطاقة الناخب مستمسكا إضافيا الى جانب المستمسكات المعتمدة في المعاملات الرسمية، كما تطور الامر أكثر من ذلك، فأنها امتنعت عن تسليم الرواتب الشهرية لبعض الموظفين الذين تخلفوا عن هذا الاجراء بقصد او بدون قصد.

صحيح ان مبدأ الاجبار غير مقبول بشتى الحالات، لكن هنالك اختلاف في النتيجة، فعندما اُجبر المواطن على تحديث بطاقته الانتخابية، كان هذا لأغراض سياسية بحتة، وهو زيادة نسبة المحدثين والذهاب بتجاه الانتخابات المبكرة، وضمان نسبة مشاركة كبيرة فيها.

اما الامر الثاني فهو مختلف تماما، الغرض منه تجنيب المجتمع من الخطر الداهم، وحماية شرائح المجتمع من الإصابات المؤكدة، فلا يمكن عزيزي الفرد ان تخلط بين القرارين وتضعهم في سلة واحدة، فالأول يتعلق بوضع سياسي ليس له صلة بالوضع الحالي، اما الثاني فهو على تماس مباشر بحياتك وحياة افراد اسرتك، فلا تفوتك الفرصة المتاحة.

في الأيام القادمة ستدخل ملايين الجرع من اللقاحات الى العراق، وستكون متاحة بصورة أكثر امام المواطنين الراغبين بأخذ الجرعة، فطالما الامر متعلق بصحة الانسان، لا داعي لان تكون هنالك جهة وظيفتها الأساسية هي إجباره على الاهتمام بصحته والحذر من الفيروس القاتل، ولكن ان بقيت حالة عدم الإقبال هكذا، فهنالك اجراء ربما يكون أكثر فائدة من الاجراء السابق، وهو غلق بعض مراكز الحجر واقتصارها على الحالات الحرجة.

وكذلك رفع قيمة الدواء الى الضعف او أكثر لكي يُجبر المواطن على الذهاب الى التلقيح والخلاص من هذه الدوامة المتشعبة، وبالنتيجة حققنا الهدف المراد، وهو الوصول الى المناعة المجتمعية التي تحتاج الى نسبة 70%، من مجموع افراد المجتمع.

الأيام القادمة تتطلب من الجهات المسؤولة عن الملف الصحي في البلاد ان تكثف من حملاتها التوعوية، وتخلق قنوات تواصل مع المؤسسات الإعلامية بمختلفها من اجل إيصال التعليمات والارشادات الواجب على المواطنين اتباعها، فالإعلام مساهم وشريك حقيقي للنهوض بمستوى الوعي لدى المواطنين، وان لم تُجدي نفعا هذه الوسيلة أصبح لازما عليها ان تُحاصر من لا يلقحون.

اضف تعليق