تحرير: حسين علي حسين

عقد مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات جلسته الحوارية الشهرية في ملتقى النبأ الأسبوعي، تحت عنوان (التشريع الرشيد ودوره في حماية وتعزيز حقوق الانسان في العراق) وذلك بمناسبة يوم التشريع العراقي الذي يصادف 15/1/2024، وذلك بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين المختصين الذين اجابوا على الأسئلة التي طرحت في الجلسة، حيث قدم الباحث في المركز الدكتور علاء الحسيني ورقة جاء فيها:

"بمناسبة يوم التشريع العراقي 15/ كانون الثاني، من كل عام حسب قرار مجلس الوزراء بهذا الخصوص، وهذه المناسبة ترتبط بذكرى صدور العدد الأول من جريدة الوقائع العراقية في عام 1925، ومنها انطلقت بوصلة المشرِّع في جميع الاتجاهات، على جميع المستويات التشريعية الدستورية.

حيث يمثل هذا اليوم انطلاقة لدور التشريعات في الدولة، ولابد من التذكير بأن الشعب العراقي كأي شعب من شعوب العالم يعيش في كنف دولة، تأسست منذ آلاف السنين لو أننا رجعنا إلى الدولة العراقية القديمة، التي كانت عبارة عن مجموعة من الدول في بابل وفي الموصل وفي ذي قار وغيرها من الممالك أو الدول التي كانت تحكم أجزاء من العراق.

ومرورا بالدولة الإسلامية وحكمها لهذا البلد لمئات السنين، وانتهاءً بالدولة الحديثة التي تأسست في العام 1921 وانتقلت انتقالات كبيرة في الأعوام 1925 و1931، ووصولا إلى التاريخ 1931 وهي تاريخ انضمامنا إلى عصبة الأمم، ونيل العراق السيادة الكاملة عن الانتداب البريطاني.

ان قواعد التنظيم القانوني ترتبط بالأساس بفكرة المجتمع، فالغاية من اجتماع الناس في تجمعات بشرية هي الحياة المشتركة لمواجهة المخاطر عموماً وإدامة الصلة والارتباط بين الأفراد، وكل ما تقدم مرهون بضرورة وضع قواعد قانونية لا يمكن مخالفتها بل يترتب على الخروج عن مقتضاها جزاء مادي أو معنوي منظم، وبما ان الحقوق والحريات أقرتها النواميس الإنسانية والقواعد الاجتماعية والأخلاقية قبل القانونية والأخيرة تالية لها في الظهور والنضج والتكامل، وان كانت القانونية أسمى منها وأكثر الزاماً لاقترانها بالسلطة الحاكمة التي تحرص على إنفاذ حكمها أي القواعد ولو بالقوة المادية.

وبالعودة لفلسفة التشريع يمكن القول ان أداة السلطة العامة في كل دوله ويدها التي تبطش بها هي التشريع ولا يستقيم أمر الدولة بدونه فهو الناظم لهيئاتها والمحدد لعلاقتها بالفرد طبيعياً كان أم معنويا، وبالمقابل يمكن استقراء أفكار وايدلوجية القابض على السلطة بتصفح التشريعات الصادرة عنه، والتي تكشف هويته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بمعنى ان التشريع يؤدي دوراً محوريا في نشوء واستمرار الدولة وليس فقط السلطة السياسية الحاكمة في الدولة وعليه تتحدد أطر العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما يعرف بتنظيم (السلطة العامة/ والحقوق والحريات) فكلما كان التشريع أكثر رشداً فهذا يعني أنه لامس الموازنة بين المصلحة العامة التي تمثلها السلطة والمصلحة الخاصة التي يمثلها الأفراد، وان مال إلى إحدى كفتي الميزان سنجد الفوضى أو التعسف الذي يقود إلى الانحراف المؤسسي أو الاجتماعي على حد سواء.

كما نشير إلى ان أي تشريع تكمن من وراءه فلسفة تدعى المصلحة المعتبرة لدى المشرع والتي تقودنا إلى الباعث الدافع لصدور القاعدة القانونية وتمثل هذه الفلسفة إرادة صريحة أو ضمنية قادرة على التأثير في المراكز القانونية ومحققة للتوازن المنشود بين المصالح وهنا بالتحديد يتم الالتفات إلى الخلفية الاجتماعية للتشريع والقادرة على ان تكون مرآة تعكس الواقع وتعالج المشاكل التي يعاني منها المجتمع، أو تكون قاعدة مستوردة لا تنتمي إلى البيئة العراقية فتبقى معطلة أو تكون باباً للانحراف نتيجة التوسع بالتفسيرات أو الاجتهادات التي من شأنها التأثير على ضمانات الحقوق والحريات.

التشريع هو أداة الحاكم

إذ لا يستطيع أي حاكم في العالم كله ان يحكم بدون أداة، وأداته الوحيدة هي التشريع بمختلف مسمياته وبمختلف مستوياته، حيث تبدأ مستويات التشريع بالدستور الذي تعد باسمه القوانين ثم التشريعات التي تصدر عن المجالس التشريعية، كقاعدة عامة وليس دائما، ومن ثم التشريعات الفرعية التي تتمثل بالأنظمة أو التعليمات وما شاكل ذلك.

ومن ثم إلى القواعد القانونية الشارعة، التي تحكم سلوكيات الأفراد، فالتشريع يرتبط بالمجتمع، لا يستقيم أمر المجتمع بلا تشريع، ولا يستقيم أمر المجتمع بلا حاكم، وهذه سنة إلهية قبل أن تكون سنة أرضية، وأداة الحاكم هي التشريع، ولذلك يوجد ارتباط كبير ما بين التشريع وما بين المسميات الأخرى التي ذكرناها قبل قليل.

التشريع حينما يرتبط بالمجتمع لابد لانتظام حياة المجتمع من خلال هذا التشريع، ولكن التشريعات تُقسم إلى تشريعات صالحة، وتشريعات غير صالحة، ولا نقصد بغير الصالحة أنها لا تصلح، وإنما لأن أداة وصولها إلى المحكومين وتطبيقها عليهم قد تكون غير مشروعة، لذلك نسميها بالتشريعات غير الصالحة.

لكن هذا لا يمنع من تطبيقها، وآية ذلك أن العراق مر بتشريعات كثيرة البعض منها كان مُقَرَا بأسلوب ديمقراطي لكن الكثير منها ولا يزال لغاية اليوم هو مقرّ بطريق غير ديمقراطي من قبل أشخاص استولوا على السلطة بطريقة معينة، ولذلك أصدروا تشريعات لا زالت سارية، والدليل على ذلك قرارات مجلس قيادة الثورة المنحلّ التي لا تزال تحكم الكثير من مفاصل الدولة العراقية، وتؤثر في الكثير من حياتنا اليومية ونعيشها في كل دوائر الدولة.

لذلك فإن التشريعات ترتبط بالمجتمع من جهة، وهي أداة لا غنى للحاكم عنها، فهذه المتلازمة تقودنا إلى أن ندرس التشريع، فلكي يكون التشريع صالحا لابد من توافر مجموعة من المعايير، حتى يكون التشريع صالحا، وبغير هذه المعايير لا يمكن أن نطلق عليه بالتشريع الصالح، ولذلك صلاح التشريع ينتهي بدرجة اليقين التشريعي، ودرجة اليقين التشريعي تقودنا إلى درجة الرشد التشريعي وهو أعلى مراتب الحسن في التشريعات.

ونقول أعلى مراتب الحسن، لأنه إذا وصلنا إلى التشريع الراشد فمعنى ذلك أن هذا التشريع كان مُرْضيا، لطرفيّ العلاقة القانونية، وهما الحاكم والمحكوم، لأن المحكوم لديه رضى ذاتي بهذه التشريعات والحاكم لديه قناعة ذاتية بهذه التشريعات والصلاحات، فإن توافرت هذه القناعات واجتمعت سارتا معا نحو الرشد، وبالتالي وصلنا إلى حالة من حالات الحسن في التشريع.

الصياغة التشريعية قد ينظر إليها البعض على أنها مسألة سهلة، لكن حقيقة الأمر إن أصعب الصياغات هي الصياغة التشريعية، لأنها تحتاج إلى سن، لذلك هي لا تحتاج إلى سقف قانوني فقط، وإنما تحتاج إلى لغوي بالدرجة الأولى، لن للغة العربية سحر، ولها استخدامات معينة وهنالك فنون كثيرة في اللغة العربية، كالسجع والترادف والتوكيد والنفي والنهي وما شاكل ذلك، ولعل قناعتي الذاتية أن (لا) لا تقوم بعمل النفي في هذه الجملة، لكن قناعة اللغوي أن هذه الـ (لا) تعطي معنى آخر، وبالتالي قد تعطي معنى عكس ما توقعنا.

لذلك فإن الصياغة القانونية لا تحتاج فقط إلى قانوني ضليع في الصياغة القانونية، وإنما تحتاج إلى لغوي ضليع، وتحتاج إلى علوم ساندة أخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع، لماذا لأن التشريع ابن المجتمع، إن انطلق من حاجات المجتمع، فإن لم ينطلق من حاجات المجتمع كان ابنا دخيلا، وبالتالي لا يمكن أن يصلح لأنه، توجد عبارات لا أريد أن أذكرها لأنها توجد في أذهانكم.

نحتاج إذن أن يكون التشريع صالحا، لكي نصل من الصلاح إلى الرشد، ومن الرشد لنصل إلى الحكم الراشد، وبالتالي تصلح العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم حينما نصون الحقوق والحريات، وفي هذه النقطة بالتحديد نحن نبحث عن صياغة تشريعية مررنا بها، ولا نريد هنا ان نذهب إلى الصياغات التشريعية التي سبقت الدولة الحديثة، بل نتبدأ من الدولة العراقية التي بدأت مشوارها تقريبا عام 1925.

الافتقاد إلى الرشد التشريعي

صدر الدستور في عام 1925، وفي هذا الدستور يتحدث المشرع في المادة الثالثة عشر في تفصيل معين، سوف نأتي على ذكره بعد قليل، وقد مررنا بوثائق دستورية كثيرة، هذه الوثائق في دستور 58، أو الإعلانات الدستورية التي صدرت في عام 1963 وفي 22/ نيسان/ 1964، وفي 28/ نسيان، وفي دستور 1968، ودستور 1970، وانتهاء بقانون الدولة الانتقالية 2004، ثم قانون 2005.

هذا على مستوى التشريعات الدستورية، كلها تقريبا كانت تفتقد إلى الرشد التشريعي، لأن هنالك بون شاسع ما بينها وما بين الواقع، لنأخذ على ذلك آية، مثلا دستور 1970 فقد عمَّر هذا الدستور 33 سنة، من عام 1970 لغاية سنة 2003، هذا الدستور لما تقرأ في المادة 22 على أنه يُحظَر كل أشكال التعذيب النفسي والبدني، لكن هل كان العراقيون يعيشون حياة رغيدة في ظل هذا الدستور؟

هل اُحترِمَت أجسادهم وهل اُحترِمت ذاتيتهم، إن هناك بون شاسع ما بين الواقع وما بين الصياغة التشريعية، كانت الصياغة التشريعية جميلة لكن التطبيق لم يكن جميلا، في هذا الدستور، وحينما نرجع إلى دستور 1958، وهو أول دستور للعراق بعد الانقضاض على الحكم الملكي.

نقرأ في المادة 13 إن الشعب مصدر السلطات، لكن هل فعلا كان الشعب هو مصدر السلطات؟، بل كان هناك ثلة من الضباط الذين تقمصوا الدستور المعين وانقضوا على الحكم وبدأوا يمارسون دور الحكم باسم الشعب، وكرّسوا مفهوم الشرعية الثورية، بديلا عن الشرعية الديمقراطية أو الشرعية الشعبية، وأخذوا يسوقون بهذا الكلام.

نعم الفاصل الزمني في تلك الفترة قد يكون ساعدهم، وقد تكون الأوضاع التي كان يعيشها البلد روّجت لمسألة معينة، أو روّجت لقناعات معينة، لكن هل هنالك ربط ما بين الواقع وما بين التشريع؟، بالتأكيد هذه التشريعات لم تكن تحمل أدنى درجات الرشد، أو أدنى درجات اليقين، أو أدنى درجات الثقة ما بين الحاكم والمحكوم، لذلك كان هناك انفصال ما بين الواقع وما بين المأمول.

التشريعات العادية كثيرة جدا، عددها بالآلاف، إذا لم نكن مبالغين في ذلك، القوانين التي صدرت، الأنظمة التي صدرت، التعليمات التي صدرت، كلها كانت تحمل أيديولوجية وهي أيديولوجية الحاكم، فالحاكم هو الذي كان ينطق عن أفكاره من خلال التشريعات التي يقوم بإصدارها، لذلك حينما نطلع على التشريعات الملكية نجد ما يمكن أن نسميه بـ (التبعية) أو التوجّه الملكي، أو تكريس الحكم الاستبدادي ولكن بطريقة معينة.

لو انتقلنا إلى الفاصل الجمهوري، سوف نجد أيضا نفس التكريس، لهيمنة مجموعة من الضباط أو هيمنة مجموعة من الانقلابيين سمّوا أنفسهم تارة بـ المجلس الوطني لقيادة الثورة وفي أخرى سموا أنفسهم مجلس قيادة الثورة، وتارة سموا أنفسهم مجلس السيادة في عام 1958، وعام 1963 وعام 1968، ووصولا إلى عام 2003.

في قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية وضعه المحتل الأمريكي، وهو منفصل تماما عن الواقع، وجاءنا بـ بدع لا زلنا إلى الآن نعاني الأمرين منها، لاسيما المادة 53 والمادة 58، المتعلقة بكركوك، ومشاكل النفط والغاز، والنظام الاتحادي، ولو تسأل العراقيين فإن الكثير منهم غير مقتنع بالنظام الاتحادي، أو التحول إلى النظام الاتحادي، سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي.

ولذلك تجد المقاومة موجودة تارة من الجانب الرسمي للنظام الاتحادي، حينما تقف الحكومة المركزية في مواجهة تكوين أقاليم معينة في بعض المحافظات التي شاءت ذلك، وحينما تذهب إلى الشعب أو الجانب الشعبي تجد أن الشعب نفسه أيضا غير مقتنع، ولما أقاموا باستفتاء في محافظة البصرة على التحول إلى نظام الإقليم رفض الشعب ذلك.

لذلك نجد انفصال بين الواقع والنص، هذا الانفصال يعني أننا لم نصل إلى اليقين، ولم نصل إلى الثقة، ثقة المواطن لا زالت ضعيفة بالتشريعات، لأنه غير مقتنع بالسلطة، فأداة السلطة وعلينا أن لا ننسى ذلك هو القانون كما ذكرنا، فإذا كان المواطن غير مقتنع بالسلطة، أو لا يثق بالسلطة فلا يثق بنتاجات هذه السلطة، وامتثاله لبعض النصوص القانونية ليس دليلا على أنه ناتج عن قناعات، وإنما عن إملاءات.

لكن نحن نريد أن نصل إلى مرحلة القناعة بأن المواطن يمتثل للنص القانون عن قناعة، فمتى يمتثل المواطن للنص القانوني عن قناعة؟، يمتثل له حينما يكون جزءا من صناعة النص، لذلك لما نرجع إلى دستور 2005، في المادة الخامسة لما يتحدث المشرع على إن السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، طيب كيف للشعب أن يمارس السلطة؟، إنه يمارسها من خلال القوانين، أي من خلال سن القوانين.

السَن لا يمكن أن يمارسه الشعب لأن النظام نيابي، لذلك لابد أن ينتخب ويختار نوابا عنه يمثلونه في صياغة النصوص القانونية وتسويق هذه النصوص القانونية لكي تجد طريقها للتطبيق، وحينما نتتبع الدستور العراقي نجد هناك تناقضا في النصوص الدستورية نفسها، ولنأخذ على ذلك آية بسيطة ونختم بها ورقتنا هذه:

لما نأتي إلى المادة الأولى تقول بأن العراق دولة واحدة، اتحادية ذات سيادة كاملة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لسيادة العراق.

ونأتي للمادة الثاني عن ماذا تتحدث هذه المادة؟، لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية، طيب حين نقرأ (الحقوق والحريات الأساسية)، هل يعني هذا أن هناك (حقوق وحريات غير أساسية) كفلها الدستور ولا نستطيع أن نسن قانون أو نستطيع أن نسن قانون يعارض الحريات غير الأساسية؟

ما هذا التناقض؟ ما هذه الصياغات غير الدقيقة؟، وهل من الممكن أن يوصلنا هذا في يوم من الأيام إلى حالة من حالات الرضى الشعبي عن التشريعات، إذا لم تُحترم حقوق الشعب وحرياته؟ بهذا القدر من ورقتي هذه أكتفي، والحقيقة هناك كثافة في الأفكار حاولت أن أغطيها في الورقة وحاولت أن اختصرها بأقل قدر ممكن من الكلمات، هناك كثير من المحاور كان في ذهني أن أتناولها لكن لضيق المجال نتركها إلى فرصة أخرى.

نطرح السؤالين التاليين على الحاضرين الكرام لإثراء ما جاء في هذه الورقة من أفكار:

السؤال الاول: كيف يمكن ترشيد التشريع العراقي؟

السؤال الثاني: هل يمكن للنظام البرلماني بنسخته العراقية، وفق دستور 2005 أن يبلغ مرحلة الرشد التشريعي؟

المداخلات

غياب ثقافة البناء الاستراتيجي

- محمد الصافي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

التشريع الرشيد يعدّ مرحلة لاحقة للمؤسسات الفاعلة، ومرحلة فاعلة للحكم الرشيد الذي لم يصل إليه الحكم في العراق لحد الآن، وموضوع التشريعات كما ذكر الدكتور علاء الحسيني في ورقته، هو نتيجة تلاقح يحدث بين الحاكم والمحكوم، في هذه الحالة من هو الذي يمثل المحكوم؟

المحكوم هو ليس فردا واحدا، من الممكن أن يشرع قانون، فهذا الفرد يمكن أن يكون شخصية فاعلة، ويمكن ان يكون مجموعة أفراد، أو يمكن أن يكون مؤسسة، ويمكن أن يكون منظمة، ويمكن أن يكون جماعة أو نقابة أو غيرها، وفترة الدكتاتورية والانقلابات العسكرية، التي مرّت في الفترة السابقة.

فإن الشعب العراقي في تلك الفترات لم يكن مؤهلا أن يصل إلى مرحلة صناعة القوانين ويناقشها ويرفعها إلى الجهات التي تقر القوانين وهي المؤسسة التشريعية (البرلمان)، والحكومة تعمل بهذه التشريعات، لكن هذا الشيء لم يكن معمولا به، فكان الرئيس يستيقظ صباحا ويعلن عن القرار رقم واحد، أو في الليل يصدر القرارات في اليوم التالي يتم تطبيقها في الدولة وينتهي الموضوع.

لذا فإن قضية التشريعات لم تكن موجودة في الصياغات، ولم تحدث نتيجة لحراك شعبي، أو عن عمل مؤسساتي كنتيجة لحاجة فعلية للمجتمع، فهذا الشيء لم يكن ملموسا، لذلك فنحن دائما نلعن القوانين، ونلعن الدستور وأن الدستور هو سبب المشكلة، والدستور كذا و كذا، لكن في الحقيقة أغلب الدساتير تم فرضها بالقوة، أو القبول بالواقع، وهكذا سارت الأمور كما أراد لها الحكم أو النظام السياسي، حتى بعد 2005 جرى نفس الشيء.

بعد عشرين عاما من إقرار الدستور منذ 2005 لو يُعاد الاستفتاء على الدستور يمكن الكثير من النتائج تتغير، لأنه في الحقيقة في وقتها تم التصويت على الدستور نتيجة الكلام عن الدستور بأنه جيد، أو يُقال بأنه يناسب العراقيين، أو نتيجة دعوة المرجعات بالتصويت بنعم للدستور وانتهى الموضوع.

فالقضية لم تكن خاضعة للقراءة والإطلاع والنقاش، وهل أن القوانين الواردة في دستور 2005 هي تصب فعلا في مصلحة العراق، ومصلحة العراقيين؟، أنا لم يُسمح لي بالتصويت بسبب السن، ولكن ألاحظ من الغبن وجود بعض القوانين أو بعض المواد التي سوف تحدد مصيري ومصير أبنائي ومصير الذين يأتون من بعدهم من الأجيال اللاحقة.

هناك مواد من المستحيل تعديلها أو التحرّش بها، بل هناك كثير من المواد مستحيل إحداث التعديل فيها، مثلا اللغط الذي يحدث في هذه الأيام حول قضية مجالس المحافظات، أنه هل ترجع للعمل أم لا، لكن بالنتيجة هي مادة دستورية، ولكن ربما هناك الكثير من الشعب لم يقتنعوا بها، ربما جاء عدم الاقتناع عن فهم، أو بسبب دعاية مضادة، لكن بالنتيجة هو غير مقتنع بها، ولكن كيف نعد هذه المادة في الدستور أو كيف نلغيها، هذا غير ممكن.

يعني قضية الأرقام والنِسَب والثلثين أو الأغلبية واستفتاء شعبي، ولابد من موافقة ثلاث محافظات في أي مادة دستورية، لذا من الصعب تعديل الدستور في هذه الحالة، هنا لا توجد ثقة، ولا يوجد إيمان بالقانون ولا بالدستور، وبالنتيجة من غير الممكن أن تتطور الدولة نحو التشريعات الرشيدة، خصوصا ان البرلمان العراقي ين أو لا ينجح فهذا البرلمان هو نتيجة الشعب نفسه.

من أين يأتي البرلمان؟ إنه يأتي من نفس الشعب عبر انتخاب أعضاء البرلمان، ولكن أغلب الذين نلاحظ وصولهم إلى البرلمان هم بعيدين عن فكرة التشريعات وعن العمل الرقابي، وعن العمل النيابي الحقيقي، وهذا الذي نلمسه على أرض الواقع، فالناس تبحث دائما عن الشخصية التنفيذية، عن الشخصية التي تحكم أو تمارس الحكم، تقوم بالتعيينات وتقديم الخدمات.

الناس بعيدون عن فكرة التشريعات وعن بناء الدولة وحمايتها، وعدم التفكير بالمستقبل، وهذا يعني عدم وجود تخطيط وعمل استراتيجي، فلا توجد ثقافة البناء الاستراتيجي عند الشعب العراقي، حتى تنعكس إلى البرلمان وهو بدوره يعكسها إلى قوانين وتشريعات تخدم الدولة والمجتمع.

فالبرلمان كمؤسسة لا يزال كما يبدو في مرحلة التطور ويحتاج إلى سنوات طويلة، كذلك المؤسسات الأخرى عليها أن تطرح مسودات، وتحاول أن ترفع تعديلات وقوانين وإن كان هذا الأمر غير ممكن لأنه لا يدخل ضمن الصلاحيات، ولكن على الأقل تخلق وعيا وتخلق رأيا عاما، وبالنتيجة من الممكن أن يحدث تطوير لهذا الموضوع.

العلاقة بين النضج السياسي والرشد التشريعي

- الأستاذ عدنان الصالحي؛ مدير مركز المستقبل للدراسات والبحوث الإستراتيجية:

الرشد في التشريع ينتج من النضج السياسي، والنضج السياسي يأتي من الخبرة في إدارة الدولة، أو في الاتفاق على بناء الدولة، وكلما كان هنالك تكالب على السلطة والابتعاد عن الدولة، كان التشريع أقل رصانة، واقل رشدا، هذا كلام بالمجمل، فإذا كان الهدف هو بناء دولة أو بناء سلطة، فهناك علاقة عكسية في قضية التشريعات.

تحتاج التشريعات إلى رشد في التفكير السياسي ونضج في الرشد التشريعي، ثم ينتج عنه بناء دولة قوية، والعكس بالعكس، إذا تحدثنا عن دستور العراق في 2005 وكلنا عايشتنا تلك الفترة التي جرى عليها الاستفتاء، لم تكن الفكرة إمضاء الدستور من أجل إنشاء دولة مدنية أو دولة بصفة معينة تقوم كبديل للدولة الدكتاتورية السابقة.

كانت الفكرة أي المراحل وأي الأشخاص يغلب الآخر، الشيعة مع تحالف الكرد كانوا يصرون على أنه لابد أن يمضوا في بناء هذه الدولة لأنها قضية تحدي، ولابد من أن نطوي صفحة الدكتاتورية وجزء من تغيير تلك الصفحة هو إمضاء دستور جديد للدولة، طبعا هذا الأمر كان يشكل خطأ قاتلا في هذا الجانب وإنما المفترض هو وضع دستور مؤقت لمدة معينة ثم تتم مراجعته فيما بعد.

أما أن يوضع دستور ليبني بلدا عانى من آلاف السنوات من الدكتاتورية والاضطهاد، تأتي أنت وتعالجه في دستور تتم كتابته في مدة شهرين أو ثلاثة أشهر، في غياب مكون أساسي من البلد، وهذا الأمر واضح جدا، فحُبِك الدستور على عجالة ومن ثم تم التصويت عليه بشكل سريع على الرغم من وجود مخالفات كثيرة فيه، لكنه بالنتيجة أنتج لنا دستورا فيه تفسيرات وفيه تأويلات وفيه متناقضات في نفس الدستور رغم أنني لست مختصا.

لكن من الواضح جدا أن هنالك ثغرات ومواد مفتوحة لا يوجد لها تفسير، وهنالك مواد لها تفسيرات متناقضة ومتعددة، إذن أنشأنا دستورا هو في حد ذاته يحتاج إلى إعادة نظر في بنوده وفقراته، وبالنتيجة لا يمكن أن يكون الرشد في هذا النوع من الدساتير يعطيك ناتجا جيدا، فالآلة التي يوجد خلل في أدواتها لا يمكن أن تمنحك إنتاجا صحيحا في هذا الجانب.

إذن المواد الدستورية الموجودة في الدستور يجب ان تعالَج، ثم يجب أن ننتقل من مرحلة المراهقة السياسية إلى مرحلة النضج السياسي في العراق، كي نعالج الأمور بشكل عقلاني وننتج دولة وحكومة تدير البلد بشكل صحيح، وليس المفروض أن ننتج في كل أربع سنوات انتخابات تنتج حكومة في طبخة معينة كطبخات العطار، ثم تمر أربع سنوات وتنتهي هذه الحكومة ويأتي بعد ذلك من يلعنها ويقول بأنها هي سبب الدمار للبلد.

من المسؤول عن نشر الثقافة التشريعية؟

- الأستاذ احمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

من الظلم أن يعد يوم التشريع العراقي وهو يوم 15/ 1/ 1922، لأن تاريخ العراق على امتداده يعد من أوائل الدول والمجتمعات التي شرّعت القوانين، البعض قد يفسر التشريع بأنه القوانين المكتوبة فقط، لكن التشريع يتضمن الأعراف أيضا والنصوص الأخرى غير المكتوبة.

بسم الله الرحمن الرحيم (شرع لكم من الدين ما أوصى به) الشورى 13، و(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ) المائدة 48، فالقضية لا تشمل القوانين المكتوبة فقط، فالعراق عريق فعلا فيما يخص النصوص القانونية، لكن للأسف إن أغلب النصوص القانونية يكتبها الحكام أو يستنها الحكام، ولا يسنها الحكماء.

وهذا يشكل فرقا كبيرا بين الشخص الحكيم، أو صاحب الرشد حين يسن القوانين، وبين الحاكم إذا كان هو من يسن القوانين، وبالتالي يكون الاستبداد هو السائد، أو حتى إذا كان ظاهر القوانين جيدا، فإن مضامينها ودواخلها تكون استبدادية لصالح الحكام، وحتى النصوص التي في ظواهرها وفي بواطنها جيدة، والتي استمرت بالوجود لعشرات السنين من تاريخ العراق الحديث لكنه لا يُعمَل بها.

وبالتالي حتى لو كانت لها تفاسير معينة، فإن تلك التفاسير تكون لصالح السلطة، وعليه لابد من أن تكون التشريعات الصادرة من مجلس النواب العراقي، عبر نخبة خبروية مختصة في صياغة القوانين بشكل يخدم حقوق الناس ويخدم حقوق الإنسان بشكل عام، ولا يمكن أن يحيد عن موضوع العدالة، لأنه كل قانون يتم تشريعه اليوم لابد من وجود العدالة بين ثناياه، ولابد أن يخدم أولا وأخيرا حقوق الإنسان ويحفظ حرمته وكرامته ويوفر له احتياجاته ويضمنها له، وكذلك يضمن عدم الاعتداء عليه، ويضمن مصالحه بشكل عام.

الحقيقة إن القوانين العراقية في السنوات الأخيرة أصبحت هناك تخمة في القوانين، وفي التشريعات، وقسم منها حتى لو تم عرضها على عامة الناس، فسوف يتفاجأوا بها، أو بوجود قوانين كهذه تخص بعض القضايا، وللأسف إننا لا زلنا حتى اليوم نعاني من الأمية القانونية في مجتمعنا العراقي، وهناك الكثير من الناس لا يعرفون حقوقهم، أين يمكن أن تقف السلطة، وفي أي حد، وحقوقه تصل إلى أي حد؟

ونشر هذه المعرفة القانونية والتشريعية هي واجب يقع على عاتقنا، كمؤسسات مجتمع مدني، ومؤسسات أخرى معنية بهذا الموضوع كالجامعات وغيرها، فيجب أن تقوم بدورها في التوعية القانونية والتعريف بأهمية التشريع، وموضوع التشريع، وكيفية أن للإنسان حق في نصوص هذه التشريعات، وهذه النصوص والقوانين تمت صياغتها من أجل الإنسان.

علاقة الرؤية الاقتصادية بالتشريعات القانونية

- الأستاذ حامد عبد الحسين الجبوري؛ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية:

ذكر مقدّم الورقة بأن التشريع الرشيد هو ما يتفق عليه أو يرضى به الطرفان الحاكم و المحكوم، هنا يُطرح السؤال التالي: المحكوم يبحث دائما عن المصالح الآنية والسريعة، بينما الحاكم أو المشرّع الذي هو خبير في الجانب القانوني أو التشريعين بصرف النظر عن الحاكم هو ينظر بمنظار آخر بعيد، من أجل تلافي المشاكل التي تحدث في المستقبل.

هنا في هذه الحالة، كيف يمكن أن يتحقق التشريع الرشيد؟ بما أن هذا الموضوع يتعلق بالمجتمع فمن باب أولى أن يكون هناك حصة للمجتمع للمشاركة في التشريع، لكي يحقق الرضى للمجتمعات، باعتبار أن المجتمع هو الذي يحقق القانون الذي يلبي طموحاته وتطلعاته.

هناك نقطة ثانية تتعلق في مسألة المراقبة، فمراقبة الجهات التشريعية مسألة مهمة من قبل الجهات المختصة، هذا أيضا سوف يصب في إنضاج مسألة التشريعات القانونية، ومسألة مشاركة الجمهور في تشريع القوانين ومسألة المراقبة، هاتان نقطتان مهمتان في المساهمة بتطور التشريع.

هناك نقطة معينة بغض النظر عن الأسئلة أود أن أشير لها وهي تتعلق بالعلاقة بين التشريع والاقتصاد، الورقة لم تتطرق لقضية التشريع وعلاقته بالاقتصاد، وهذا الأمر مهم جدا في مسألة الرؤية الاقتصادية للدولة، مثل هناك دولة اليوم تتبنى الرؤية الرأسمالية أو الاشتراكية، هنا سوف يُخلَق دور جديد للتشريع في كل القوانين التي تتعلق بالجانب الاقتصادي، وهنا لابد أن تنسجم التشريعات مع رؤية الدولة في الاقتصاد.

فإذا كانت الرؤية الاقتصادية للدولة رأسمالية لابد أن تكون كل التشريعات القانونية تنسجم مع الجانب الرأسمالي أو الجانب الاشتراكي أو المختلط أو حتى الإسلامي، فهذه المسألة إذا حدث نوع من التعارض سوف يبتعد التشريع عن الرشادة كثيرا أو التشريع الرشيد، فمسألة الانسجام بين النظام الاقتصادي والتشريع لابد أن تُأخذ بعين الاعتبار.

إجابات وتعليقات

وختم الدكتور علاء الحسيني مقدم الورقة البحثية بالإجابة عن الأسئلة المطروحة قائلا:

بالنسبة للدستور العراقي وأنه كيف ممكن أن نحرز رضى الحاكم والمحكوم، لابد أن نقول إن في عملية التشريع هناك موازنة دائما بين مصلحتين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، هذه الموازنة نعطيها نحن عبارة ثانية، وهي عبارة اصطلاحية نصطلح عليها دائما في دراساتنا القانونية، ونسميها السلطة التقديرية.

القاضي يحتاج إلى سلطة تقديرية، والإدارة ونقصد الوزير والمدير والمحافظ يحتاج إلى سلطة تقديرية، وحتى الموظف البسيط يحتاج إلى سلطة تقديرية، لماذا؟، لأن هذه السلطة التقديرية هي الميزان الذي يمكنه من أن يوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بين الأفراد وبين السلطة، اليوم الإدارة أو الحكومة تمثل المصلحة العامة وتسهر على تحقيق المصلحة العامة أما الأفراد فهم يمثلون المصالح الخاصة.

يأتي دور التشريع في الموازنة بين المصلحتين، إذا مال إلى جانب الإدارة على حساب الأفراد، أصبحنا أمام نظام حكم استبدادي، وإذا مال إلى جانب الأفراد سوف تحدث حالة الانفلات، لأنه إعطاء حريات كبيرة من دون ضمانات قانونية فاعلة تؤدي إلى الانفلات، وبالتالي لا يمكن إنفاذ قوة القانون ولا النظام العام.

نحتاج أن نحدد معنى النظام العام؟

النظام العام هو قبة الميزان ما بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، ولا نقصد بالنظام العام المصالح الرئيسة فقط، وإنما نقصد المصالح التي ارتضاها الجميع من دون استثناء، مثلا المصلحة اليوم في أن يعم الأمن أو المصلحة في أن تعم الصحة، أو المصلحة في أن تعم حالة من الحفاظ على الآداب والأخلاق العامة.

هذه القضية لا تهمني أنا شخصيا فحسب، ولاتهم زيدا من الناس بل تهم الجميع، والجميع ارتضى بذلك، فهذه المصالح يجعلها المشرع هي قبة الميزان بالنسبة له، ويحرص على تحقيقيها، لكن في نفس الوقت حتى يكون التشريع راشدا، ينبغي أن لا تكون هذه المصالح هي المحور الوحيد في الحماية القانونية، ولذلك ماذا نسميها نحن في العملية التشريعية، نسميها الفلسفة، فلكل قانون فلسفة.

الآن أنت مثلا لما تريد أن تقر قانون بلديات، أو إدارة بلديات العراق، الفلسفة هل تريد أن تقوي الحكم البلدي؟، أم تضعف هذا الحكم، أقصد تقوّي البلديات أم تضعفها، هذه فلسفة، والمشرع ينطلق من فلسفة، وهذه الفلسفة فيها جانب اقتصادي، وفيها جانب ثقافي، وفيها جانب إداري، وفيها جانب سياسي، جانب سياسي أنه أنت تضعف المركز وتقوي الأطراف.

أما الجانب الاقتصادي فأنت تخلق هيئات قادرة على ممارسة العمل الاقتصادي، لديها معامل للبلدية ومصانع للبلدية أيضا ولديها عمال أيضا، إذن فأنت من خلال هذه العملية سوف تبرز عندك الفلسفة التشريعية التي يؤمن بها القابض على السلطة، فكلما كان القابض على السلطة يؤمن بفلسفة اقتصادية معينة سوف يعكسها من خلال تشريعاته.

وكلما كان يؤمن بفلسفة ثقافية معينة، سوف يعكسها من خلال تشريعاته، وكلما كان يؤمن بفلسفة سياسية معينة أو إدارية معينة سوف يعكسها من خلال تشريعاته، لذلك فأنت عندما تتصفح التشريعات المالكية ماذا تلمس؟ – وقد ذكرت هذا في الورقة سابقا - سوف تلمس تكريسا للحكم المركزي، والحكم الدكتاتوري الملكي لكن بشكل آخر وليس بشكل صريح و واضح.

ولما تتصفح العهد الجمهوري ماذا ستجد؟، تكريسا لسلطة العسكر، وتقديس للثورية أو الشرعية الثورية الجمهورية، وإبعاد أذهان الناس عن الشرعية الديمقراطية، أو الشرعية الشعبية، وكأن هؤلاء خُلقوا ليكونوا أوصياء على الشعب، هؤلاء الستة أو السبعة أو الثمانية، هؤلاء هم الذين يفكرون وعلى الشعب أن يسمع ويطيع؟

وهؤلاء سوف يعكسون فلسفتهم في الحكم، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، فلسفتهم في كل شيء، من خلال تشريعاتهم، لذلك فإن الفلسفة مهمة جدا بالنسبة للمشرع، وأن يكون المشرع على وعي بالنسبة للفلسفة.

ونحن نسميها السياسة التشريعية، الآن نريد مثلا أن نكافح ظاهرة المخدرات، لابد أن أرسم سياسة تشريعية، معتمدة على فلسفة تشريعية واضحة، فلسفة في أنك تنقذ المجتمع من آفة المخدرات، هذه الفلسفة تعني المصلحة العامة التي انطلقت منها، أو نقطة الصفر أو الشروع التي انطلقت باتجاهها، حسنا ماذا أحتاج، سوف أحتاج إلى عوامل نجاح.

أول عامل نجاح هو السياسة التشريعية، أن السياسة التشريعية هل أقوم بإصدار قانون فقط، حتى يؤدي إلى تحقيق هذه النتيجة، أم أعدل قانون آخر وأمنح القاضي سلطة تقديرية تتبع الحالات الواقعية، أنا أصدرت قانونا أسميته قانون المخدرات، ولكن احتاج أن أعدل قانون آخر وقد يكون المقابل لا يعرف أهمية هذه المسألة، وإنما المختص يفهم أنه لابد من فلسفة أو سياسة تشريعية، فالمشرع كرس عشرات القوانين للقضاء على هذه الآفة.

هذا الرأي انطلق من أين؟، من فلسفة قدر لا نشعر بها نحن، كأفراد أو كشعب، لكن يفترض أنه راسم السياسة التشريعية يكون منطلِقا من هذه الفلسفة التشريعية أولا، ومنطلِق من هذه السياسة التشريعية أنك لابد أن تخلق أعوان يعينون في القضاء عليها، من هؤلاء؟، قد تخلق من الشعب نفسه عونا لك من خلال ماذا؟

من خلال مثلا أنك تصدر قانون مكافأة المخبرين، وقد يقول أحدهم ما علاقة المخبرين بالمخدرات، كلا بل هو مهم جدا، قانون 38.. سنة 2008 قانون مكافأة المخبرين أن من يخبر عن تاجر مخدرات سوف يحصل على مكافأة معينة، فماذا فعلت هنا، إنك خلقت فلسفة وسياسة تشريعية، وأنني حاصرت هذه الآفة من كل جوانبها حتى أقضي عليها، وحتى أحقق الفلسفة التي هي بمثابة النظام العام أو هي فلسفة الموازنة ما بين المصالح العامة والمصالح الخاصة.

قد تقول إن المصالح الخاص نشاط معين وتبرر ذلك بتبرير معين، لكن هنا سواء غلبت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة أو لم تغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فالسياسة الاقتصادية التي ذكرها الأستاذ حامد عبد الحسين ماذا تحتاج؟ حتى تنضج هذه السياسة، إنها تحتاج أن ترجع إلى فلسفة القابض على السلطة، من نعني بالقابض على السلطة، إنه ليس الذي وضع النص الدستوري وإنما الذي تلاه قبل ذلك.

اليوم مثلا هناك مادة تتكلم عن التداول السلمي للسلطة، في كل أربع سنوات يوجد برلمان، وهذا البرلمان قد يجيء بأفراد لا يؤمنون بما جاء به أسلافهم في البرلمان، وبالتالي ينقضون ما قام به أسلافهم من سياسة اقتصادية معينة، لذلك ماذا تحتاج، تحتاج إلى القانون والمشرع الذي يرسم للبلاد سياسة اقتصادية واضحة،.

أما دستور مشوش في 2005 فإنه لم يرسم سياسة ولا هوية اقتصادية حقيقية عدا المادة 25 التي تكلمت عن أن الدولة مسؤولة عن إصلاح الاقتصاد العراقي بأسس اقتصادية حديثة وكذا.... وهذا يعني أنك لم تستطع أن ترسم استراتيجية دستورية تلزم جميع من سيأتي لاحقا بالسلطة التشريعية على المستوى الاتحادي ودون الاتحادي حتى يسيرون في ضوء هذه الفلسفة، ولذلك نلاحظ أن الفلسفة التشريعية متباينة ما بين المركز وما بين الاقليم ما بين المركز وما بين المحافظات.

تطبيق القوانين في المحافظات سوف يختلف أو ينحرف باتجاه آخر لماذا، لأن فلسفة أو هوية الدولة الاقتصادية غير واضحة لدينا، بسبب القصور التشريعي أيضا، أما مسألة الحقوق والحريات التي أشار لها احد الأخوة فإن مسألة الحقوق والحريات لا نربطها بقضية الأغلبية وعدم الأغلبية، هناك شِرعة دولية، وشرعة إلهية لحقوق معينة، هذه الحقوق دعنا نسميها المتعارف أو المتفق عليها.

حق الإنسان في الحياة، حق الإنسان في الحرية، حق الإنسان في السكن، حق الإنسان في الكرامة، هذه لا يختلف عليها اثنان، سواء كان ديانته أو مذهبه أو هويته مختلفة عن غيرها، أو اختلاف هويته الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية، فهؤلاء لا يختلفون حول هذه الحقوق والكل متفقون على الشرعة.

أما التفاصيل الجزئية سوف تأتينا المادة 46 من الدستور العراقي تتكفل بهذه القضية، لأن المشرع قال بأن الحقوق والحريات يمكن أن تنظم بقانون على أن لا يمس التنظيم الحق أو الحرية، هذا هو المعيار أنه لا نمس جوهر الحق هذا هو أهم شيء وجوهر الحرية وما عداهما من الممكن أن ينظم في قانون.

..........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2024
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق