لم تتوفر فرصة تاريخية مهمة وكبيرة كالتي تتوفر للدكتور العبادي. وهي دعم المرجعية وتفويض الشارع العراقي بكل تنوعه لمحاربة الفساد، والمتابع للشأن السياسي العراقي يرى بوضوح تعاطف غالبية الشارع العراقي الكبير معه ولم يُذكر الرجل بسوء طيلة هذه الأزمة ولم يرفع أي شعار ضده بالرغم من انتقاد جميع السياسيين وحتى في الرسوم الكاريكاتورية لم نشاهد ما يسئ للرجل فبقي في منأى عن السخط الجماهيري، وهذا دليل على احترام الشارع وثقته به، فالعراقيون استبشروا خيراً بقراراته الجريئة الأولى من كشف الفضائيين الى اقالة كبار الضباط المتورطين بفضيحة سقوط الموصل الى رفع صوره ولقبه السياسي وحتى مشروعه الأخير من أين لك هذا.

وجائت خطبة الجمعة اليوم لتؤكد موقف الشارع العراقي. وتوفر دعما قوياً لرئيس الوزراء، وتمنحه قوة وغطاءاً شرعياً إضافة للدستور. والدعم الشعبي، واعتقد ان كلام المرجعية العليا اليوم بمثابة الضوء الأخضر ليقوم بخطوات عملية لضرب الفاسدين والوقوف الى جانب الشعب العراقي، وبنفس الوقت هو تحذير للحكومة بان ما يتخذه السيد العبادي هو ضمن توجهات المرجعية ومدعوم من قبلها وأطلقت كلمة (يد من حديد) للدلالة على عدم التراخي والمجاملة.

اذا تراجع العبادي ولم يستغل هذه الفرصة وهذا الدعم المرجعي والجماهيري فانه يكتب على التجربة الجديدة النهاية، فالمرجعية لم تقل هذا الكلام عبثاً لولا أنها مدركة تماماً لخطورة المرحلة والوضع، لذا دعت العبادي ان يتخذ قرارات جريئة وحاسمة، ولعل هذه هي المرة الأولى التي. تكون المرجعية صريحة وحازمة وداعمة لقائد سياسي منذ إطلاق العملية السياسية، وهذا يدل على عمق الأزمة والعواقب الوخيمة التي تنتج عنها فيما اذا تُرك الحبل على الغارب وسمح للعابثين بمقدرات البلد بالاستمرار بهذا العبث، ولم تبادر الحكومة بخطوات عملية وقوية.

ولنكن اكثر صراحة، ان الهجمة اليوم استهدفت القيادات الشيعية والتجربة الشيعية في السلطة وركزت على سوء إدارة الشيعة وهذا يعني ان المكون الشيعي في خطر وهو مهدد في حاضره ومستقبله، وان ما تقوم به القيادات السياسية من فساد هو هدية ثمينة تقدم للدواعش من بعثيين وتكفيريين، لذا لا بديل عن تطبيق القانون على الجميع ومحاسبتهم. وتقديمهم للعدالة فيما اذا ثبت ذلك عليهم فقانون (من أين لك هذا) هو الخطوة الأولى لتخفيف سيطرة الحيتان السياسية وتغولها على أموال وعقارات الدولة. والوظائف العامة، فالجميع يجب ان يكونوا تحت سلطة القانون، وما يساعد العبادي على ذلك هو الخوف والرعب الذي دخل قلوب السياسيين الفاسدين وأعلنوا انضمامهم وتأييدهم للتظاهرات.

وهنا لابد من الإشارة الى نقطة مهمة على السيد رئيس الوزراء ان يلتفت اليها وهي تطبيق القانون على جميع الفاسدين من عرب وأكراد سنة وشيعة، وان يشكل خلية أزمة وقوة أمنية تابعة له شخصياً ولا تأخذ أوامرها إلا منه لتكون ذراعه الضاربة لمكافحة الفساد. وإذا ما اصطدم بالكتل وهذا متوقع عليه ان يدخل التاريخ من أوسع ابوابه وهو النزيه وابن العائلة المضحية أن يعلن إسقالته ويحرج الفاسدين ويعريهم ويقلب الطاولة عليهم جميعاً، حين ذلك سيلتف الشعب من حوله ولن يتركه وحيداً. وسيكون الحشد الشعبي أول المبادرين لدعمه والوقوف الى جانبه.

القانون يجب ان يكون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً (مونتيسيكيو)

* كاتب وإعلامي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0