منذ أن ترك رئاسة هيئة النزاهة عام 2008 بعد تقدمه شخصيا بطلب الإحالة على التقاعد؛ وهو مشغول في توثيق حالة الفساد المستشري في العراق بحثا وتحليلا وتقصيا واستنتاجا، وقد أثمرت نتيجة هذا الجهد التخصصي الرائع والمضني ثلاثة من أكثر الكتب اهتماما بموضوع الفساد في العراق، هي على التوالي:

1ـ قصة الفساد في العراق، دار الشجرة للنشر، دمشق، 2013

2ـ الفساد في العراق؛ خراب القدوة وفوضى الحكم، دار الروسم، بغداد، 2015

3ـ سنوات الفساد التي أضاعت كل شيء، دار الروسم، بغداد، 2015

وبالرغم من كون الأستاذ موسى فرج، كان من أوائل من دعا إلى مواجهة الفساد المالي والإداري الذي تسبب به النظام السابق؛ من خلال مجموعة مقالات نشرتها له صحيفتا المؤتمر والزمان يومي 14و15 ت2 2003 إلا أن انضمامه إلى اللجنة التي شكلت في مجلس الحكم لمكافحة الفساد وهي اللجنة التي أعدت مشروعي قانوني هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين، ومن ثم تعيينه مفتشا عاما لوزارة البلديات عام2004 ونائبا لرئيس هيئة النزاهة عام 2005 ورئيسا للهيئة عام 2007، كل ذلك وضعه وجها لوجه أمام جميع حالات الفساد المشخصة والمتوقعة لدرجة أنه وصل إلى قناعة جعلته أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما، واحد يؤدي إلى حيث الحشر مع الناس عيد؛ وهو طريق الذين لا يخافون الله تعالى، من الذين يمتهنون بيع الضمير بأرخص الأثمان.

والثاني يؤدي إلى حيث (لم يترك لي الحق صديقا). وكان الخيار صعبا، فمن يترك رئاسة هيئة مستقلة لها سلطة إدانة أكبر رؤوس البلاد بكل ما يمثله ذاك من شعور بالفوقية لا يعوضه شيء؟، لكن من يعتقد ومن يمكن أن يصدق أن الإنسان الشريف المخلص يمكن أن يرضخ لمغريات السلطة والجاه، فيبيع مبادئه بحفنة من الدولارات في زمن صارت المتاجرة بالمبادئ من أهم سماته وسمات البشر فيه؟! وقف موسى فرج أمام هذه المخايرة شامخا، فاختار ما يرضاه ضميره لا ما ترغبه نفسه.

إن اعتزال موسى فرج؛ لم يحفظه من شرور الأشرار فحسب مما جعله يربح نفسه، وإنما كان مكسبا للعراقيين، لأنه تفرغ ليكتب تجربته الثرة، واتصاله المباشر بالحدث دون وساطة، وكانت ثمرات هذا الجهد تلك المؤلفات الثلاث الرائعة، التي تداخلت مواضيعها حالها حال أي كتب تخصصية أخرى تكتب في حقل علمي محدد، فالحديث عن الفساد يفضي إلى ضرورة العودة إلى ما ذكر في الكتب السابقة إما لربطه بموضوع جديد أو للتذكير بتأثيره على هذا الموضوع أو لمجرد التذكير والاستطراد، ولكن هذا التداخل لم يلحق خللا بمنهجية الكتب وإنما أعطى لكل منها فرادة وتميزا ولاسيما وأن كل منها أثرى الكتابين الآخرين وعضدهما؛ وبعدها بدا كل كتاب منها بناء شاهقا، قائما بذاته، هادفا إلى نتيجة يبحث الباحث عن جذورها وأسبابها ومسبباتها وتأثيرها ونتائجها وربما الآليات التي يمكن من خلالها أو بمساعدتها حل الإشكالية القائمة، أو المسببة لها، وأنا هنا أسميها إشكالية لأنها واقعا قائمة على عدة مشاكل بما يتجاوز حدود المشكلة الواحدة. ولو قيض لموسى فرج البقاء في الوظيفة، إما كنا سنخسره نتيجة مواقفه الحدية، أو كنا سنخسر ما جاء في تلك المؤلفات التي ما كان لها أن تولد لولا الابتعاد عن الوظيفة ومشاغلها.

فمن من يعرف موسى فرج على أرض الواقع، يدرك مجموعة حقائق غريبة جدا:

الأولى: أنه لو كان من محبي أو مؤيدي الفساد أو من الساكتين عنه؛ مثل غيره، للبث في بطن الهيئة التي تسمح له بمحاسبة أي فرد في الدولة واكبر رأس بالبلاد بغض النظر عن مركزه ومسؤوليته؛ إلى يوم يبعثون، ولقاتل من أجل ذلك بكل ما أؤتي من قوة، لا أن يتطوع بنفسه ليخلصهم من مشاكسته فيحيل نفسه على التقاعد!.

الثانية: أن ما يورده في كتبه يمثل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

الثالثة: أنه في كتبه هذه يتحدى، ويتحدى قوى سطوتها لا ترد، وبذا يعرض نفسه لا للمساءلة القانونية لأنه خبير بألعاب القانون، وإنما للمساءلة العدوانية التي قد تنتهي بإطلاقة من كاتم في الرأس أو القلب، ولطالما حذرته من ذلك.!

لكن موسى فرج المولع بالمشاكسة يرفض المهادنة لأنه مجبول على التحدي، ففي بداية كتابه "قصة الفساد في العراق" كتب نصيحة، يبدو من خلالها وقد شهر سيفا بوجه من يرفضون التحدي، ووضع نفسه في مواجهة الخطر، فهو يقول: "وان الأولوية في مواجهتك للفساد فساد الكبار، فاكبح الكبار يتأدب الصغار" وهذا يعني أنه وقف في مواجهة حيتان كبيرة. إن هذا الموقف يبدو شديد الغرابة في عراق ما بعد التغيير، ولاسيما وان الناس اختارت عن طيب خاطر أن تكون طلقات في مسدسات الآخرين عسى أن ينالها بعض الفتات، أما هو فينصح معيته بالقول: "ولا تكن مجرد طلقة في مسدسات الآخرين"

لقد كان موسى فرج يحلم حلما ورديا، مثل أحلام جميع العراقيين الطيبين الذين ظنوا أن التغيير جاء لينصفهم، ولذا حدد الخطوات التي سينفذها في طريق البحث عن النزاهة في عراق ما بعد التغيير، فقال في بيانه الصحفي الذي أصدره بعد تسنمه رئاسة الهيئة: "لن اخضع، لن اهرب، لن أستجير بغير العراقي على عراقي، ولن اذهب إلى الكونغرس أو الدوما بل إلى مجلس النواب". لقد كان مدركا لحجم المخاطر وعظم المسؤولية ولذا وضع موسى فرج نصب عينيه التخلي عن الوظيفة متى ما شعر أن هناك من يحاصره ليمنعه من أداء عمله، ولذا قال في بيانه الصحفي الذي أصدره بعد تعيينه: "وان وجدت الطريق مسدودا أمامي من قبل الأطراف العراقية عدت إلى عائلتي لأكون فخورا بينهم بسيرتي، وعملت لشعبي؛ بقية حياتي في مجال آخر". وحينما شعر بوطأة الحمل اعتزل في بيته ليهدي للعراقيين هذه الثمار من الرطب الجني.

وإن كان موسى فرج قد جازف بالقارئ في أول كتابين وضعهما لأنه دخل وأدخلنا معه إلى بيت التنين دون سابق إنذار، حتى أننا كنا نشعر بالرهبة كلما توغلنا في النفق؛ الذي فتحه لنا الكتاب الأول، والذي دفعنا إلى عمقه الكتاب الثاني، لكنه في الكتاب الثالث، الموسوم "الفساد في العراق؛ خراب القدوة وفوضى الحكم" ترك الذكريات الأليمة جانبا ليأخذنا إلى بدايات القصة، فحدثنا عن مفاهيم الفساد وأضراره والجهود الدولية لمحاربته ثم عرج للتحدث عن الفساد في العراق وتاريخه وبيئته وأنواعه وحجمه وأضراره، وأخطر ما تناوله في هذا الكتاب كان الحديث عن مستقبل المواجهة مع الفساد في العراق.

من هذه التراتبية التي أظنها متعمدة، وكأن الأستاذ موسى كان يريد أن يحدث عصفا ذهنيا عندنا قبل أن يدخلنا إلى متاهات الفساد، يبدو الدافع لتأليف هذه الكتب الثلاث شعورا بغصة وألم لا حدود له، ولا يمكن التنفيس عنه إلا بإخبار الآخرين به، ولكن حتى مع هذا السعي يبقى وجوده في قلب من عانى منه نتيجة الممارسة تفردا لا يدرك الآخرون أهميته وكثرة وجعه، ولذا أتوقع من الأستاذ موسى أن يعود للكتابة عن الفساد في العراق مرات ومرات لأن قلبه لا زال يحمل الكثير من الألم.!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0